تعيين قاض صومالي رئيسا جديدا لمحكمة الجنايات الدولية

أفادت أنباء بأن المحكمة الجنائية الدولية انتخبت الصومالي عبدالقوي أحمد يوسف رئيسا لها لمدة ثلاث سنوات. وشغل يوسف الحاصل على درجة الدكتوراة في القانون الدولي من جامعة جنيف عدة مناصب في عدد من المنظمات الدولية من بينها نائب رئيس محكمة الجنايات الدولية. وتلاحق المحكمة الجنائية الدولية الرئيس عمر البشير منذ العام 2009 بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية في دارفور فيما تنفي الحكومة تلك التهم وتقول إن دوافعها سياسية.
****
وفي 18 سبتمبر 2004 قرر مجلس الأمن خلق لجنة دولية مكلفة بالتحقيق ف

ي انتهاكات القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، المرتكبة في دارفور بمقتضى القرار رقم 1564 ، وﺫلك نتيجة استمرار حكومة السودان في عدم التزامها بالقرار1556 المتعلق بضرورة محاكمة المعنيين بالجرائم المرتكبة في دارفور من طرف السودان

وفي أكتوبر 2004 تم إنشاء اللجنة المذكورة، وانتهت من أعمالها في 25 يناير 2005، وفي تقريرها ل 1 فبراير 2005 ، ذكرت اللجنة بأن الحكومة السودانية لم ترتكب جريمة الإبادة الجماعية في دارفور(…)، وأقرت بكون الحكومة والميليشيات والجنجويد قد ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، بهدف القتل والاغتصاب والعنف الجنسي والتعذيب والنقل القسري للمدنيين والاختفاء القسري

وأعدت لجنة التحقيق التابعة لمجلس الأمن لائحة غير نهائية ل51 متهما، قصد إحالة الحالة من طرف مجلس الأمن إلى المحكمة الجنائية الدولية، وفعلا تم ذلك بمقتضى القرار رقم 1593 في 31 مارس 2005 ، وجاءت العبارة الأولى من هذا القرار بصيغة أن مجلس الأمن يحيط علما بتقرير لجنة التحقيق الدولية بشأن انتهاكات القانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان في دارفور

وتجدر الإشارة في هدا الإطار، إلى أن التحقيق الذي فتحه المدعي العام للمحكمة في 6 يونيو 2005 لم يخضع لتقرير لجنة التحقيق الدولية ولائحة المتهمين التي أعدتها ، وذلك بالنظر لتمتع المحكمة باستقلالها، رغم ما يخوله النظام الأساسي لمجلس الأمن من دور في الإحالة على المحكمة، أو في تعليق نظر المحكمة في قضية ما لمدة 12 شهرا قابلة للتجديد، طبقا للمقتضيات المنصوص عليها في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية

أولا: فتح التحقيق من قبل المدعي العام

قرر المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية السيد ” لويس مورينو أوكامبو” فتح التحقيق في الوضع السائد في دارفور بالسودان، وذلك بعد إحالة القضية إليه من قبل مجلس الأمن بتاريخ 31 مارس 2005، و تلقى المدعي العام محفوظات ووثائق لجنة التحقيق الدولية المعنية بدارفور، وفضلا عن ذلك طلب مكتب المدعي العام معلومات من مصادر مختلفة، وفعلا سيتوصل إلى جمع الآلاف من الوثائق، وسيستعين بعدد من الخبراء

في 6 مارس 2009، قدمت المحكمة مذكرة توقيف عمر البشير لسفارة السودان، وكانت رد هذه الأخيرة هو عدم الاعتراف بصلاحيات المحكمة، هذا بالإضافة إلى قيام الحكومة السودانية بطرد13 منظمة غير حكومية نظرا لتعاونها مع المحكمة الجنائية الدولية، وهددت بعقاب كل من أبدى تعاونا مع هذه المحكمة

وأكد المدعي العام انه منذ مارس 2005 ، لم تقم حكومة السودان بأي تحقيقات ومتابعات حقيقية في موضوع الأشخاص المتهمين في الجرائم الخطيرة المرتكبة في دارفور، إضافة إلى ذلك، الجرائم المرتكبة من طرف ” أحمد هارون” ، ” علي خشيبي” ” وعمر البشير” ومرتكبي الجرائم في “هاسكانيتا” التي لم تكن موضوع أي إجراء أو مسطرة وطنية في السودان

