أبو بكر القاضي: الجبر والاختيار في الرسالة الثانية وغياب البعد الاجتماعي

[email protected]

الفرضية التي اريد ان أثبتها في هذا المقال هي ان الفكرة الجمهورية، في كتاب الرسالة الثانية من الاسلام، قد اخطأت في التكييف حين اعتبرت قضية الجبر والاختيار تقع في اطار «علاقة الفرد بالكون»، والصحيح انها قضية «الفرد بالسلطة» بمعنى ان الفكرة الجمهورية قد عجزت عن ان ترى البعد الاجتماعي في قضية التسيير والتخيير. ولمناقشة هذه الفرضية اسوق النصوص التالية:

 اولا: في كتاب الرسالة من الاسلام للاستاذ محمود محمد طه ص61، 62 يقول «ومسألة الجبر والاختيار، أو التسيير والتخيير تمثل جماع العلاقة بين الفرد والكون، وهي مشكلة اعيت دقائقها الفكر البشري في جميع عصوره، وقد آن لها ان تبرز من جديد، وان تستحوذ على كل اهتمام المفكرين». 2 ــ وعلى صفحة 85، 86 يقول المصدر نفسه «والتسيير حرية لانه يقوم على ممارسة العمل بحرية (مدركة) في مستوى معين فإذا احسن المتصرف التصرف زيد له في حريته، فارتفع مستواه بالتجربة والمرانة، وان لم يحسن التصرف تحمل مسؤوليته بقانون حكيم يستهدف زيادة مقدرته على حسن التصرف، وهكذا فإن الإنسان مسير من التسيير الى التخيير، لأن الإنسان مخير فيما يحسن التصرف فيه، مسير فيما لا يحسن التصرف فيه من مستويات الفكر والقول والعمل» انتهى.

 ثانيا: لاثبات الفرضية محور المقال ــ البعد السلطوي في موضوع الجبر والاختيار ــ اقدم هذه الخلفية من المقتطفات التي تؤكد في فحواها ان العقائد والأفكار ترتبط في النهاية بمفهوم سلطوي وهدف اجتماعي، فالتوحيد في الاسلام له مفهوم اجتماعي وسياسي يعني توحيد الأمة العربية، وتوحيد جزيرة العرب سياسيا. كلنا نعلم ان الفرق الاسلامية من خوارج ثم شيعة، ثم معتزلة، هذه الفرق بمعتقداتها وأفكارها هي نتاج لاختلاف المسلمين على سلطة «الخلافة» وقد بدأت بتداعيات الفتنة الكبرى حول السلطة، تدعيما لهذا الكلام اقدم المقتطفات التالية:

 1 ــ تحت عنوان الجذور الاجتماعية والسياسية لمشكلة القدر، يستشهد الشهيد حسين مروّة في كتابه «النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية» بكلام غولدتزيمر الوارد بكتابه «العقيدة والشريعة في الاسلام» الذي تناول فيه ملابسات قيام مذهب «المرجئة»، حيث يعلل قيام مذهب «المرجئة» وما يبدو له من كون هذا المذهب متسامحا مع الأمويين، بأن ذلك يرجع الى ضرورة قيام مذهب فكري في ذلك الحين يقرر ان ايمان المسلمين يرجأ الحكم بشأنه الى الله، لأن الأمويين كانوا مغتصبين، ولكنهم في الوقت نفسه كانوا حكام المسلمين، فلا بد إذن من قيام مثل هذا المذهب لمنع الحكم «المعجل» عليهم بالكفر و«تأجيل» هذا الحكم الى الله نفسه، كيلا يكون «تعجيل» الحكم من قبل المسلمين انفسهم دافعا الى الثورة بوجه حكامهم.

 2 ــ يضع صاحب النزعات المعادلة السياسية لمسألة القدر في البند الأول من استنتاجاته قائلا «اننا نرى وبوضوح ان مسألة القدر تتخذ مضمونا سياسيا اجتماعيا صريحا ليس فيه مجال للالتباس، وهذا المضمون قوي الدلالة على مدى استفادة السلطة الأموية من فكرة القضاء والقدر (الجبر) لدعم وجودها من جهة ولسد ابواب الأمل امام المسلمين من جهة ثانية ــ بالخلاص ــ من ظلم هذه السلطة، ما دامت سلطة الهيئة جبرية، وما دام ليس في مقدور الإنسان ان يعاند سلطة الله، ولا ان يمنع عن نفسه قضاء الله وقدره، اي انه لا يملك الاختيار في فعل من أفعاله، فعلى المسلمين إذن، بحكم هذه الجبرية الإلهية ان يستسلموا للحكم الأموي، لانهم بذلك يستسلمون لقضاء الله وقدره، هذه هي (المعادلة) السياسية لمنطق الأمويين». انتهى قول حسين مروة.

