الـفـهـرس

المؤلف: الأستاذ/ سليمان صالح ضرار

bejawino1@hotmail.com

 

الخريطة  ـــ

 المقدمة  ـــ

الجغرافيا والمناخ:  8

الملامح الطبيعية  ـ طبغرافيا البلاد ـ صحراء العتمور ـ المناخ ـ الغطاء النباتي ــ أركويت ــ

آمور ــ هيدوب ــ المنتجات الطبيعية

جيوبولتيكا البلاد: 14

أهمية البحر الأحمر السياسية والاقتصادية ـ موقع البلاد الاستراتيجي ــ  أمن البحر الأحمر ــ  السياسة الأمريكية ــ  السياسة السوفيتية ــ السياسات الأخرى

تاريخ البجه:   21

أصل البجه ـ البجه في عصر الفراعنة ــ هل البجه فراعنة ـ البجه والرومان ـ الهجرة العربية قبل الإسلام ـ العرب والبجه والنوبة ـ قتال البجه للعرب ـ البجه والعرب ـ ممالك البجه ـ البجه والصليبيون ـ البرتغاليون في البحر الأحمر ـ البجه والفونج ـ البجه والأتراك البجه والنضال ضد الانجليزـ اللغة البجاوية ـ

العادات والتقاليد:  51

عام ــ حياتهم ــ المساكن ــ الأدوات المنزلية ــ يومهم ــ الولادة ــ التنشئة ــ ألعابهم ــ الزواج ــ الحمل ــ الوفاة ــ  أسلحتهم ــ عادات البني عامر ــ الختان ــ الموت ــ حرفهم

أسلوب الحياة:  68

التكيف مع البيئة ــ المرأة ــ الاقتصاد التقليدي ــ التكافل ــ التعاون السلفي ــ استخدام الأرض والمنتجات ــ نظامهم الاقتصادي ــ تكيف الأسرة ــ الوحدة الاقتصادية ــ التواؤم مع الجفاف ــ الإنتماء ــ الأرض ــ التحضر والمفاهيم

ديانة البجه والصوفية:   74

الوثنية ـ الإسلام ـ أول دار للهجرة في الإسلام ــ الصوفية  ــ الختمية ــ الشيخ علي بيتاي

العمران والإسكان:  83

المدنية المدمرة ــ مشكلة الهجرة والإسكان ـ مراكز العمران ــ قوز رجب ــ ترييف المدن ــ نتائج الترييف ــ طريقة تصحيحها

القوى البشرية:   89

العنصر البشري ـ التعداد ـ العمالة ـ البحث عن الضمان ـ العامل المهاجر ـ الضمان الاجتماعي ـ الإسكان الملائم ـ الحياة الأسرية في المدن ـ  عمال الشحن والتفريغ ــ التوصيات

المياه والكهرباء:  104

أهمية المياه الاقتصادية ـ مصادر المياه ـ وادي أربعات مياه بورتسودان ـ توكر ــ سنكات جبيت ــ سواكن ــ كسلا والقضارف ــ الأودية والأنهار ـ التوصيات ــ كهرباء البحر الأحمر

البداوة والتوطين:  118

البداوة ـ الرعي ـ البطانة ـ المشاريع الزراعية ـ الرعي ــ أضرار التنمية ــ أثرياء الرعي ــ استغلال الرعاة ــ الاستقرار ــ المستقبل ــ التوطين ــ استقرار الرشايدة

الأرض والزراعة:   132

نهب الأرض ـ استخداماتها ــ افقار المزارعين والرعاة ـ الاكتفاء الذاتي ـ تدمير الريف ـ المحصول الواحد ــ الأرض لمن يفلحها ـ أنواع الزراعة ـ  مشروع الرهد ــ مشروع القاش ـ  القضارف ـ  البحر الأحمر ــ دلتا توكر ـ حلفا الجديدة ومصنع السكر ــ التوصيات

الثروة الحيوانية : 172

تربية المواشي ــ الحيوانات والتكيف ــ الأبقار ــ الضأن ــ الماعز ــ الإبل ــ انجاز الشيخ زايد

الثروة المعدنية:   182

الأبحاث الجيوفيزيقية ـ البحث عن البترول ـ المسح الجيولوجي ـ المعادن ــ الذهب والأرياب ــ كنز البحر الأحمر ـ التوصيات

الاقتصاد والصناعة:  198

الاستغلال الاقتصادي ـ مميزات البلاد الاقتصادية ـ الميناء ـ الجمارك ـ السكة الحديدية ـ المؤسسات التجارية ـ الصناعة ـ المصانع ـ التوصيات

الثروة البحرية والسمكية:   211

ميكنة الصيد ـ مضاعفة الإنتاج ــ الاستثمارات ـ المحار واللؤلؤ ــ الجمبري ــ الأسماك ـ التوصيات ــ الأسماك النهرية

السياحة:     218

السياحة اقتصادياً ـ السياحة الطبيعية والتاريخية ـ الحيوانات الوحشية النادرة ـ التوصيات ـ الإحصائيات

المواصلات:   226

مشكلة الطرق ـ وسائل النقل والمواصلات ـ التوصيات

الصحة:        228

الخدمات الصحية ـ سوء التغذية ـ الأمراض المتفشية ـ التوصيات

المجاعات:          236

الأسباب الرئيسية ــ تاريخ المجاعات ــ التصحر والجفاف ـ  الدور السعودي ــ تقرير نقابي ــ أسعار الماشية ــ قطع الأشجار

المنظمات الطوعية   247

دخول المنظمات ــ أوكسفام ــ البرنامج النرويجي ــ سلبيات المنظمات ــ تأثيرها ــ عملية

الإغاثة ــ البدائل ــ استغلال الموارد

اللآجئون         256

دور المنظمات الدولية ــ تأثيرهم على البيئة ــ أمراض اللآجئين ــ حاكم أسبق ــ النازحون

التعليم:         262

التعلىم السلفي ـ المدارس والطلاب ـ التعلىم الاستعماري ـ المتعلم البجاوي ـ مشاكل التعلىم ـ  كلية الأحفاد ــ التوصيات

التنمية الاجتماعية والثقافية    278

دور المرأة في التنمية ــ تخلف المرأة ـ العادات البالية ـ المشاركة الاجتماعية ـ تعلىم المرأة ـ عمالة المرأة ـ النهوض بالمرأة.

