حول مقولة (الحضارة صنعتها لحظة تمرد)
من لم يتمرد أو تحدثه نفسه بالتمرد على اوضاعنا العربية الراهنة‚ مات ميتة ظلامية‚ في هذا الوقت فقط‚ بعد ان خططت أميركا والمجموعة الأوروبية واليابان لاعادة صياغة الانسان العربي والمسلم الذي تشرب الثقافة العربية والفكر العربي من خلال الدولة السلطانية ومن خلال الامبراطوريات الإسلامية (الأموية‚ العباسية‚ العثمانية‚‚‚ إلخ)‚ في هذا الوقت اجتمع وزراء الخارجية العرب لوضع مشروع عربي (مضاد) لمشروع الشرق الأوسط الكبير‚ ثم نظمت الجامعة العربية ملتقى للعلماء والخبراء بالاسكندرية لاعداد مشروع اصلاح عربي كبديل لمشروع الشرق الأوسط الكبير‚ وبسؤال بعض المشاركين‚ قالوا تجاهلنا تماما المشروع الأميركي‚ ووضعنا مشروعا (من عندنا) يعني‚ تأليف ولحن واداء عربي 100% ورفضنا اي فكر أو مشروع مستورد!‚ يا للمهزلة! ان العالم العربي الذي يستورد كل شيء‚ الطائرة‚ السيارة‚ السفينة‚ القطار‚ مصانع الانتاج‚ يستورد‚ من أميركا وأوروبا حتى غذاءه من القمح وخلافه‚ لقد هان علينا ان نستورد كل شيء من أميركا وأوروبا واليابان وصعب علينا ان نستورد المنهج السياسي والعلمي الذي قادهم إلى هذا التطور‚ لنهجن به ثقافتنا التي جعلتنا عالة على أميركا؟ لقد هزمتنا إسرائيل منذ 1948 و 1956‚ و 1967 وحتى في 1973‚ ولم يمنعها كونها في حالة حرب مع جيرانها العرب الذين يحيطون بها من كل الجوانب من ممارسة الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة‚ في حين ان حكامنا في العالم العربي قد جعلوا من إسرائيل شماعة لتبرير الاستبداد واستمرار حالة الطوارئ إلى الأبد‚ وملأوا السجون العربية بالشرفاء الاحرار دعاة الاصلاح والتجديد‚ هذه هي الاوضاع العربية التي (تمرد) عليها فناننا اللبناني الاصل الذي وطنه قلوب عشاق فنه الأصيل‚ الملتزم الذي يدعونا للنهوض من الكبوات المتلاحقة ويحيي الأمل فينا على امتداد وطننا العربي الكبير‚ مارسيل خليفة‚‚ فنان قضية استقبلت مدينة الدوحة بالاحضان الفنان الملتزم بقضيته مارسيل خليفة‚ وذلك في إطار مهرجان الدوحة الثقافي 2004‚ هذا الفنان الملهم الجاد الذي رسم طريق المقاومة‚ وخلد كلمات الشاعر المناضل محمود درويش‚ هذا العلم المرفوع الباقي ابد الدهر بكلماته التورانية التي تضيء الطريق لكل مظلوم‚ وطريق المقاومة الذي اختطه مارسيل خليفة لنفسه هو (التمرد) للقفز على مستنقعات التخلف والانحطاط الفكري والأدبي ـ على حد تعبيره في مؤتمره الصحفي الذي عقده بالشيراتون يوم السبت 13 مارس 2004‚ وقال فيه انه يرى (ان الحضارة صنعتها لحظة تمرد)‚ وتساءل عن قيمة الفن ان لم يكن تمردا؟ وانتقد خليفة أوضاعنا الفنية السائدة هذه الايام منوها إلى انه يجري هذه الأيام الهاؤنا باغراقنا في اشكال والوان من الفنون الرخيصة والتسلية المنهكة للعقل والخيال‚ ومنافسات ليست لإذكاء روح المنافسة‚ بل لتحويل الطاقات والهوايات بعيدا عن الانشغال بالهموم الحقيقية للمجتمع‚ ما هو التمرد؟ ولم التمرد؟ وما هي وسائله؟ المتمرد هو ذلك الإنسان المتجرد الذي حمل روحه بين أصابعه‚ ومد يديه ورجليه لجنازير وسلاسل السلطان‚ لان المتمرد هو الذي يرفض الاوضاع السائدة التي ادت بنا إلى هذا الدرك‚ ورمز التمرد في الشام الكبرى هو الشيخ حسن نصر الله‚ وهو صلاح الدين في زماننا‚ اعطانا الامل في الانتصار ولو بعد حين‚ واقدم متمرد في السودان هو الدكتور جون قرنق‚ صاحب ورائد مشروع السودان الجديد‚ فتمرده اصلا يستهدف السودان القديم‚ سودان الثقافة العوراء التي ترى السودان كوطن للعرب وحدهم ودون غيرهم‚ السودان الذي يرفض تعددية الاعراق والثقافات والافكار‚ ويكرس الاستعلاء العروبي (الزائف) ويرغم كل من نطق بالعربية بعد الشهادتين ان يصطنع لنفسه شجرة نسب ترفعه من (سوداني) إلى شريف من قبيلة قريش‚ في استلاب واضح واحتقار للذات‚ لان الانتساب إلى قريش يعطي امتيازا في السلطة والثروة‚ وآخر المتمردين في السودان وليس الأخير! هم‚ عبدالواحد‚ وميني اركوني‚ ود‚خليل‚ رموز حركتي تحرير السودان‚ والعدل المساواة‚ ان حكومة المركز في الخرطوم تكره المتعلمين من الجنوبيين وابناء دارفور‚ وتقول ان المواطن العادي البسيط في الجنوب ودارفور طيب جدا‚ ولكن المصائب كلها تأتي من المتعلمين‚ وهذا شيء طبيعي‚ فالبسطاء في الجنوب ودارفور لا يدركون حجم القضية‚ لان محيط تفكير الواحد منهم لا يتجاوز مساحة المراعي التي يرعى فيها ابقاره واغنامه‚ أما المتعلم فهو عكس الإنسان البسيط يدرك المظالم‚ ومن الذي تسبب فيها‚ كما يعلم توقيت الثورة‚ ووسائلها ونتائجها واذا كنا نتحدث عن الثورة والتمرد في دارفور فاننا لن نبخل في هذه المساحة بذكر اسم الشهيد داوود يحيى بولاد أول من قاد التمرد المسلح ضد الانقاذ عام 1991‚ مارسيل خليفة يغني لسجناء الضمير في الزنزانات العربية بدأ خليفة سهرته الغنائية التي تخللتها فواصل من الجمل الاعتراضية الرائعة كمقدمات‚ في امسية الاحد 14 مارس 2004 بمسرح فندق الريتزكارلتون على الهواء الطلق بجوار مياه الخليج‚ وقد كانت السهرة ايضا منقولة على الهواء مباشرة‚ وقد وظف الفنان صاحب القضية هذه الفرصة نفسها لخدمة قضيته وليخاطب شعبه العربي من البحر إلى البحر‚ بدأ سهرته بمقطوعات موسيقية اندلسية ثم موشحات و(آهات اندلسية) على حد تعبيره‚ كأنه يريد ان يذكر أهل الخليج في زمن الاحتلال الانجلو ساكسوني للعراق اننا أمة لها امجاد‚ وصلت إلى اعتاب فرنسا في غرب أوروبا‚ واكتسحت البلقان على يد محمد الفاتح‚ لان الحرية كانت قضية مارسيل خليفة‚ فقد اهدى احدى اغنياته للسجناء العرب في السجون الإسرائيلية فصفق الحضور‚ ثم اكمل الاهداء‚ فقال‚ واهديها ايضا إلى سجناء الضمير على امتداد العالم العربي‚ فصفق الجميع‚ ولوحت له بالشال السوداني‚ وقلت لصديقي علي الكرار لو اننا لم نسمع في هذه السهرة سوى هذه الكلمات تذاع على الهواء مباشرة فقد حققت السهرة أهدافها‚ أما لوحة القصيدة الملحنة المهداة لسجناء الضمير فتحكي قصة العصفور مع القفص التي تذكرني بقصة الطائر الذي فر من قفص الذهب وقال: «حريتي لا تشترى بالذهب»‚ قصة يوسف واخوته مصدر الالهام الدائم «لقد كان في يوسف واخوته آيات للسائلين» صدق الله العظيم (يوسف:7)‚ تغنى مارسيل خليفة من مخزون الثقافة الإسلامية ومصدر الهامها الدائم‚ بفحوى سورة يوسف‚ واستلهم كلماته والحانه من معنى هذه الآيات: «قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون» (يوسف:11)‚ والآيات: «قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب‚ وما انت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين»‚ «وجاءوا على قميصه بدم كذب‚ قال بل سولت لكم انفسكم امرا‚ فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون» (يوسف: 17 و 18)‚ سوف يسجل تاريخ الفكر الإسلامي للشيخ يوسف القرضاوي دفاعه عن الابداع‚ والتزود من القرآن باعتباره مخزون الفكر الإسلامي الذي لا ينضب معينه‚ حين دافع عن الفنان الكويتي الذي اتهم بالتجديف لانه تغنى بقصيدة فكرتها مأخوذة من القرآن واشتملت على اقتباس لبعض الالفاظ القرآنية‚ واعود إلى مبدعنا مارسيل خليفة‚ واقول انه خلد ادب محمود درويش حين قام بربطه باللحن واضيف بان المسيحيين العرب هم جزء لا يتجزأ من الثقافة الإسلامية ومدافعون عن الإسلام في كافة المحافل المسيحية في انحاء العالم‚ من إسلام المقاومة والموت إلى إسلام عمارة الأرض والتنمية والرفاهية قيل عنا كمسلمين اننا نحسن صناعة الموت في سبيل الله‚ ولكنا لا نحسن الحياة في سبيل الله! المشروع القومي البعثي بايجابياته وسلبياته هو نتاج (مسيحي) ضمن الثقافة الإسلامية وقد جاء استبداديا كامتداد للثقافة السائدة‚ وعلى صلة بهذا الموضوع سئل احد المفكرين المغاربة لماذا لم يكن عندهم مشروع قومي؟ فاجاب: لانه ليس لدينا مسيحيون‚ فهل يقدم مسيحيو السودان ـ جون قرنق ـ في إطار مشروع السودان الجديد نموذجا وطنيا ديمقراطيا (في تربة الثقافة الإسلامية) يركز على ثقافة السلام والتنمية وعمارة الأرض بدلا من ثقافة الموت؟ هذا ما سنجيب عنه في الحلقات القادمة بحول الله‚