 3 ــ في البند (4) من الفصل الثالث من كتاب بنية العقل العربي للدكتور محمد عابد الجابري، وتحت عنوان «العرفان الشيعي والزمان الدائري» يقول: كل شيء في العرفانية الشيعية، اثني عشرية كانت ام اسماعيلية، يدور حول الإمام، العقيدة والفلسفة والتاريخ والسياسة، كل ذلك يعيشه الشيعة من خلال ارتباطهم الروحي بالإمام فالزمان العرفاني الشيعي إذن، زمان روحي باطني، قوامه الارتباط بالإمام، ومراحله وسلم الارتقاء فيه هي مراحل وسلم الارتقاء او «الحج» الى الامام.

 4 ــ المدرسة الصوفية هي موقف سلبي او مهادن للسلطة. يعبر الدكتور محمد عابد الجابري عن البعد السياسي للفكر الصوفي في كتابه «العقل الاخلاقي العربي» في الباب الثالث تحت عنوان «الموروث الصوفي، أخلاق الفناء .. وفناء الأخلاق» حيث يقول: ومع ذلك فالعلاقة بين الشيعة والمتصوفة كانت مطبوعة بطابع المنافسة، فمنذ العصر العباسي الأول أخذ المتصوفة يتغلفون في عقر دار الشيعة وينافسونهم على اسلحتهم نازعين عنها طابعها السياسي ليضفوا عليها طابعا دينيا محضا، مهادنين للدولة إذ كانوا «لا يرون الخروج بالسيف على الولاة وان كانوا ظلمة». ويضيف الجابري للمتصوفة مهمة أخرى بخلاف المهادنة، وهي مضايقة الفقهاء وتحجيم سلطتهم التي اتسعت واشتطت بعد الانقلاب السني في زمن الخليفة المتوكل.

 ثالثا: من جملة النصوص والآراء الواردة بها في البندين أولا وثانيا أعلاه اخلص الى النتائج التالية:

 1 ــ ان فكرة القدرية ــ الاختيار هي جوهر الفكر الاعتزالي، والمدرسة العقلانية الاعتزالية التي قدمت الشهداء معيد الجهني وغيلان الدمشقي، وابن المقفع، ووظفت علم الكلام في حوار الحضارات في ذلك الزمان، وافرزت مدرسة فكرية عظيمة هي مدرسة اخوان الصفا، هذه المدرسة الاعتزالية أخذت بمذهب الاختيار لأسباب سياسية واجتماعية وفكرية كناية عن التعبير عن قضية الحرية الفردية المطلقة، ورفض السلطة الاستبدادية المطلقة للسلطان الاسلامي الذي يستند في شرعية سلطته على مفهوم الجبر، ويحرف معاني الآيات لمصلحته بقوله ان الله هو الذي اعطاه السلطة «يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء»، فلا تنازعوني السلطان الذي وهبني اياه الله، وفي سبيل ذلك وظف السلطان علماءه الذين يفصلون الفقه ويخيطونه على مقاس السلطان، فخرجوا بالفتاوى التي تقول، اطيعوا السلطان الذي صارت له شوكة ولو كان فاسقا، وكيفوا مقاومة السلطان الجائر بانها القاء بالنفس للتهلكة.

 2 ــ لقد عالجت الفكرة الجمهورية مسألة التسيير والتخيير في كتابي الرسالة الثانية والقرآن ومصطفى محمود باعتبارها قضية في اطار العلاقة بين الفرد والكون، وبالتالي خارج الاطار التاريخي والاجتماعي، فلم تعط شهداء المقامة السياسية من منظري الفكر القدري الاعتزالي حقهم، ان فشل الفكرة الجمهورية في رؤية البعد السياسي والاجتماعي لقضية التسيير والتخيير هو الذي ادى بها الى الوقوع في الخطأ حين اخارت مذهب التسيير الذي يعني في النهاية القبول بالاستبداد وعدم مناجزة السلطان.