الحركة التعاونية:    289

التعاون في: الزراعة ــ  الثروة البحرية ـــ المجال الاستهلاكي ــ المجال الخدمي ــ التعاون والتنمية الاجتماعية

البيئة:   294

التعرية ــ قطع الأشجار ــ عادات مقيدة ــ التحضر والبيئة ــ المدنية والبيئة ــ إدارة الموارد ــ رحّل المدن ــ دور المرأة ــ الحكومة والبيئة ــ غابات وبيئة كسلا ــ الحرب والألغام والبيئة

(السودان):   308

تعبير (السودان) ـ حدود (السودان) ـ شعوب (السودان) ـ المتعلمون والتعلىم ـ

دور اللجيش:     320

الجيش  ــ  الانتفاضة والديمقراطية ونظام الإنقاذ ــ احتماء الإنقاذ بالبجه

البجه ومشكلة الأقليات:  326

ظهور الأقليات ـ مكونات الأقلية ـ  ـ تحريف لفظ العنصرية ـ تعريف الأقلية ـ المفاهيم الخاصة بين الأكثرية والأقلية ـ التحامل ـ ـ الحماية القانونية ـ موقف الإسلام ـ الفكر الغربي ـ الفكر الماركسي.

البجه وحقوق الانسان:  335

الإعلان العالمي ـ استمرار الاستعمار ـ حق تقرير المصير ـ رد الإعتبار ـ التناقض بين حقوق الإنسان والتخلف ـ الحقوق الثقافية ـ التعلق بالماضي.

المشكلة السياسية والحل: 338

نشأة القوى الاستغلالية ـ السودنة ـ السيطرة على السلطة ـ الوحدة الوطنية المزعومة ـ توزيع السلطات ـ التناقضات القومية ـ النظم الفاشلة

الحكم الإقليمي والثروة:  348

التنمية المضرة واستغلال الريف ــ تدخل الدولة ــ الإدارة الأهلية والزعماء الجدد ــ  المستوى الدولي ــ التهميش المتزايد فشل الحكم الإقليمي ــ  ثروات البجه

اختلال توزيع السلطة والثروة:  367

السلطة التشريعية ــ  السلطة التنفيذية ــ  توزيع المناصب في الحكومات المتعاقبة ــ الحرية لا تقدر بثمن:  387

التقدم الاقتصادي والاجتماعي:   388

التطور المستقل ـ التناقض والادعاء ـ التبعية الاقتصادية ـ الهيمنة التجارية ـ التحول إلى الصناعة ـ الإصلاح الزراعي ـ التصنيع ـ النهوض بمستوى المعيشة ـ التخطيط الاقتصادي

البجه والشعر:     قصيدة فظي وظي ــ  قصيدة المؤتمر    402

الهوامش: 407:

المراجع: المؤلفات  410

البحوث               411

المقدمة

(لم ينس المستعمر جنوده النظامية التي ابيدت على يد شباب البجه الذين كانوا يمثلون البطولة العربية بكامل معانيها، وجادوا بأنفسهم قرباناً للأوطان (والجود بالنفس غاية الجود) فالمستعمر يذكر جيداً وقائع التيب (إندتيب) وتأماي وسبدرات وكوفيت وضواحي كسلا وسواكن ــ ولذلك رسم خطة إنتقامية من عموم البجه حتى لا تقوم لهم قائمة بعدها. ولذلك حصرهم في جبالهم ووديانهم وحرمهم من كل مقتضيات الحياة فخيم عليهم الفقر والجوع والمرض ولم يكتف بذلك بل فرض عليهم جزية يؤدونها سنوياً تسمى مال الميري (هذه الجزية أجبرتهم على بيع مواشيهم أو العمل بأجور ضئيلة مع الحكومة للحصول على النقود ــ المؤلف). وساعدت المستعمر الطبيعة فقلت الأمطار في عهدهم المظلم وانقرضت النباتات والمواشي (قام المستعمر ومن بعده الحكومات التي تسمي نفسها وطنية بتوزيع أراضي مراعي البجه على غيرهم مما تسبب في فناء المواشي وظهور المجاعات ــ المؤلف) وبسط الجهل جناحيه على سكان الإقليم ـ فها نحن اليوم في القرن العشرين نعاني ما كان يعانيه أوائلنا منذ خمسة آلاف عام ــ فلم نتقدم عما كانوا عليه متراً إلى الأمام بل هوينا إلى ما دون الحضيض، وهذا يدل على أننا مستعمرة خصبة لا يصرف عليها من إيراداتها (الميناء والجمارك) ومنتجاتها (الزراعة والذهب) فطمست معالم بلاد البجه واقفلت طرق المواصلات بين قراها ومدنها ـــ والدنيا كلها تتكلم اللغة العربية اليوم والبجه محصورون وقابعون في كهوفهم لا يعرفون غير البجاوية التي حكم بها عليهم المستعمر وأن لا يجيدوا غيرها وأن يقطعوا كل أمل في الحياة بالمدن والسير في ركب التطور( ويواصل بعنوان (الاستقلال الأخير( قائلاً (لا يعرف له البجه طعماً ــ أي الاستقلال من الإنجليز ـ إذ لم يتقدموا في عهده قيد أنملة بل سار حكام من الوطنيين على خطوات عصر الاستعمار فلم يكن هناك أي تغيير في حياة البجه ــ فإذا لم يكن هناك تغيير بل إصلاح حقيقي لتطوير عموم البجه، فسيبقون قابعين في عزلتهم ثم يأتي وقت يتسع فيه الرقع على الراقع، فليتق الله كل من بيده الأمر أن يكيل للوطنيين بمكيالين، وهذا ما لا توافق عليه القوانين السماوية والعدالة الإنسانية والأحكام القضائية.

فنحن أبناء البجه ساهمنا مع كل رجال الوطن في المصائب والنوائب حتى لا يقال لنا أنكم تخلفتم عن المضحين بأرواحهم في سبيل الوطن العزيز ــ فعلى بضع خطوات من هذا الاجتماع يتوسد الثرى خيرة شبابنا من شهداء الحرية والاستقلال حصدهم رصاص المستعمر في رابعة النهار. (يشير المؤرخ لشهداء البجه في العام 1948م في مدينة بورتسودان الذين فتحوا الطريق للاستقلال بدمائهم الطاهرة ــ المؤلف) فنحن البجه اليوم نطالبكم بانصافنا ومنحنا حقوقنا في الحياة والسلام عليكم) ا. هـ.

