مقدمة

 

 

            إن هذا السفر جاء بعنوان (الكتاب الأسود... إختلال ميزان تقسيم السلطة والثروة في السودان). والذي نقدمه وثيقة عن أداء الأنظمة السياسية في تاريخ السودان الحديث, وهو ليس بالكتاب التحليلي الناقد, الصادر عن أهواء وأغراض, والتحامل علي فئة أو جهة. وإنما هو كتاب راصد للواقع, عارض للحقائق المجردة الموثقة, التي لا تنكرها العين ولا تخطئها البصيرة.

 

          يعكس هذا الكتاب بشاعة الظلم الذي مارسته الأنظمة السياسية المتعاقبة علي البلاد منذ الاستقلال الي اليوم بصرف النظر عن توجهاتها وألوانها.. علمانية كانت أم إسلامية, ديمقراطية مزعومة كانت أم دكتاتورية. هذا الظلم البشع المتمثل في محاباة جهة واحدة من السودان علي حساب باقي جهاته. مؤثرة إياها بالعناية والرعاية والرعاية والاهتمام والتنمية. لقد جعلت الحكومات المختلفة, من الحكم أداة لتكريس  سلطة الإقليم الشمالي (ولايتي نهر النيل والشمالية) علي باقي أقاليم السودان الأخري, والتي قسمناها لأغراض الكتاب الي لخمسة اقاليم بما فيها الإقليم الشمالي وهي:- الإقليم الشرقي (القضارف, كسلا, البحر الأحمر), الإقليم الأوسط ويضم ولايات (الجزيرة, سنار, النيل الأزرق, النيل الأبيض, الخرطوم), الأقليم الجنوبي ويضم ولايات (أعالي النيل, بحر الغزال, الاستوائية), الإقليم الغربي ويضم ولايات (كردفان ودارفور). وقد تعمقت هذه المحاباة وتجذرت ضاربة عرض الحائط بكل القيم الانسانية والاسلامية, وحقوق المواطنة المتعلقة بواجبات الدولة تجاه مواطنيها, فلم تنظر اليهم بعين الأب, أو تعاير مطالبهم واحتياجاتهم بمعيار العدل, لا استثناء فيه, ولا إيثار لجهة دون أخريات. فاستمرأت هذه الحكومة وكذلك تلك الجهة المعنية لحال الظلم هذه فصارت تبكي وتوسم غيرها بالعنصرية والكيل بمكيالين, هي تمارسهما صباح مساء منذ فجر الاستقلال وحتي اليوم.

 

          فقد أضاعت الأنظمة السياسية مصداقيتها,وفقدت مع ذلك وبلا استثناء صفة الدولة الراشدة, ولم تعد جديرة بتأييد الكيانات والجماعات والأفراد المنتمين لمجموعة (ظل السلطة) علي غرار ظل الأمطار.

          هذا الكتاب أردنا به تسليط الضوء علي هذا الواقع, حتي تستبين الرؤية للجميع, وينجلي الامر, وينزاح عن الأعين كل غبش, وصولا للحقوق, كما أرهقت كواهلنا الواجبات.

          إن هذه الدولة التي تدخل الألفية الثالثة بطموحاتها وآمالها, متناسية الأداة الموصلة لذلك, والمتمثلة في مواطنها المنتسب إليها, الحامل لحمومها, السند المأمول لها. فلا تلتفت لآلامه ومواجعه, غير آبهة بالمرارات المعتملة في صدره, من غبن عميق, عمقه جهل مزري مقصود, ومرض مقعد, وفقر تجمعت كل أسباب بقائه, وسبل دوامه, حتي عشعش وفرخ صراعات قبلية دامية, أتت علي الأخضر واليابس, ومع ذلك تطالب الدولة هذا المواطن أن ينهض, ويقيم صروح التنمية - وبجهده الذاتي ما تريد أن تصل به سوابقها من الشعوب, التي استعد حكامها وأعدوا لمثل هذا الأمر عدته.

 

          لعرض هذا الواقع المرير قسمنا هذا الكتاب الي فصول هي:-

 

الفصل الأول .. التعريف بالسودان وموارده:-

استعرضنا فيه حدود هذا الوطن, وما فيه من انسان, وما يقف عليه من امكانات وثروات, كان يمكن ان تغير من واقعه, اذا ترسم حكامنا طريق العدل, وتبعوا منهاج

المساواة في الفعل كما رفعوا ويرفعون من شعارات تتكرر كل يوم.

الفصل الثاني .. التعريف بالدولة وسلطاتها

          وقصدنا ان نقدم للقاريء الكريم نبذة عن ما اتفق عليه العلماء في تعريف الدولة وعلاقة سلطاتها بالمواطن, والالتزام المتبادل ما بينهما, تحت مظلة الحقوق والواجبات.

 

الفصل الثالث .. صور من اختلال ميزان تقسيم السلطة

وفيه يقف القاريء علي تكريس السلطة في أيدي نخبة من جهة إقليمية واحدة. وكيف استغلت هذه الجهة السلطة بجميع اوجهها لجعل هذا الاختلال أمرا واقعا, فصار هذا الواقع وما تبعه من ظلم هو الأصل وما عداه هو استثناء ! وكل نداء للتصحيح يوصم بالعنصرية والجهوية, وبات شعار (اللاسامية..!) بين عشية وضحاها بين ظهرانينا. ومورست الجهوية بقوة وتنظيم مكن ممارسيه من استلاب حقوق الغير وطمس معالمها وتكميم اي فاه ينادي بغير ذلك.

 

الفصل الرابع .. صور من اختلال ميزان تقسيم الثروة

          وفيه يظهر تأثير اختلال توزيع السلطة علي توزيع الثروة, وكيف استغلت الأولي لتوظيف الثانية, ابقاء للسلطة في موقعها, وسيعا لاستدامة الحال من سيادة عنصر قبلي جهوي المنشأ علي باقي العناصر. في زمان باتت الثروة والقدرة الاقتصادية فيه هي الفصل والفيصل.

 

الفصل الخامس ..الرؤي المستقبلية

          وهي قراءة للواقع, قراءة استباق, واستقراء به لمآلات الحال اذا استمرت الامور كما هي عليه الآن. قاصدين بذلك اطلاق صفارات الإنذار لادراك وحدة الوطن, وابقاء كيانه قويا موحدا, ولله قصد السبيل

 

الفصل السادس .. نتف من حصاد الهشيم

          وفيه نقف بالقاريء علي الأفكار التي بنت عليها هذه الأقلية وجودها وصاغت منها أهدافها, نري كيف ابتكرت لنفسها وسائل جديدة وسوغت لها من مبررات للقضاء علي الخصوم واحتكار السلطة والمال والجاه, جارفة كل القيم والمثل, ماسحة كل الاعراف, رامية وراء ظهرها المعتقد الذي اتخذته وسيلة لتبلغ به غاية الغايات .... السلطة ...الثروة

 

 

 Back