 3 ــ الفكرة الجمهورية كمدرسة صوفية لم تخرج من الدور السياسي المرسوم للصوفي عبر تاريخ الدولة الاسلامية، فالشهيد محمود محمد طه عندما كان سياسيا عاديا في عهد الاستعمار كان اقوى واصلب من قاوم الاستعمار، وكان اول سجين سياسي، ولكنه عندما دخل السجن السياسي الذي يمثل هزيمة نفسية إذ يمثل السجن بجدرانه الأربعة مقبرة سياسية للحزب الجمهوري عام 1946، وشعر الاستاذ محمود بالصغار والهوان امام المستعمر، فما كان امامه خيار سوى ان ينتصر على الاستعمار بالأحلام والأماني ومن هنا جاءته فكرة المسيح والمهدي المنتظر، وهي فكرة يهودية ارتبطت بعلم النفس اليهودي المرتبط بنكباتهم في التاريخ، وحلمهم في استعادة ملك داوود وسليمان، عليهما السلام.

 خرج الشهيد محمود من السجن السياسي عام 1948 بمنظوره الصوفي المسالم الوديع الذي اعطاه المبرر الموضوعي لعدم الرجوع لمقاومة الاستعمار من جديد، استصحبت الفكرة الجمهورية مشروعها الصوفي في تأييد وعدم مناجزة نميري 1969 ــ 1985 حتى عام 1983 رغم ان النميري قد بدأ يتناقض مع اطروحات الجمهوريين منذ عام 1977 عندما اعلن عن توجهه الاسلامي واعتقل الجمهوريين لإرضاء السعودية عام 1976 وطرح المصالحة مع الطائفية والاخوان المسلمين والنهج الاسلامي لماذا؟

 باختصار ظل الجمهوريون يلعبون في عهد مايو دور الصوفي التقليدي، مهادنة النظام، ومهاجمة العلماء والفقهاء والقضاة الشرعيين لإضعاف دور رجل الدين في مسرح السلطان، وقد كان اعلى سقف وصلت له معارضة الجمهوريين هو النائب الأول آنذاك عمر محمد الطيب، ولكن لم تطل معارضة الجمهوريين شخص الرئيس النميري لأسباب داخلية وخارجية أذكر منها على سبيل المثال:

 1 ــ لم يصل الجمهوريون في معارضتهم ذات النميري من باب خط الرجعة، أملا في ان ينفض النميري يده من الاخوان المسلمين، والنهج الاسلامي لماذا وكيف وتعود الانهار الى مجاريها.

 2 ــ هنالك اسباب داخلية تحول دون مهاجمة النميري شخصيا، منها ان منشورات وكتب الجمهوريين قد تضمنت مدحا قويا لنظام مايو وصفته بانه افضل عهود الحكم الوطني، الأمر الذي يصعب معه القدح في النظام خاصة وان الفكرة الجمهورية قائمة على «الحفظ» بالمعنى المرادف للعصمة، والسبب الداخلي الآخر هو ان الاستاذ محمود قد قال لنا ليس بين نظام مايو وبين دولة الجمهوريين نظام آخر، وان هذا عهد النمر، سيعقبه عهد الأسد الذي هو عهد دولة الجمهوريين، وهذا الفهم يقتضي ان يبقى نظام مايو لحين يكمل الجمهوريون استعدادهم الروحي للتجلي وتغيير النظام المحلي والكوني.

 3 ــ ثم من هو الله الذي يسيرنا؟ لأن الله في الفكرة الجمهورية مفهوم له تنزلات، فهناك الله ــ الذات القديمة المطلقة التي لا تسمى ولا توصف، ثم الله في التنزل الذي هو الإنسان الكامل الذي يحاسب الناس يوم القيامة نيابة عن الله الخالق القديم، إذن ــ الله ــ الإنسان الكامل هو مفهوم وثني، سلطاني، إذ هو ملك يوم الدين، إذن فإن الفكرة الجمهورية وهي داعية الى اقامة دولة الصوفية التي على قمتها ــ الله ــ الذي هو الإنسان الكامل انما ترتب لاقامة دولة استبدادية دينية تلغي الآخر الاسلامي من مذاهب وفرق اسلامية كما تلغي الاخر من كتب سماوية وكنفوشوسية .. الخ. فهذه دولة انصار السنة المحمدية، التي لا تعترف بالآخر إلا تابعا للدولة الاسلامية يخضع لسلطانها ويدفع الجزية.

 4 ــ هذه قراءة نقدية لكتاب الرسالة الثانية من الاسلام القصد منها المساهمة في نقل المجتمع الجمهوري من حالة البكائية ورفع «القراش»، وإزالة التأليه والقداسة والعصمة والتعامل مع الفكرة باعتبارها جهدا بشريا عظيما، ولكنه يقبل النقد والصواب والخطأ، بهدف تحقيق تطبيع النقد الذاتي.