هذا ما كتبه مؤرخ البجه محمد صالح ضرار لمؤتمر البجه القومي الذي انعقد العام 1958م، تحت عنوان (البجه والاستعمار)

الجغرافيا والمناخ

تقع بلاد البجه بين خطي عرض 17 ْ و5،22 ْ وخطي طول 23 ْـ 5،38 ْتقريبا وهي تمتد بشكل إنسيابي مواز للبحر الأحمر وتبلغ مساحتها 110 ألف ميلا مربعاً وتضم محافظتي البحر الأحمر وكسلا (عام 1976م).

وأوجه الحياة في جميع أجزاء البلاد متشابهة تقريبا عدا الإختلاف الطفيف في الجنوب حيث ان الظروف الطبيعية أحسن حالا وينسحب ذلك على حياة السكان هناك.

الملامح الطبيعية

تبلغ مساحة محافظة البحر الأحمر 410،212 كيلو متراً مربعاً. وتتوزع أراضي المحافظة البالغة 45 مليون فدان إلى 18 مليون فدان أراضي ملحية (40%)، و2،26 مليون فدان أراضي صحراوية ـ رعوية (سهول وجبال) (58%)، و8،0 مليون فدان أراضي زراعية (2%). ويشكل الاستخدام الحالي للزراعة التقليدية 17000 فدان (18%). وتنقسم إلى خمسة أقسام

1 ـ الصخور الأساسية: وهذا النوع من التكوينات يغطي أكثر من 80% من مساحة المحافظة الكلية وهي في الأصل صخور بركانية متجولة وغير حاملة للمياه الجوفية إلا في مناطق التشقق والتآكل حيث يوجد القليل من الماء الذي تكون نتيجة للمطر المباشر.

2 ـ تكوينات البحر الأحمر، وهذه تكوّن شريطا محازيا للبحر الأحمر يضيق ويتسع حسب الظروف الطبيعية وهي أيضا غير حاملة للمياه الجوفية.

3 ـ رسوبيات مياه البحر الأحمر: ومعظم هذه الصخور من النوع المرجاني وتتواجد في جيوب متفرقة من ساحل البلاد.

4 ـ الرسوبيات النوبية: وتوجد في جيوب متفرقة غرب تلال البحر الأحمر قابلة للتسرب وغنية بمياهها الجوفية ولكنها محدودة وموجودة بعيداً عن المدن الكبيرة.

5 ـ التكوينات الطينية: وتتواجد في مناطق الوديان الكبيرة وهي صالحة للزراعة.

طبغرافية محافظة البحر الأحمر

ومن حيث الطبغرافية فإن محافظة البحر الأحمر تنقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي:

أ ـ قسمان وهما السهل الساحلي والمنطقة الجبلية والصحراء والصخور.

والسهل الساحلي يمتد بمحاذاة البحر الأحمر من حدود البلاد الشمالية حتى حدودها الجنوبية ويتسع ويضيق هذا السهل بحسب بعده وقربه من تلال البحر الأحمر وتتخلله الوديان والمجاري الفيضية وتكون أحجامها حسب كمية المياه التي تحملها، كما أن السهل الساحلي يكون نهاية الوديان الطولية والتي تحمل مياهها من مسافات بعيدة، ولقد تكوّنت أراضي زراعية عند نهاية هذه الوديان.

والسهل الساحلي بصورة عامة منبسط عدا بعض النتوءات والتي تمثِّل بقايا الجبال التي لا زالت تقاوم عوامل التعرية بالإضافة إلى التلال الرملية والتي تكوّنت بفعل الرياح. وتضيق الوديان العرضية في مجراها وتقصر في طولها كلما اتجهنا شمالا وكل ذلك يعود لقلة الأمطار وقرب تكوينات البحر الأحمر من البحر، وينتج عن هذا شح في المناطق الصالحة للزراعة لعدم سهولة الترسيب. وكما هو معلوم فإن الانكسارات التي كوّنت الأخدود الأفريقي العظيم والذي يكوّن البحر الأحمر الذراع الغربي منه من النوع السُّلَمي وكوّن ذلك تربة خصبة للنجد المرجاني ونتج عن ذلك الشروخ والخلجان والتي يتميز بها ساحل البلاد.

المنطقة الجبلية: تمثل تلال البحر الأحمر الحافة الغربية للاخدود بارتفاع يتراوح بين 4000 و8000 قدم وهي من نوع الصخور الاريكية القديمة ـ وتمتد هذه التلال في شكل سلسلة متصلة من الشمال إلى الجنوب تضيق وتتسع وتتخللها الأودية والتي تتفاوت في أحجامها وأطوالها ومن هنا يتضح أن تلال البحر الأحمر تمثل خطا واضحا لتقسيم المياه.

صحراء العتمور

في الجزء الشمالي الغربي من البلاد نجد صحراء العتمور (أتمور باللغة البجاوية تعني صحراء) وهي عموما منطقة منبسطة تتخللها التكوينات الصخرية والرملية وتوجد بها جبال متفرقة وهي صحراء قاحلة تتخللها بعض الأودية الصغيرة من المرتفعات متجهة نحو النيل ولكنها تضيع في الصحراء.

ونسبة للصورة الطبوغرافية للبلاد نتجت بعض الظواهر التي يمكن أن نلاحظها في تباين الغطاء النباتي والوضع الزراعي وتتلخص هذه الظواهر في الآتي:

1 ـ تتميز المناطق المرتفعة باعتدال طقسها واستفادتها من الأمطار القليلة التي تسقط علىها مما كساها بنوع معين من الغطاء النباتي.

2 ـ  المناطق المنخفضة تتغذى بمياه المناطق المرتفعة الحاملة لكميات من الطمى.

3 ـ تنتمي معظم الجبال لتكوينات الحجارة الرملية النوبية ذات القدرة على امتصاص مياه الأمطار.

4 ـ عمليات التعرية ونقل التربة تجد مناخا طيبا لها بفضل التباين في الارتفاع والتكوين الجيولوجي للصخور.

5 ـ المنطقة الساحلية: تستفيد من أمطار الشتاء ومن السيول المحمولة عن طريق الوديان الطولية في فترة الصيف.

