مسرح
السلطان‚‚ في
اليوم العالمي للمسرح
أبوبكر القاضي
متى كان للفكر وطن؟ هذا السؤال نرفعه في وجه الجامعة العربية التي تتهرب من مجرد مناقشة مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي طرحته أميركا‚ وما زالت تتباحث بشأنه مع شركائها في أوروبا واليابان‚ ويهدف إلى إعادة صياغة الانسان العربي والمسلم من المغرب وحتى اندونيسيا‚ ولكنه يستهدف بصورة مركزة أماكن التوتر الحالية: السعودية ومصر ودول الخليج‚ أماكن الجذور الثقافية للشيخ اسامة بن لادن والدكتور ايمن الظواهري والتي تبلورت في المشروع التكفيري للقاعدة‚ هذا المشروع الذي غيّر مجرى التاريخ البشري في 11 سبتمبر 2001‚ في غزوه لأميركا في عقر دارها مستخدما تكنولوجيتها وادواتها‚ هذا المشروع الذي اعاد اثبات وجوده في 11 مارس 2004 في احداث مترو الانفاق في مدريد عاصمة اسبانيا‚ وقلب موازين السياسة بين عشية وضحاها في الانتخابات الاسبانية الأخيرة‚ هذا المشروع التكفيري الذي عمم الهلع في أوروبا خاصة بعد المحاولة الفاشلة لتفجير مترو الانفاق في باريس بعد نجاح تجربة مدريد‚ اذن الواقع المعاش‚ والتجربة العملية تثبت يوما بعد يوم ان النظريات التي يروج لها اليهود وخلاصتها ان التطرف الإسلامي هو أكبر مهدد أمني للغرب كله بعد سقوط الاتحاد السوفياتي‚ والمعسكر الشرقي في أوروبا وانتهاء الحرب الباردة له وجه من الصحة‚ الواقع يقول اننا كمسلمين لم نفلح حتى الآن في البراءة الفعلية من مشروع بن لادن والظواهري الذي يرفض الآخر الغربي‚ وأكبر دليل على ذلك هو النكبة التي اصابت مشروع الاصلاح الإيراني بقيادة الدكتور خاتمي في إيران‚ حيث أفلح التيار المتشدد في إيران في اجهاض مشروع خاتمي الاصلاحي وتمكن عن طريق العزل السياسي من حرمان رموز الاصلاح من الترشيح للانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت في شهر فبراير الماضي‚ بعد ان عرقل خلال الثماني سنوات الماضية‚ كل جهود الاصلاح‚ ويجيء قرار تأجيل اجتماع الجامعة العربية بسبب الاختلاف‚ اصلاح الجامعة‚ والاصلاحات السياسية المرتبطة بالمشروع الأميركي للشرق الأوسط الكبير كحلقة أخرى من حلقات الرفض التعسفي للتغيير السلمي والتداول السلمي للسلطة‚ ماذا لو عاملنا الغرب بالمثل ـ رفض الإسلام لانه مستورد؟ ان فكرة العالمية والعولمة هي بالأساس فكرة إسلامية‚ فاذا كان الرسل في الماضي يرسلون لمهام محددة لشعوب بعينها (اذهب إلى فرعون)‚ وإلى انقاذ بني إسرائيل من عذاب فرعون‚ فان قناعة المسلمين ان رسالتنا الخاتمة هي للعالمين‚ وخطابها «يا أيها الناس»‚ فكيف يحق لأمة رسالتها للعالم ولكل الأوطان في كل الأزمان ان ترفض المشروع الأميركي بحجة انه مستورد؟ ان اي مشروع من حيث المبدأ لا يستمد صلاحيته من مصدره الذي جاء منه‚ والجهة التي جاء منها‚ وانما يستمد مشروعيته من مقدرته من الناحية الموضوعية على حل مشاكل الناس المعنيين المقدم لهم هذا المشروع‚ ان المشروع الأميركي الذي تتردد جامعتنا العربية حتى في مبدأ مناقشته يشتمل على ثلاثة عناصر جوهرية هي: 1ـ المشاركة الشعبية عبر مؤسسات المجتمع المدني‚ 2ـ المشاركة الفاعلة للمرأة‚ باعتبارها أساس الأسرة الصالحة الكريمة‚ 3ـ تطوير المناهج الدراسية التي انتجت عقليات التكفير وعدم الاعتراف بالآخر‚ بل والسعي إلى تدمير الآخر‚ بحيث يتم ابراز سمات التسامح وقبول الآخر عبر رؤية إسلامية مستمدة من ديننا الإسلامي السمح نفسه‚ مسرح السلطان العربي‚‚ في اليوم العالمي للمسرح ابدع الكاتب سعد الله ونوس صاحب مسرحية «الملك هو الملك» في تصوير اوضاع السلطان العربي قديما وحديثا‚ حيث التراث السلطوي الكسروي ما زال سائدا‚ وما زالت شخوص المجتمع العربي التي ترمز إلى طبقاته تتمثل في الملك‚ الوزير‚ مقدم الأمن‚ السياف‚ رجل الدين‚ الشهبندر (رئيس التجار)‚ الملكة‚ والجواري والخادمة ميمون‚ فرموز السلطة تتكون من عناصر سمتها الإرهاب والرعب للشعب‚ وعقيدة السلطان هي ان الدماء تثبت أركان النظام! والسياف يدرك قيمته‚ ودوره‚ ويخشى على وظيفته ويغير عليها حتى من