وإضافة إلى نقاط أخرى وردت في تقرير المدعي العام، يتضح أن حكومة السودان لم تبد أي تعاون في هذا الصدد، وعملا بنص المادة 17 من نظام روما في المسائل المتعلقة بالمقبولية، والتي أكدت على” أن من حق المحكمة التدخل في حال عدم رغبة الدولة في الاضطلاع بالتحقيق أو المقاضاة أو عدم قدرتها على ذلك “، وهو ما تعكسه تصرفات الحكومة السودانية فيما يخص عدم التعاون، وتم رفع التقرير إلى الغرفة التمهيدية من أجل إصدار مذكرة اعتقال للمتهمين

وفي تقرير المدعي العام” أو كامبو” رقم(7) في يونيو 2008أكد فيه أن الحكومة السودانية لم تتخذ أي إجراء بتوقيف كل من ” أحمد هارون” و ” علي خشيبي”، بل انه في 7 ماي 2009 ،تم تعيين” أحمد هارون” في منصب آخر كحاكم” لكور دوفان الجنوب” ،وهو منصب ذو أهمية مركزية لأمن السكان السودانيين (…)أما بالنسبة ” لعلي خشبي” فهو حسب نفس التقرير لازال حرا في جنوب دارفور، وفي 6 ماي 2009، أعلن عبد الرحمن شرقي قاضي المحكمة العليا للسودان بأن ” علي خشيبي” يمكن أن يحاكم حالما تتوفر وبشكل كاف عناصر الحجة، وإلى غاية الآن لم تبعث الحكومة السودانية أي معلومات في هذا الأمر

ثانيا: الأسباب والوقائع

بمقتضى المادة 58 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، قدم المدعي العام طلبه فيما يتعلق بحالة دارفور إلى الدائرة التمهيدية الأولى، وكان الالتماس يتعلق بإصدار أمر بالقبض على عمر البشير، وذلك لارتكابه الجرائم الثلاث المنصوص عليها في النظام الأساسي، وهي جريمة الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وستعبر الدائرة التمهيدية الأولى:” عن اقتناعها بأن هناك أسبابا معقولة للاعتقاد بأن عمر البشير يتحمل المسؤولية بمقتضى المادة25 (أ) من النظام الأساسي كمرتكب غير مباشر أو شريك غير مباشر في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وأن القبض عليه يبدو ضروريا بمقتضى المادة 58 (أ)(ب) من النظام الأساسي “، كما اعتبرت الدائرة أن هناك أسبابا معقولة للاعتقاد بأن نزاعا مسلحا مطولا غير ذي طابع دولي من النزاعات المشار إليها في المادة 8 (2) (9) من النظام الأساسي قد نشب في دارفور

وهذا النوع من النزاعات ينص عليها نظام روما بما يلي : المادة 8(2)(9)) ” تطبيق الفقرة (2/9 ) على المنازعات المسلحة غير ذات الطابع الدولي وبالتالي فهي لا تنطبق على حالات الاضطراب والتوترات الداخلية مثل أعمال العنف المنفردة أو المتقطعة أو غيرها من الأعمال ذات الطبيعة المماثلة، وتنطبق على المنازعات المسلحة التي تقع في إقليم دولة عندما يوجد صراع مسلح متطاول الأجل بين السلطات الحكومية وجماعات مسلحة منظمة أو فيما بين هذه الجماعات)

وتستند الدائرة التمهيدية كذلك على وجود أسباب معقولة، للاعتقاد أن حكومة السودان دعت بعيد الهجوم الذي شن على مطار الفاشر في أبريل 2003 ، إلى تعبئة مليشيا الجنجويد للرد على أنشطة حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة وغيرهما من الجماعات المسلحة في دارفور ، وقادت بعد ذلك من خلال القوات السودانية المسلحة وميليشيا الجنجويد المتحالفة مع وقوات الشرطة السودانية(…) حملة في مختلف أنحاء منطقة دارفور لمكافحة تمرد جماعات المعارضة المسلحة هذه، وتضيف الدائرة أن حملة المكافحة هذه استمرت لغاية تاريخ 14 يوليوز 2008، وهو تاريخ إيداع طلب الإدعاء ، كما أن الهجوم استهدف سكانا ينتمون إلى بعض الجماعات المحددة، (وهي الفور والمساليت والزغاوة)، والتي تعتبرها حكومة السودان مقربة من الحركات المسلحة في دارفور، وإثر هذا الهجوم، فإن حكومة السودان سترتكب عمليات نهب منهجية ضد بلدان وقرى تعود لهذه الجماعات، وتركيزها هذه الهجومات ضدها