6 ـ تتأثر تربة المنطقة الساحلية بملوحة مياه البحر وينتج عن ذلك أيضا وجود نوع معين من النبات.

المـنـاخ

من العوامل الأساسية للمناخ الأمطار ودرجة الحرارة، وهذان العاملان تأثرا مباشرة بوجود هضبة عالية بجوار سطح مائي كبير بالنسبة لمنطقة البحر الأحمر ككل وخاصة منطقة السهل الساحلي. فالرياح السائدة القادمة من شبه الجزيرة العربية بمرورها على البحر الأحمر تتسبب في هطول الأمطار أثناء شهور الشتاء الدافئة على السهل الساحلي والطرف المقابل من مرتفعات البحر الأحمر.

أما الجزء الغربي أي المنطقة الجبلية والتي تساوي خمسة أسداس مساحة البلاد فهي تعتمد على الأمطار الصيفية.

ومن هنا يتضح أن هنالك عدة عوامل أعطت مناخ هذه المنطقة صبغة فريدة ونتيجة لهذه العوامل نرى التباين الواضح في معدلات الحرارة والرطوبة النسبية وكمية الأمطار في موسمي الصيف والشتاء.

يقدر أن 98% من البلاد تقل أمطارها عن 200 ملم في العام. وبالإضافة إلى وجود مياه نهري القاش وتوكر، يأتي التصريف السطحي الرئيسي للمياه من الخيران الموسمية، ويشكل بعضها شبكة واسعة تحمل كميات كبيرة من مياه الجريان السطحي لفترات قصيرة نحو نهر النيل والبحر الأحمر.

ونتيجة لهذا التباين نشأت بعض الظواهر التي لا بد من الإشارة إليها وهي:

(أ) نشوء مناطق تتعرض لسقوط الأمطار في فترتي الصيف والشتاء.

(ب) هذه المناطق قد تزيد أو تنقص نتيجة للتغيرات الموسمية.

(ج) بعض مواقع السهل الساحلي والمواقع الأخرى على المنطقة الجبلية قد تستفيد من سيول خارجة عن نطاق موسم أمطارها.

(د) الأمطار التي تسقط في فصل الشتاء أكثر فائدة من أمطار فصل الصيف نسبة لطبيعة هذه الأمطار بالإضافة إلى دفء شهور الشتاء.

الغطاء النباتي

العوامل التي تعرضنا لذكرها من تكوينات جيولوجية وعوامل طبغرافية الأرض والمناخ تضافرت كلها وتفاعلت لتكوين الغطاء النباتي السائد في منطقة البحر الأحمر حيث نجد أن منطقة السهل الساحلي ومناطق الوديان الكبيرة أكثر ثراءً من الغطاء النباتي من غيرها مع وضع اعتبار للشح التدريجي من الجنوب للشمال حتى منطقة صحراء العتمور في أقصى الشمال كما أن المناطق الجبلية المرتفعة تنفرد بنوع معين من النباتات الطبيعية يتسم بالغنى والغزارة.

وفي المنطقة الساحلية نجد أن الغطاء النباتي غير متصل وتوجد الأشجار على الوديان والخيران مع قلة الحشائش عموما. كما أن الحشائش الموجودة تأقلمت على ملوحة السهل الساحلي وظروفه الصعبة.

وفي المنطقة الجبلية نجد أن مياه الأمطار تسقط على المنحدرات وتجري في شكل وديان وتكوِّن هذه الوديان طبقة من المواد الطينية الصالحة لنمو النبات وهذه النباتات تختلف عن تلك التي في السهل الساحلي بوفرتها وكثرتها.

الجريان السطحي

يشكل  الجريان السطحي مصدراً هاماً لمياه منطقة البحر الأحمر، سواء المياه المستخدمة في الزراعة أو مياه إعادة شحن الآبار السطحية مثل أربعات. ويرجع ذلك إلى الطبيعة الهضبية لطوبوغرافيا المنطقة، وطبيعة تكوينها الصخري القاعدي. وهناك عدة عوامل ساهمت في ظهور معدلات الجريان السطحي العالية. منها الطبيعة الصخرية المدمجة لتربة المنطقة، والمنحدر الواقف أي الشديد الإنحدار، وطبيعة سقوط الأمطار في شكل عواصف رعدية، وفي النهاية فقر الغطاء النباتي.

محافظة كسلا والقضارف

تقع محافظة كسلا (والقضارف) في الجزء الشرقي من (السودان) بين المرتفعات الاريترية والاثيوبية في الشرق والنيل الأزرق في الغرب، وتبلغ مساحتها 106،123 كلم مربع. وتتميز الأرض بالسهول الطينية المنبسطة التي تشكل اكبر مساحات في العالم للتربة القطنية السوداء وهذه التربة الطينية الثقيلة تقف على قاعدة من الجرانيت والحجارة الرملية. وتوجد تلال صغيرة في قلب المحافظة وفي طرفها الجنوبي الشرقي لمدينة القضارف وأكثر قليلاً في أقصى الجنوب الشرقي والشمال الشرقي.

وبالرغم من انتظام سطح الأرض، إلا أنه يوجد اختلاف كبير في نوعية النباتات واستخدامات الأرض. ويرجع هذا إلى التباين الكبير في المناخ وانسياب الأنهار في المحافظة. والمناخ حار مداري، شبه صحراوي في الشمال، متوسط الأمطار السنوي 15 ملم - وممطر في الجنوب - متوسط الأمطار السنوي أكثر من 800 ملم. وتسقط الأمطار في الفترة بين يونيو وسبتمبر وتكون غزيرة. وتخترق المحافظة عدة أنهار موسمية من الشرق. وأكبرهم نهر أتبره برافديه سيتيت وباسلام يالذين يجرون في معظم السنة. ويجري نهر الرهد على حدود المحافظة الجنوبية. أما نهر القاش فهو يشبه الوادي ويحمل الماء مباشرة بعد هطول الأمطار حيث يتدفق في تربة بالغة الخصوبة هي دلتا القاش. ويصرّف الجزء الشمالي الشرقي من المحافظة مياهه في أواسط نهر بركه. وترتوي الأجزاء الأخرى بالعديد من الخيران الموسمية.