خواطر الملك نفسه‚ يقول صاحب (مسرحية الملك هو الملك) على لسان السياف: «القلوب الضعيفة تظن ان قطع الرقاب مهنة كريهة‚ وهناك عقول خائرة تتوهم ان سيافا مثلي لا يذوق الراحة في رقاده‚ ولكن اقول وانا العارف جيدا ماذا اقول‚ هذه المهنة تسكرني باللذة‚ اي نشوة حين أهوي بالبلطة! أي نشوة حين يتدحرج الرأس! أي نشوة حين تنبثق نوافير الدم! أكثر من نشوة‚ هي رعشة حسية لا توصف‚ لقد ذاقها الملك مرة‚ لا أدري من اين جاءته تلك النزوة‚ نفذ احد الاحكام بنفسه‚ فأدركت من رخاء حركاته انه تذوق تلك الرعشة‚ لم المح وجهه إلا خلسة‚ ولكن شعرت ان نظرته تختلج فيها الغيرة‚‚ آه‚‚ اذا لم ابق السياف فماذا استطيع ان أكون!» فالتحية للكتاب والمسرحيين العرب‚ ولنتذكر في هذا اليوم القولة «اعطني مسرحا اعطيك أمة»‚ التناسب العكسي بين البطش والإخفاق! هناك علاقة تناسب عكسي بين درجة البطش لدى السلطان‚ واعتماده على البلطة والبلطجي‚ وبين درجة نجاح هذا السلطان في تحقيق النمو الاقتصادي والتنمية الشاملة رأسيا لقدرات المواطن‚ فالسلطان الفاشل يغطي فشله بالإرهاب والتخويف وقطع الاعناق فهو يدري ان لا رادع للرعاع والدهماء كما كان يسميهم (وما زال)‚ لا يردعهم من الثورة من اجل الخبز إلا الخوف على اعناقهم ومن بلطة السياف‚ والخوف من الاعتقال التحفظي تحت لافتة حالة الطوارئ التي تحولت إلى حالة دائمة منذ حرب يونيو 1967 لحين قبول مشروع الشرق الأوسط الكبير‚ مسرحية ليس في شخوصها موقع للشعب!! أهم ما يميز مسرحية سعد الله ونوّس (الملك هو الملك) انه ليس في شخوصها الذين استعرضناهم قبل قليل موقع للشعب‚ فالشعب غائب تماما عن المسرح وان كان حاضرا في ذهن الجميع‚ فكل اصحاب الادوار الايجابية في مسرح السلطان يستهدفون هذا الشعب‚ فالوزير‚ ومقدم الأمن والسياف كلهم معنيون بسحق الشعب في علاقة أساسها الراعي والرعية الرعاع‚ لماذا نرفض ثقافة «مجلس العموم» و«مجلس اللوردات والشيوخ»؟ والمحكمة الدستورية؟ مجلس «العموم» في الثقافة الغربية البريطانية يعني بالبلدي «مجلس السواد الأعظم من الشعب»‚ فالسيد توني بلير هو من سواد الشعب‚ صعد إلى قمة السلطة التنفيذية وصار الوزير الأول عندما تمكن من تضميد جراح حزب العمال‚ بعد ان عاش المحافظون مجدهم الحديث الذي بنته المرأة الحديدية تاتشر التي استعادت امجاد البحرية البريطانية في حرب الفوكلاند‚ باختصار‚ ما يطالب به شعبنا العربي من البحر إلى البحر هو مشاركة السواد الاعظم في حكم نفسه‚ والغاء وظيفة السياف وفكرة استخدام السيف ضد الشعب‚ وان ينتزع الشعب العربي حقه في التعبير والمشاركة في دولة المؤسسات المستقلة‚ مسرح الحكام انهار ولم يمت بعد الممثلون! يقول المثل العربي «تمخض الجبل فولد فأرا» يضرب هذا المثل عندما تفشل قمة شماء مثل القمة العربية في تونس‚ وتكون نتائجها صفرا في زمن الهموم الكبيرة لأمة عربية عريقة‚ وفي زمن احتلال بغداد والبصرة والنجف‚ وهذه رموز لا تخفى على احد‚ وفي زمن اغتيال الرمز البطل الشيخ أحمد ياسين‚ وقد خرجت الشعوب الإسلامية من نيجيريا وحتى باكستان منددة باغتياله‚ ومسببة الحرج للحكام العرب‚ لقد انهار اجتماع القمة العربية في تونس لان السلطان العربي لم يكن مستعدا للتغيير‚ ولان «الملك يريد ان يبقى الملك»‚ الذي يعتمد على السياف وبلطته لا على الجماهير العريضة‚ صاحبة المصلحة في التغيير‚ اننا نعلم ان أميركا قد احتلت العراق فعليا والعالم العربي كله حكميا‚ من اجل حماية مصالحها‚ وطرحت الشرق الأوسط الكبير ايضا من مصالحها وامنها القومي‚ ولكننا نعلم ايضا ان حكامنا العرب حين رفضوا المشروع الأميركي لم تكن الشعوب أو القيم الإسلامية هي همهم الأول‚ وانما كراسيهم هي التي تهمهم‚ انهارت قمة تونس التي رفضت اصلاح بيت العرب‚ والاصلاحات السياسية الأميركية وبقي حكامنا يتحكمون في رقابنا‚ وصدق نزار قباني في وصفه لحكامنا في مسرحيته الشعرية (الممثلون) حيث يقول في ختامها «انهار المسرح على أركانه ولم يمت بعد الممثلون»‚ التحية مرة أخرى للكتاب والممثلين في اليوم العالمي للمسرح‚