دارفور بين سندان المركز ومطرقة الصراعات القبلية، دارفور تدفع فاتورة مشروع الترابي، وصراع المعاليا والرزيقات معقد

في ندوة التحالف الديمقراطي بواشنطن (1-2): القبائل تعرف اللعبة وذهبت إلى الخرطوم مكان السلطة

نظم التحالف الديمقراطي بواشنطن دي سي ندوة في ذكرى ثورة 21 أكتوبر تحت عنوان (مشكلة السودان في دارفور- كيف يتحقق السلام؟) والتي أقيمت بدار الجالية السودانية بفرجينيا الأحد الماضي. ركزت الحلقة الأولى من الندوة (دور المركز في أزمة دارفور وتحدث كل من مهدي داؤود الخليفة، وبشير إسحاق في هذا المحور بينما وضعت الحلقة الثانية الصراع العربي العربي في صفيح ساخن وتحدث كل من محمد إسماعيل، ومحمد النعمان المحامي عن الصراع بين (الرزيقات والمعاليا.) أديب يوسف قدم تحليلاً أكاديمياً لسيناريوهات الصراع والحلول في دارفور. بينما عدلان أحمد رؤية التحالف بشأن قضية دارفور، وتناول أديب يوسف طرق فض النزاعات، وقدم الإعلامي لقمان أحمد تجربة منظمة(الملم) في إرساء السلام بالتنمية. شهدت الندوة نقاشاً ع

ميقاً بشأن أزمة دارفور التي ما زالت تفاصيلها مجهولة للكثيرين من أهل السودان، كما قال محمد النعمان.

واشنطن: فاطمة غزالي

صراع العرق الواحد

وصف مهدي الخليفة التركيبة القبلية في دارفور بالتعقيد بيد أن القبائل عاشت بسلام ولم تعكر صفوها إلا نزاعات صغيرة كانت تحسم ب(الجودية)، واتفق بشير إسحاق مع الخليفة في أنها كانت آمنة. في إطار الصراع العربي –العربي قال مهدي الخليفة إن الصراع بين الرزيقات والمعاليا في (1965)، تطور ..إلى صراع عرقي وأثر على الاستقرار الأمني في الإقليم. إلا أن المحامي محمد النعمان ولج بعمق في صراع المعاليا والرزيقات وصنفه بأنه ذو طابع إداري في مبتدئه، وحمل الأحزاب السودانية مسؤولية الاقتتال الذي وقع بين القبيلتين في نوفمبر 1965 بسبب منح الأحزاب دائرتين للانتخابات احتكرهما الناظر مادبو لإبنيه حيث أن اللعبة السياسية للأحزاب السودانية مبنية على بيوتات الإدارة الأهلية، وقال النعمان إن معارك 65 و66 نجم عنها مقتل حوالى 55من المعاليا، وأضاف النعمان أن الصراع بين المعاليا والرزيقات بناءً على وصف محمد إبراهيم أبوسليم “…ليس نزاعا قبلياً حول المرعي والماء أو قطعة أرض مثلما بين الرزيقات والحمر، أو بين الرزيقات والدينكا مثلاً”

التكتلات العربية والأفريقية
أرجع مهدي الخليفة أسباب الصراعات القبلية إلى الكوارث الطبيعية لجفاف والتصحر، وتأثر المسارات بحركة الرعي، وارتفاع نسبة السكان. وقال إن الاحتكاكات بين المزارعين والرعاة خلقت تكتلاً وسط القبائل الرعوية العربية، يقابله تكتل مضاد من القبائل الأفريقية الزراعية، مما أدى إلى تهتك النسيج الأجتماعي.
بشير إسحاق لم يعلق الصراع بين المزارعين والرعاة على عنق الجفاف والتصحر فحسب، بل أوضح بالمعلومات إنه من فعل الإنقاذ بهدف تغيير التركيبة السياسية والنسيج الاجتماعي. وقال إسحاق إن دارفور تأثرت بالاستقطاب السياسي وأن المجموعات العربية في منطقة جنوب وجنوب شرق دارفور الموالية للأنصار(المعاليا،الرزيقات،الهبانية والبنى هلبة) كانت أكثر وعياً بالسياسة ومحتفظة بولائها لحزب الأمة في كل الحكومات، إلا أن انتخابات الديمقراطية الثالثة أقحمت دارفور في إطار الصراع بين حزب الأمة، الذي حصل على الأغلبية في دارفور، والجبهة القومية الإسلامية، التي لم تحصل إلا على صوت الخريجين. فقرر زعيم الجبهة الإسلامية القومية حسن الترابي “تغيير التركيبة السياسية والنسيج الاجتماعي في دارفور” كردة فعل على فوز حزب الأمة بالأغلبية.