طبغرافيا القضارف

تقع ولاية القضارف بين خطي طول 30،33 و30،36 درجة شرق وخطي عرض 40،12 و40،25 درجة شمال خط الاستواء. تبلغ مساحتها 33،621،71 كلم مربع. تقع القضارف ضمن حزام السافنا وهي شبه مسطحة على مستوى ارتفاع 600 متر فوق سطح البحر وبانحدار تدريجي من الجنوب الشرقي إلى الشمال الغربي. تمر بالولاية عدة أنهار ووديان أهمها نهر أتبره الذي يأتي من الهضبة الإثيوبية ويغذي نهر النيل بحوالى 12 مليار متر مكعب من المياه وهي تعادل 17% من مياه الفيضان. ويوجد بالولاية سهل البطانة، وهو ينتمي إلى التكوين النوبي حيث تغطيه التربة الحمراء والحصى وتخلله وديان (وادي الهواد). ويتمتع السهل بطاقة رعوية هائلة تقدر مساحتها بحوالى 3 مليون فدان تسع لأكثر من ستة مليون رأس من الماشية، ويمتاز بخلوه من الحشرات ووفرة الحشائش. يقدر عدد سكان الولاية (مايو 2000) بحوالى 1339540 نسمة. تنقسم الولاية إلى أربع محافظات هي: القضارف، الرهد، القلابات، الفشقة.

الطبيعة في مرسى هيدوب

يمثل  مرسى هيدوب نموذجاً لمنطقة اشجار المنغروف الغنية في البحر الأحمر، ويتسم خط الشاطىء فيها بالتموج مع تجانس الحياة النباتية. والحاجز المرجاني يقع على بعد من 500 إلى 800 متراً من الساحل. ويمثل مرسى هيدوب أيضاً نموذجاً واقعياً لقطاع المستنقع الملحي، تظهر فيه بوضوح دلائل التدهور الناتجة عن رعي الماشية والتدخل الانساني بقطع الأخشاب والزراعة ووجود شبه مستوطنة تعمل في صناعة المراكب الشراعية. وهناك مؤشرات واضحة للدمار الذي لحق بغابة المنغروف. ويحدد حجم الدمار بمقارنة هذه الغابة بالغابات التي على الجزر المواجهة للساحل التي لا تزال غاباتها كثيفة وبعيدة عن تدخل الحيوانات والناس. هكذا نجد الحياة النهائية في الجزر الساحلية تتسم بحيوية قوية جلية. تمثل نباتات العلف الملحي شيوعاً في منطقة الساحل. ويمتد المرعى إلى النباتات داخل المياه الضحلة في الأهوار. وفي ظل أوضاع الجفاف الأخير أدى الرعي المكثف للماشية في الساحل إلى تدمير معظم التجمعات النباتية لمارينا وسي مونويكا اللتين ترعاهما الماشية باستمرار. ويسبب هذا تفكك التربة وتآكل التربة السطحية الخصبة واغراقها وزيادة الملوحة واختفاء أنواع من النباتات.

أركويت (واحة السديم)  ـــ الصورة: - منظر لمصيف أركويت

    أركويت (تعريبها المنطقة المعتدلة الطقس والنطق الصحيح إراكويت) عبارة عن هضبة، يتراوح ارتفاعها بين 1000و1200 متراً فوق سطح البحر، و يصل معدل سقوط الأمطار 200 ملم، وتصنف الحياة النباتية داخلها في إطار فئة "أرض الشجيرات والأجمة دائمة الخضرة وشبه دائمة الخضرة في شرق أفريقيا". ويذهب جاكسون (1957) إلى أن هذه المنطقة كانت في الماضي البعيد مروجاً وبحيرات مستنقعية محاطة بغابة تشبه نباتاتها نباتات الهضبة الحبشيه والجبال الواقعه جنوب غرب السعودية.

وخلال الفترة من نوفمبر إلى مارس تهب الرياح شمالية شرقية دائمة، حاملة معها رطوبة بحرية تؤدي إلى خلق رذاذ جبلي وتكاثف سديمي ويؤدي هذا إلى ظهور رطوبة يصل مداها إلى عشرة كيلومترات بعيدا عن البحر.

منطقة آمور ــــ الصورة: -منظر لمنطقة فودكوان في الأوليب

تقع منطقة آمور في الركن الشمالي الأعلى والغربي من منطقة سنكات، وتمثل مورد المياه التي تجري أساسا تحت سطح الأرض تجاه النيل. وما يميز هذه المنطقة أنها بداية مجرى وادي آمور العريض الذي يصرف مياهه غربا حتى يقابل أقوامت في طريقه إلى النيل، ويندفع الماء ويفيض فوق حدود المجاري المائية. وتنمو في المنطقة أعشاب دائمة. وجنوب الخور وحتى التلال المحيطة به تقل كثافة الغطاء النباتي. وتوجد واحات خضراء شبه حوضيه عند الغابات الضحلة للمجاري، وهي تشكل مواقع للراحة والتزود بالضروريات على طول الطرق المتجهه شمالا. ولم تتأثر الكتلة الحيوية في جفاف 1984م.

جيوبولتيكا بلاد البجه

يتفرد البحر الأحمر (اللواءمعتصم عبد الوهاب ــ دراسة) بسمات جغرافية متميزة إذ يرجع تكونه إلى إنفلاق أكبر ظاهرة انكسارية في العالم تبعت تكسر قارة جندوانا العملاقة كجزء من الأخدود الإفريقي العظيم الذي يمتد بطول 7 آلاف كلم، يمتد هذا الأخدود من نهر الزمبيزي وحتى جبال طوروس في تركيا. وتبلغ مساحة البحر الأحمر 178 ألف ميل مربع أما سواحله فيبلغ طولها 4347 ميل. ويبلغ طوله 1900 ميل، أما عرضه فيبلغ 149 ميلاً بين ميناء مصوع في إريتريا وجيزان على الساحل الشرقي، بينما أقل عرض له هو 40 ميلاً بين مينائي عصب في إريتريا وموخا في اليمن. البحر الأحمر(1) كجزء من أقصر وأسرع طريق بحري بين الشرق والغرب، قد توافرت له المزايا والخصائص الPيوبولتيكية التي جعلته دائما محورا رئيسيا تتحرك علىه صراعات القوى الكبرى ومواجهاتها ومناوراتها. وحلبة للتنافس فيما بينها تحقيقا لمصالحها الأيديولوجية والاقتصادية والسياسية والعسكرية المتزايدة. لذا كان تاريخ البحر الأحمر اختزالاً مثالياً لتاريخ العلاقات الدولية.