ولتؤكد الدائرة من قوة التهم الموجهة للمعني بالأمر، فإنها تعتبر أن الهجوم غير المشروع على سكان دارفور كان واسع النطاق، حيث تضرر منه مئات الآلاف وعلى امتداد مساحات واسعة، وثانيا كان منهجيا، إذ ستتخذ أعمال العنف هذه التي شملها الهجوم نمطا متشابها إلى حد كبير ، وهذه الهجومات أخضعت آلاف المدنيين والذين ينتمون إلى الجماعات المذكورة سالفا، إلى قتل وإبادة Extermination، إضافة إلى إخضاع هؤلاء السكان- دائما حسب الدائرة التمهيدية الأولى- من المدنيين لأعمال نقل قسري، وآلاف النساء لأعمال اغتصاب، ومدنيين لأعمال تعذيب

لدلك ستتهم المحكمة قوات حكومة السودان، والأجهزة الأخرى، من مخابرات وميليشيا الجنجويد المتحالفة معها، وقوات الشرطة السودانية في مختلف أنحاء منطقة دارفور، بجرائم ضد الإنسانية، شملت القتل والإبادة والنقل القسري والتعذيب والاغتصاب بمفهوم المواد 7(1) و(أ) (ب) (د) و (و) و (ز) من النظام الأساسي ، وتحميل المسؤولية لعمر البشير باعتباره رئيس الدولة والقائد العام للقوات المسلحة السودانية فعليا وقانونيا، كما أنه وهو في هذا المنصب أدى أدوارا مهمة، في تنسيق ووضع وتنفيذ حملة حكومة السودان، ومن جهة أخرى سيطرته على كل فروع جهاز الدولة سيطرة كاملة بما في ذلك القوات المسلحة والجنجويد

ثالثا: التهم المنسوبة لعمر البشير

إن الأسباب المذكورة أعلاه جعلت الدائرة التمهيدية الأولى تحمل المسؤولية لعمر البشير بناء على المادة 25 (3)(أ) من نظام المحكمة كمرتكب غير مباشر أو شريك غير مباشر، وتنص بهذا الشأن المادة 25 (3)(أ) :” وفقا لهذا النظام الأساسي، يسأل الشخص جنائيا ويكون عرضة للعقاب عن أية جريمة تدخل في اختصاص المحكمة في حال قيام هذا الشخص بما يلي

أ- ارتكاب هذه الجرائم بصفة فردية أو بالاشتراك مع آخر أو عن طريق شخص آخر، بغض النظر عما إذا كان ذلك الآخر مسؤولا جنائيا…”
ويجدر الذكر هنا أن رأي القاضية أنيتا أوشاكا سيخالف جزئيا هذا الرأي

وتتمثل التهم المنسوبة إلى عمر البشير، والتي استدعت إصدار مذكرة القبض عليه في سبع تهم من الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وفي هذا الصدد فإن رأي القاضية أنيتا أوشاكا كان مخالفا لرأي الأغلبية، فيما يتعلق باستبعاد تهمة جريمة الإبادة الجماعية génocide ، فرأي أغلبية القضاة رأى ” أن المواد التي قدمها الإدعاء العام دعما لطلبه لم توفر أسبابا معقولة للاعتقاد بان حكومة السودان تصرفت بقصد إجرامي خاص لإهلاك جماعات الفور والمساليت والزغاوة إهلاكا كليا أو جزئيا “.

أ‌- الجرائم ضد الإنسانية

ب‌- القتل باعتباره جريمة ضد الإنسانية، وتنص بشأنه المادة 7(1)(أ) من النظام الأساسي : لغرض هدا النظام الأساسي يشكل أي فعل من الأفعال التالية جريمة ضد الإنسانية متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنين، وعن علم بالهجوم
ا- القتل العمد…”.

