الانتفاضة ليست غاية لنمتطى جواد الانتخابات

د.الطاهر الفكى
أولا. لا نتهم الداعين الى المشاركة فى الانتخابات القادمة بالعمالة أوالخيانة أو تنفيذ أجندة المؤتمر الوطنى.
فبالتأكيد أن كل ما سوف يؤدى الى أزاحة البشير و حزبه عن السلطة مرغوب و نؤكد دعمنا ووقوفنا معه.
لكننا فى المقابل لا نريد ان نصاب بالخيبة و فقدان كل شيئ بمد أنبوبالأوكسجين لنظام يحتضرو إهدائه الشرعية و الأيام تأكل آخر ما فى منسأته.
مقاطعة الأنتخابات أو رفض نتيجتها ليست حلا فى حد ذاتها ولا تجدي نفعاً, بل تكون أكثر ضرر فى ظل أنتخابات نزيهة و شفافة مشهود لها داخليا و دوليا. المقاطعة هنا حتما ستمهد الطريق للمفسدين و الأرزقيةليتصدروا الساحة الخالية من الذين يقاطعون ولا يدلون بأصواتهم.
فالانتخابات الماضية قاطعها البعض, و آخرون فضلوا المشا

ركة فى ظل قانون انتخابي مجحف و أوضاع أمنية لم تتوفر فيها الفرص المتكافئة للمرشحين والناخبين.
و الدعوة الآنإلى المشاركة في ظل الظروف الراهنة و ما سيستجد فى المرحلة القادمة وما سيتم الإعداد له فى مطابخ المؤتمرالوطنى من دون أي ضمانات لحماية العملية الإنتخابية و المرشحين و الناخبين واحترام النتائج، سيكون ضرباً من البلاهة يعيد إنتاج المؤتمر الوطنى و الحركة الإسلامية من بوابة الانتخابات.
و حيث أن جماعات الإسلام السياسى بارعون فى التلون و يجيدون الإستهبال و الخداع والكذب والتضليل، وصناعة مرشحين موالين لهم، وشراء ناخبين و توفير التمويل والتنظيم لأنفسهم فى ظل ضائقة مالية طاحنة تمسك بخناق المواطن و تردى الخدمات تجعل أى حديث خالى من برنامج يكشف معالم المستقبل السياسي و الإقتصادى سيكون نوعا من الترف الذي لا يهضمه الباحثون عن لقمة العيش اليومية وهم يعانون الجوع و المرض و لا يستطيعون توفير الغذاء لأطفالهم في بلد يعتبر نظريا سلة الغذاء للعالم.
و لكى لا نضع الكلام على عواهنه لا بد من الوقوف على النقاطأدناه و التى تؤثر على العملية الإنتخابية:-
١- أغلبية المجتمع السودانى يعيشون على دخلهم أو على من يعولونهم كموظفين في أجهزة الدولة الإدارية و العسكرية والخدمية والأمنية. وهؤلاء يجدون في الوضع القائم دخلا يوفر لهم رغم قلته نوعا من الأستقرار يقيهم شر الجوع, يصبح من الصعب تغييره، لا سيما في الظروف المعيشية القاسية والبطالة، وغياب البدائل و الفرص.
٢- الأجهزة العسكرية والأمنية، و المليشيات نشأت علي عقيدة التصدى بالعنف المفرط لأي حراك شعبي يهدد السلطة كما حصل في إنتفاضة سبتمبر2013.
٣- ما يقارب الثلاثة ملايين نازح يعيشون فى ظل ظروف معيشية سيئة و مهينة فى معسكرات النازحين بسبب النزاعات فى دارفور, كردفان والنيل الازرق. و ما بين أربعة الى خمسة ملايين لاجئ خارج الوطن. و نظريا فان حق الانتخاب مكفول لهم اذا توفر المناخ المناسب للعملية الإنتخابية. لكن في وجود هذهالأعدادالكبيرة بين نازح في الداخل ومهجر في الخارج، بسبب معارضتهم للنظام أو بسبب الحروب وتبعاتها يحتاج الأمرإلى معالجة خاصة.
٤- كم كبير للمليشيات الموازية للجيش القومي تحت مسميات الدعم السريع, حرس الحدود, الدفاع الشعبى و أجهزة أمنية أخرى نائمة و متعددة، تتوفر لها الإمكانيات و الدعم المادى و شحن العقول. يستحيل معها أن تتحقق عملية إنتخابية عادلة ونزيهة ومتساوية الفرص، تضمن للمرشح التحرك و التواصل بشكل آمن مع ناخبيه، و يضمن سلامته الشخصية وسلامة الناخبين وحرية إختيارهم دون أي ممارسات أو ضغوط من تلك المليشيات المسلحة و غيرها للتأثير على العملية الإنتخابية كلها، خوفا من ضياع مصالحهم.
٥- الذين نالوا نصيبهم من وزارات و مناصب عليا وقيادية و تشريعية في الدولة من خلال المحاصصات التى تمت بين أنصارهم وأتباعهم من أحزاب الفكة و المتسلقين من الحركات المسلحة باسم العودة الى السلام و نبذ الحروب
٦- المرجفون و المتوجسون و البسطاء من ذوى التدين العام, والصوفيون الذين سوف تحرك مشاعرهم الحركة الإسلامية وتخوفهم من مد شيوعى متوهم.
٧- المؤتمر الوطنى سوف يفصل النظام والمسرح الإنتخابى على مقاسه وسيتم إعداده بمخطط يستجمع به طاقات جماعات الإسلام السياسى وقدراتها التعبئوية على الحشد الجماهيرى بالتضليل و الأكاذيب و اتهام قوى المعارضة بدعاوى العلمانية و هدم الدين.