يمتد البحر الأحمر بالمفهوم الجغرافي بين خطي عرض 36.12 ْدرجة و 30 ْدرجة شمالا ـ أي بين رأس باب المندب في أقصى الطرف الجنوبي الشرقي وبين السويس في أقصى الطرف الشمالي الغربي، وتطل على مياهه ثمان دول بسواحل متفاوتة الأطوال والجزر هي مصر وطول ساحلها 1425 كلم، ولها 26 جزيرة، فلسطين وطول ساحلها 7 كلم، الأردن وطول ساحله 28 كلم، السعودية وطول ساحلها 1890 كلم ولها 124 جزيرة، اليمن وطول ساحلها 425 كلم ولها 41 جزيرة، جيبوتى وطول ساحلها 245 كلم ولها 6 جزر، إريتريا وطول ساحلها 1012 كلم ولها 121 جزيرة، أما بلاد البجه فطول ساحلها 717 كلم ولها 36 جزيرة.

والبحر الأحمر بالمفهوم الPيوبولتيكي يبدو أكثر إتساعا من البحر الأحمر الجغرافي ـ إذ لا يقتصر على الوحدات السياسية التي تطل مباشرة على البحر الأحمر بل يتعدى ذلك ليشمل الوحدات السياسية التي ترتبط سياسيا أو اقتصاديا أو عسكريا أو استراتيجيا بالبحر الأحمر ـ لذلك فإن منطقة مثل القرن الأفريقى تدخل في نطاق البحر الأحمر الPيوبولتيكي، لانها تتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وترتبط به ارتباطا يكاد يكون عضويا كما أن منطقة الخليج يمكن أن تدخل في الحوز الPيوبولتيكي للبحر الأحمر، على اعتبار أن معظم صادراتها البترولية، تمر بالبحر الأحمر.  والمعروف أن البترول يشكل عصب الاقتصاد القومي لدول الخليج. وبالمثل يمكن القول بأن دول أوروبا الغربية الصناعية، لها مطالب Pيوبولتيكية في البحر الأحمر. لانها تعتمد على بترول الخليج اعتماداً رئيسياً لسد العجز الذي تعانيه في الطاقة ـ كما أن دولة مثل الإتحاد السوفيتي سابقاً يمكن أن تدخل أيضا في النطاق الPيوبولتيكي للبحر الأحمر. الذي يعتبر أقصر طريق يربط بين موانيها على البحر الأسود، وأسطولها في المحيط الهندي الذي يحتل أهمية بارزة في استراتيجية البحرية الروسية، والولايات المتحدة على سبيل المثال أيضا لا تخرج على الحيّز الPيوبولتيكي للبحر الأحمر حيث يمر بترول الخليج الذي تحتكر انتاجه وتجارته الشركات الأمريكية ويعتمد علىها الاقتصاد الأمريكي.

وواضح أن النطاق الPيوبولتيكي للبحر الأحمر هائل الإتساع بحيث يمكن أن يشمل الخريطة السياسية للعالم كله وذلك لعدة خصائص Pيوبولتيكية تميّز البحر الأحمر وتدفع به إلى الصدارة من حيث الأهمية الجيوستراتيجية.

إن البحر الأحمر من البحار ذات الإمتداد الطولي الكبير، وهذا يعني زيادة إمكانية السيطرة على المجرى الملاحي من المواقع الساحلية الحاكمة، وبالتالي فإن ذلك يحد من حرية الحركة والمناورة في العمل بعيدا عن تطفل الساحل، وهذا التطفل الساحلي يتمثل إما في صورة رسوم عبور أو جمارك أو خدمات في حالة الملاحة التجارية وهو ما تقدمه ميناء بورتسودان حاليا في مجال التموين بالخضروات واللحوم الطازجة والمياه العذبة وما يمكن أن تقدمه في المستقبل من توسيع لأحواض السفن وانشاء حوض عائم لصيانة السفن في البحر الأحمر. وإما في صورة إخطار مسبق وتفتيش وإثبات براءة المرور في حالة الملاحة الحربية.

ويوجد بالبحر الأحمر 379 جزيرة ويبلغ عدد الجزر التابعة لبلاد البجه منها 36 جزيرة تمتد بامتداد ساحل البلاد.

وفي (السودان) تنتهي مئات الأميال من الطريق البري الوحيد بين الخرطوم ــ بورتسودان وخطي أنابيب البترول وخطوط السكة الحديد التي تسير مئات الأميال بين بورتسودان والخرطوم ـ ويمر واحد منهما عن طريق مدينة كسلا والآخر عن طريق مدينة أتبره ـ وبهذا تحتل بلاد البجه موقعاً استراتيجياً وPيوبوليتيكياَ بالنسبة (للسودان) حيث هي البوابة الوحيدة للصادرات والواردات التي هي عصب الحياة (للسودان) بالإضافة لعشرات الجسور على الخط الحديدي والبري وتشكل هذه الجسور أكثر النقاط أهمية لوسائل المواصلات.

أما بالنسبة لحصار البحر الأحمر فيمكن السيطرة على نقط الاختناق الثانوية والرئيسية القريبة من ساحل البلاد  التي تتحكم بقوة في تنظيم حركة الملاحة فيه.

ويعد الرصيف القاري، من الناحية الاقتصادية، أهم أجزاء البحر الأحمر، من نبات وأسماك وقواقع، نتيجة لوصول ضوء الشمس اللازم لعملية التمثيل إلى هذه الأعماق الضحلة، فضلا عن ذلك فإن هذه الأعماق الضحلة تسمح بامكانية التنقيب عن الموارد المعدنية واستغلالها.

وتقل درجة ارتباط السكان البجه بالبحر الأحمر وثرواته نسبة للتخلف الذي فرض عليهم وانعدام التكنولوPيا مما يحد من قدرتهم على اكتشاف واستغلال ثروات القاع، بالإضافة إلى عدم توفر وسائل حماية هذه الثروات ـ ولا يوجد الآن استثمار لهذه الثروات غير ما يعرف بكنز البحر الأحمر وهو هيئة مشتركة بين المملكة العربية السعودية وحكومة (السودان) التي تمثل مجموعة من محاسيب الخرطوم من الشماليين دون أي تمثيل للبجه أصحاب الحق في هذه الثروة.