الإبادة extermination،ـ منصوص عليها في المادة 7 (1) (ب)

– النقل القسري، جريمة ضد الإنسانية، معاقب عليها بنص المادة 7(1) (د) من النظام الأساسي:” إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان”.
التعذيب، منصوص عليه في المادة 7(1)و
الاغتصاب، منصوص عليه في المادة 7 (1) (ز)

ب- جرائم الحرب

توجيه هجمات متعمدة ضد السكان المدنين بصفتهم هذه أو ضد أفراد مدنيين لا يشاركون بشكل مباشر في الأعمال الحربية منصوص عليه في المادة 8(2)(هـ)(1) من النظام الأساسي” يكون للمحكمة اختصاص فيما يتعلق بجرائم الحرب ولا سيما عندما ترتكب في إطار خطة أو سياسة عامة أو في إطار عملية واسعة النطاق لهذه الجرائم 2- لغرض هذا النظام الأساسي تعني جرائم الحرب”. (…) الانتهاكات الخطيرة الأخرى للقوانين والأعراف السارية على المنازعات المسلحة غير ذات الطابع الدولي، في النطاق الثابت للقانون الدولي، أي في الأفعال الآتية

(…)

1- تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنين بصفتهم هذه أو ضد أفراد مدنيين لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية”
النهب، منصوص عليه في المادة 8(2) (ه) (5) في النظام الأساسي: ” نهب أية بلدة أو مكان حتى وإن تم الاستلاء عليه عنوة”. وطبقا للمادة 58 (1) تنص: تصدر الدائرة التمهيدية في أي وقت بعد الشروع في التحقيق، وبناء على طلب المدعي العام أمرا بالقبض إذا اقتنعت، بعد فحص الطلب والأدلة أو المعلومات الأخرى المقدمة من المدعي العام ب

ا – وجود أسباب معقولة للاعتقاد أن شخصا قد ارتكب جريمة تدخل في اختصاص المحكمة أو

ب- أن القبض على الشخص يبدو ضروريا

1- لضمان حضوره أمام المحكمة أو
2- لضمان عدم قيامه بعرقلة التحقيق أو إجراءات المحكمة أو تعريضها للخطر أو
3- حيثما كان ذلك منطبقا لمنع الشخص من الاستمرار في ارتكاب تلك الجريمة أو لمنع ارتكاب جريمة ذات صلة بها تدخل في اختصاص المحكمة وتنشأ في الظروف ذاتها

وبناءا على هذه المادة، فإن الدائرة التمهيدية فسرت أمر القبض على عمر البشير للدوافع الآتية؛

أ- لأجل مثوله أمام المحكمة
ب- عدم قيامه بعرقلة التحقيق الجاري
ج- عدم استمراره في ارتكاب الجرائم المذكورة .
من خلال هذا الاستعراض، يظهر مليا السند القانوني الذي ارتكز عليه المدعي العام و الدائرة التمهيدية، في متابعة البشير وإصدار الأمر بالقبض عليه، غير أن هذا الأمر يصطدم بحواجز أخرى ، من قبل مدى تعاون الدول والسودان نفسه، ومجلس الأمن كذلك مع المحكمة

خاتمة

تعتبر قضية عمر البشير، والاثنين من المسؤولين السودانيين المتورطين في جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، واحدة من أهم الامتحانات الحقيقية أمام المحكمة الجنائية الدولية، من حيث

أولا: إظهار مدى فعاليتها وتعاون الدول معها، خاصة تلك الدول المصادقة على النظام الأساسي للمحكمة، إضافة لتعاون مجلس الأمن الذي لا يخفى أنه يضم ثلاثة أعضاء غير مصادقين على نظام المحكمة، وهم الصين والولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، وتعتبر الصين عمليا زبونا مهما للمحروقات السودانية

وثانيا: من حيث التدليل على استقلاليتها، خاصة وأن القضية بدأت بإحالة من مجلس الأمن، والذي يضم كذلك أعضاء لم يصادقوا على نظام المحكمة، كما لم يخفوا اتهامهم لحكومة السودان، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية بارتكاب جريمة الإبادة في دارفور، والحث على التدخل في هده القضية، خاصة وأن الولايات المتحدة الأمريكية، قادت حملة لإضعاف فعالية المحكمة

إضافة إلى هذا، دعم بعض المنظمات الإقليمية كالجامعة العربية التي تضم دولا لم تصادق منها سوى الأردن وجيبوتي على النظام الأساسي للمحكمة، وهذا ما يفسر تنقلات عمر البشير إلى قطر بعد إصدار الأمر بالقبض عليه وكذلك إلى مصر…، اضافة للموقف المتردد للاتحاد الافريقي، والدي يقف لحدود الان لجانب عدم محاكمة عمر البشير امام المحكمة الجنائية الدولية

وفي غنى عن كل تأويل مغرض للقضية، فإنه لا بد من الإشارة إلى طابعها القانوني، والمنسجم مع نظام المحكمة، وتبقى محاكمة المعني بالأمر تحديا واقعيا أمام المحكمة، وسيكون تحقيقه نجاحا مهما للعدالة الجنائية الدولية

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.