٨- فئات المهرولين الذين سرعان ما يبدلون ثيابهم و ولائهم ومخادعة الناخبين لدعم مواقف المؤتمر الوطنى.
٩- قوانين مقيدة للحريات والصحافة و أعلام تملكه السلطة ودعم مالى من الخزينة العامة لمنسوبيها و من والاهم مع حرمان المعارضة من دعم الدولة و مصادرة الصحف و اعتقال الناشطين.
من كل ما تقدم فان إتخاذ بعض مكونات المعارضة خياراً أحادياً بالمشاركة فى الانتخابات كوسيلة سلمية لإنتزاع السلطة من المؤتمر الوطنى، على الرغم من مرور أكثر من ربع قرن على إفلاس هذا الخيار حتى قال د. نافع: (( لو نام المؤتمر الوطنى نومة أهل الكهف(309 سنة), و عاشت المعارضة عمر نوح عليه السلام (950 عام) فلن يغيروا السلطة)).
و فى ظل غياب تام لقيادة موحدة للمعارضة و اجتماعها على برنامج واضح المعالم يجعل قيام انتفاضة ثانية أمراً بعيد المنال و غير مرغوب دوليا. و بالتأكيد لن تأتي بالمشاركة فى الإنتخابات. فالإنتفاضة فى البداية لا تحتاج إلى إذن ولا دعوة من فئة أو قيادة أو غيرها لتشتعل، وإنما تحتاج إلى قوة دفع ذاتية الوسائل فى الوقت و المكان المناسبين أو تتطور الهبات و الوقفات الجماهيرية المتفرقة فى الأحياء و المدن مع الإستعداد للتضحية لنيل الحقوق بدون دعوات من هذه الفئة أو تلك تتمنّي إنتفاضة طال انتظارها، والتهديد بها، و بالشعارات والخطابات البراقة
فما لم تتوفر برامج تخاطب عقول و قلوب الجماهير و تكتسب زخما فالمشاركة أو عدمها يصبح نوعا من العبث ليس إلا.
فمن يسوقون للإنتخابات كمدخل للإنتفاضة على النظام رومانسيون, و حالمون وعواطفهم مشبعة بحسن الظن بالمؤتمر الوطنى رغم أنه أذاقهم السم من قبل و سيذيقهم مرات أخرى.
أما الإنتفاضة عبر المشاركة فى الإنتخابات فى حد ذاتها فليست غاية. و الدعوة تمثل قنبلة لتشظى المعارضة و المجتمع بين مؤيد و رافض.وإلى موت الأحلام للداعين إلى غد تخر فيه شجرة المؤتمر الوطنى و إلىإنعتاق طال انتظاره.
المشاركة لا تطهر من عقدة الخطيئة للذين فشلوا فى توحيد المعارضة و حصروا أنفسهم فى الأوهام الكبيرة أن كل شئ لا يتم ولا يقوم إلا بهممثلهم تماما كالمؤتمر الوطنى فى سيطرة الحزب الواحد و التى أثبتت أنها وصفة أقصائية, فوقية و فاشلة لا تتصالح مع النفس والواقع وتنتهى دائما بالفشل.
لعنة المشاركة فى الإنتخابات الممجوجة ستطارد الذين يشاركون و يساهمون فيها قولا وعملا و يتسببوا في إضفاء الشرعية و يخيبوا آمال الشعب بانتخاب برلمان صورى يتلاعب به المؤتمر الوطنى.
و سوف يتلاعب الآن قبل الغد و يعدل الدستور لإعادةإنتخاب البشير مطلوب العدالة لولاية رئاسية جديدة.
و المرائون الذين سيجاهرون بالمعارضة سوف يتحولون داخل قاعات الإنتخاب إلى معاول هدم لقوى التغيير و الحداثة.
وهؤلاء أنفسهم الذين تآمروا عبر المشاركة فى الإنتخابات الماضية ثم أداروا ظهورهم و اندسوا تحت راية المؤتمر الوطنى ثم أظهروا عداءً وقحاً لقوى المعارضة.
من خلال ما اشرنا إليهأعلاهفحتما سيكسب المؤتمر الوطنى الإنتخابات و ينال الإعتراف الدولي الذى يحث الخاسر بقبول نتائجه وعدم التمترس خلف أى وسائل أخرى لتقويض النظام.
أما إذا تحولت الدعوة للإنتخابات لاستدراج و تكوين أكثرية ناخبة ليست راضية بالوضع الراهن فعندئذ لا يمكن للمؤتمر الوطنى مقاومة التيار الجماهيرى. و من حق الشعب فى هذه الأحوال ان يتعرف على البرامج و الخطوات العملية التى سوف تتخذها المعارضة لتحول الدعوة إلى واقع على الأرض كى تلتف حوله. العملية تحتاج الى جهد و تمويل ذاتى لا تتوافر مقوماته فى ظل الصراع الفكرى و المنهجى و التوجس و الطعن من الخلف بين فصائل المعارضة.
و ما نرجوه الآنألا تجعل المعارضة مقاطعة الإنتخابات همها الأول و قضيتها الأساسية و شغلها الشاغل. بل تسعى لبرنامج يتناغم مع هموم الشعب يعيد تشكيل الدولة بهدوء و يوقف الحروب .
و السؤال المهم هو ما الذى تمتلكه المعارضة إن لم تتوحد مايجعلها قادرة على تحقيق التحول عبر صندوق الانتخابات؟

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.