ويتميز البحر الأحمر، بموقع هام بكل المقاييس السياسية والاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية مما يزيد من أهمية بلاد البجه بالمقاييس الدولية والبحر الأحمر يمتاز بموقعه المتوسط بين القارات فهو همزة الوصل بين قارتي آسيا وأفريقيا.

ومن هنا فالبحر الأحمر توفرت له معظم الخصائص الجيوبوليتيكية، التي تجعل منه ممرا بالدرجة الأولى ومقراً بالدرجة الثانية، وليس هذا فحسب بل ان البحر الأحمر له من الخصائص التي يمكن أن تجعله ممراً بحرياً من الدرجة الأولى بين طرق الملاحة العالمية، فالبحر الأحمر، هو بحق الطريق الاستراتيجي في عالم اليوم ومن هنا تنبع أهمية بلاد البجه الاستراتيجية بالنسبة لدول العالم.

ونظرا لأهمية البحر الأحمر كطريق ممتاز واحتلال بلاد البجه لمساحة كبيرة من سواحله، فإن بلاد البجه كانت دائماً بؤرة لاهتمام القوى المختلفة.

وتبدو خطورة هذه الاستراتيجية الغربية بدرجة أوضح إذا علمنا أن المطالب والمصالح الغربية في المنطقة، مصالح استراتيجية هامة، ولعل أهم مطلب للغرب في المنطقة، يتمثل في حاجته الشديدة إلى بترول المنطقة، فالبحر الأحمر في السياسة الغربية هو بالدرجة الأولى، الشريان الرئيسي الذي يحمل نفط الخليج إلى دول الغرب الصناعية، التي تعاني عجزا كبيرا في الطاقة، التي تعتمد اعتماداً رئيسياً على البترول القادم من الخليج، لتشغيل مصانعها، وإدارة إقتصادها باستثمارات البترودولار.

ولذلك فإن الهدف الرئيسي للقوة العسكرية الأمريكية في المنطقة، هو تأمين استمرار تدفق النفط إلى الدول الغربية، وحماية شركات البترول الغربية العاملة في منطقة الخليج، لضمان إسهام هذه الشركات في ميزان المدفوعات.

ومن هنا تبدو أهمية المحيط الهندي الذي عاد يحظى من جديد بمكانة هامة في الاستراتيجية الغربية، بوصفه قاعدة عامة للتحكم والسيطرة بالنسبة لمنابع البترول، وأيضا بالنسبة لطرق نقله ـ إذ يسلك بترول الخليج  أما طريق السويس وأما طريق رأس الرجاء الصالح. وهو في الحالتين يمر بمياه المحيط الهندي، بالإضافة إلى طريق ثالث يحمل النفط إلى حليف الغرب التقليدي في آسيا وهي اليابان، ولذلك تحتفظ الولايات المتحدة في المحيط الهندي والبحر الأحمر، بقوة بحرية عملاقة، قوامها حاملات الطائرات والمدمرات والغواصات النووية، بالإضافة إلى عدة قواعد بحرية وجوية تقوم على خدمة هذه  الوحدات البحرية. إن بعض النظم القائمة في منطقة البحر الأحمر تتميز بعدم الاستقرار ومعرضة دائماً لتيارات قومية وتقدمية وراديكالية، ولهذا فإن بعض الدول تسعى للتغلغل داخل هذه الأنظمة بصورة مباشرة حتى تضمن استمرار الأنظمة الحليفة لها ومن ثم استمرار سيطرتها على البحر الأحمر. ويتمثل ذلك في المساعدات الاقتصادية والعسكرية التي تقدمها لدولة مثل (السودان) ـ والانشاءات التوسعية في مطار الخرطوم لاستيعاب الطائرات الكبيرة للانقضاض على دول المنطقة بالإضافة إلى المفاوضات الجارية بين بعض الدول وسلطات الخرطوم لتحويل ميناء سواكن لقاعدة بحرية لتقديم كافة التسهيلات لأسطول إحدى الدول في البحر الأحمر ومحاولات بيع مياه النيل إلى إسرائيل من قبل نظام الإنقاذ لاسترضاء أمريكا.

وكانت محاولات امريكا لاستغلال ميناء حلايب أيام الحكم العسكري عام 1958 قد وجدت معارضة من الرأي العام العربي القومي مما أدى لموت الفكرة.

أمن البحر الأحمر

منذ قديم الزمن والبحر الأحمر يجسد أهمية عالمية. فلقد شهد وجود القوى الأجنبية فيه منذ فجر التاريخ. فلقد طافت فيه سفن كل من الفراعنة والفينيقيين والإغريق والرومان والصليبيين والبرتغاليين والعثمانيين والفرنسيين والبريطانيين.

وعن أمن البحر الأحمر كتب الدكتور أحمد عبد الكريم سيف في صحيفة الخليج (لعل البحر الأحمر يمثل أهم شريان استراتيجي في العالم ليس فقط لأن 70% من نفط العالم يمر عبره وليس لأنه أيضاً يمثل أكثر طرق التجارة ازدحاماً، بل ربما أكثر أهمية أيضاً لأنه يمثل قلب المخطط الجيوستراتيجي العالمي الآن. حيث يحتل البحر الأحمر العمود الفقري للأرض.

ويجدر القول أن البحر الأحمر عبر التاريخ لما يزل ذا أهمية استراتيجية متميزة وقد أعملت الحرب الباردة وتدفق النفط على توجيه التركيز الإعلامي نحو الخليج العربي دون أن تفعل الدول العظمى ذات الشيء، إذ استمر الصراع الخفي للسيطرة على البحر الأحمر دون هوادة. (لذا قام محمد علي باشا بشراء موانيء جدة ومصوع وسواكن لتأمين البحرالأحمر).

لقد مرت الأهمية السياسية والعسكرية والاقتصادية للبحر الأحمر خلال تاريخ طويل عبر التاريخ تمثلت في الربط بين الصين والهند وبحر العرب والبحر المتوسط وبالتالي أوروبا، وشكلت محور صراع بين القوى المختلفة ليس فقط للتجارة المربحة التي مهدت لقيام حضارات مختلفة ومنها قيام الإسلام بل وحتى قبل ذلك لنشر المسيحية على يد الرومان في (السودان) واثيوبيا واليمن.

ولعل القديم الجديد أن مثل هذه الصراعات الدولية كانت من أهم أسباب تخلف المنطقة المحيطة بالبحر الأحمر، ففي التاريخ القديم تسبب الصراع الروماني ــ الفارسي في سقوط حضارات عديدة عبر التحالف مع قوى محلية في (السودان) والحبشة واليمن. وفي الفترة الممتدة بين القرنين الخامس عشر والتاسع عشر شهدت المنطقة صراعاً قاسياً بين العثمانيين والبرتغاليين وبعض القوى الأوروبية الأخرى مثل المدن الإيطالية واسبانيا وعلى الخصوص بريطانيا، ذلك من أهم أسباب الاتجاه لاكتشاف طرق تجارية أخرى خارج السيطرة العثمانية مما مهد لتحويل التجارة عبر رأس الرجاء الصالح، مما كان له أبلغ الأثر في تدهور الأوضاع الاقتصادية لمنطقة البحر الأحمر وبالتالي السياسية. ونذكر أن حملة نابليون إلى مصر التي مهدت لحفر قناة السويس وزيادة الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر قد دفعت بريطانيا للتدخل عسكرياً واحتلال مصر وعدن (وسواكن) وجزء من القرن الافريقي الأمر الذي زاد في إفقار المنطقة وتسخيرها لخدمة الدول المحتلة، ليس هذا فقط بل باعدت بين سكان المنطقة الذين يحملون سمات ثقافية وعرقية مشتركة، لذلك ليس من المستغرب أن تكون منطقة البحر الأحمر (بلاد البجه مثال صادق) من أفقر مناطق العالم رغم ثرواتها الثقافية والطبيعية والبشرية.)

 

أهمية البحر الأحمر

برزت أهمية البحر الأحمر تجارياً وإقتصادياً بشكل متزايد بعد شق قناة السويس عام 1869، (أمن البحر الأحمر للأستاذ عماد قدوره) وتحقيقه الاتصال بين البحرين الأبيض والأحمر ومن ثم ربط البحر الأحمر بين الشرق والغرب. وقرّب هذا الطريق المسافة بين مصادر المواد الخام في آسيا وأفريقيا والمصانع في أوروبا حيث قلل من تكاليف المواد الخام ومن ثم المنتجات وزاد الأرباح.

ومن جهة أخرى يتصدر البحر الأحمر قائمة بحار العالم لما يحوي في باطنه من ثروات طبيعية ومعدنية وغاز ونفط. كما يزخر بعدد كبير من الأسماك والأحياء البحرية الأخرى، مما يمهد لإنشاء صناعات متعددة تقام على سواحله.

منذ مطلع القرن العشرين، ونتيجة لأهمية البحر الأحمر الاستراتيجية، كانت الدول التي على سواحله محلاً للتطلعات الاستعمارية والإمبريالية. وتقاسمت الدول الاستعمارية هذه الدول فيما بينها. فقامت بريطانيا باستعمار عدن ومصر والسودان. وقامت فرنسا بتشغيل قناة السويس واستعمار جيبوتي. واستعمرت إيطاليا اريتريا والصومال.

ويعتقد بأن البحر الأحمر تمر فيه أربعة أخماس المواد الخام الأولية مشحونة من آسيا وأفريقيا إلى الغرب الصناعي. لذا اشتد التنافس الاستعماري بين القوى الدولية الفاعلة على المسرح العالمي آنذاك بهدف السيطرة على البحار والممرات المائية والملاحية الاستراتيجية في هذه المنطقة. وعقب إنتهاء الحرب العالمية الثانية وسيطرة القوتين المنتصرتين ــ الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ــ على مقدرات العالم، بدأت تتبلور سياسات عالمية تنافسية جديدة لكل منهما، في سياق ما سُمي بالحرب الباردة بينهما.

وتقدم فرنسا مساعدات إقتصادية وعسكرية لبعض الدول الأفريقية، خاصة الفرانكوفونية ودولة جيبوتي المطلة مباشرة على البحر الأحمر. ولا زالت فرنسا تحتفظ بوجود عسكري فعلي في جيبوتي.

وعقد بالخرطوم مؤتمر ثلاثي من مصر و(السودان) وسوريا في 27/2/1977، وكان أهم موضوعاته أمن البحر الأحمر. وعقد في تعز اجتماع رؤساء كل من اليمن الشمالي والجنوبي و(السودان) والصومال في النصف الثاني من مارس 1977، وصدر عنه بيان دعا إلى المحافظة على سلام منطقة البحر الأحمر وتنسيق الجهود العربية لاستثمار موارده.

وشجعت الجامعة العربية أعضاءها على عقد اجتماعات بشأن البحر الأحمر وعملت في إتجاه تعاون مصري يمني جنوبي في باب المندب. واقترحت رسمياً على الحكومات العربية تشكيل قوة أمن عربية دائمة لمواجهة الأخطار التي تتهدد أمن البحر الأحمر، ولم تر هذه الخطة النور. ولم تعقد قمة عربية لبحث موضوع أمن البحر الأحمر منذ عام 1977، إلا أن الأزمة بين اليمن وإريتريا قد فعّلت مسألة البحر الأحمر في الأجندة العربية مرة أخرى.

مفهوم الأمن

تفضي معالجة أمن البحر الأحمر بالضرورة إلى تحقيق أمن الدول المطلة عليه وسلامتها، وضمان كيانها واستقرارها ضد الأخطار الخارجية، في حين يقصد بالأمن العربي للبحر الأحمر قدرة الدول المطلة عليه على التأثير في إقليمه وإقامة علاقات التعاون المشترك، وحمايته وتأمينه من التأثير أو سيطرة قوى إقليمية أو دولية ذات توجهات معادية بطبيعتها للدول العربية وشعوبها.

وينبغي لأي استراتيجية عربية تستهدف أمن البحر الأحمر وحمايته، أن تأخذ في الإعتبار جميع الدوائر الاستراتيجية الخمس التي تبدأ من الدول العربية المطلة عليه، ثم منطقة الخليج العربي، ثم العالم العربي الذي يتوسطه ثم الدول الأفريقية فالدول الغربية الصناعية، بحيث تؤدي هذه الاستراتيجية في النهاية إلى تحقيق الاستفادة القصوى من المكانة والمزايا التي يتمتع بها البحر الأحمر والدول المطلة عليه، والتي توليها هذه الدوائر أهمية بالغة.