قبائل دارفور والخرطوم
عرج الخليفة إلى دور السلطة المركزية في عهد مايو وحملها مسؤولية إضعاف الإدارة الأهلية وهيكلتها في إطار سلطوي أفرغ سلطاتها الأمنية مما أدى إلى غياب الانضباط الأمني بسبب وضع سلطة القبائل في يد الموظفين. وقال بعودة الديمقراطية عادت الإدارة الأهلية إلا أنها لم تعد بذات القوة القديمة. وقطع الخليفة بأن تسييس الإدارة الأهلية في دارفور ارتبط بشكل مباشر بنظام الإنقاذ وقال إنها خلقت نُظاراً جدداً وأفرغت الإدارة الأهلية من مضامينها بتعيين الموالين لها فأفقدتها سطوتها مما أثر سلباً على الأوضاع الأمنية والاستقرار بين القبائل. وأضاف قائلاً إن تشبث الإنقاذ بالقبائل جعل القبائل تعرف اللعبة فذهبت إلى مكان السلطة في الخرطوم في إشارة إلى مجالس شورى القبائل. وقال ليس هناك ما يجعل قبائل دارفور تخلق دوراً ومجالس شورى لولا التعيين القبلي في السلطة. وقطع مهدي الخليفة بأن غياب الديمقراطية تسبب في تصعيد القبلية بتراجع الولاء من الأحزاب إلى القبائل.

الوعي والإنتماء
اتفق بشير إسحاق مع مهدي الخليفة حول دور الإنقاذ في تأجيج الصراع في دارفور، وقال إن دارفور تدفع الآن فاتورة مشروع الترابي “تغيير التركيبة السياسية والنسيج الاجتماعي”، وبرأ إسحاق كل الحكومات العسكرية والديمقراطية بعد الاستقلال من تهمة ضرب النسيج الاجتماعي وقال كانت جمعيها تهدف إلى تركيز السلطة وتعزيز الوعي السياسي في دارفور وتشجيع القبائل للانتماء الحزبي، إلا الجبهة الإسلامية القومية شرعت في تغيير التركيبة الدارفورية على أسس إيديولوجيتهاالإسلامية العربية، باستقطاب القبائل العربية الرعوية في شمال دارفور(الرزيقات الأبالة والمهرية) وكما جاء على لسان إسحاق لا علاقة لها بالسياسة بل تمارس الرعي ولها علاقات تاريخية، تعايش سلمي، مصاهرات مع المزارعين، وتتحرك وفقاً للقواعد والأسس بينها والمزارعين المستقرين وهي قواعد وضعت لحسم النزاعات الصغيرة بينهما، وقال إن الأعراب مقتنعين بأن هذه الأراضي حكر لأصحابها من القبائل الأفريقية المستقرة، ويسمحون لغيرهم بالرعي فيها.

من أجل خلق قاعدة سياسية.
أعتبر بشير إسحاق أن تنفيذ فكرة الترابي ضرب النسيج الاجتماعي بخلق إدارات خاصة وسط قبائل شمال دارفور العربية ، وأطلقت عليها الإنقاذ الإمارة وعليها أمير، ثم شرعت في توطين القبائل العربية في الحواكير والمسارات ومنحتهم إمارات ونظارات، في حواكير المناطق الغربية في سفوح جبل مرة بمساندة قوية من المركز، مما شجع الرعاة على دخول أراضي المزارعين دون إذن، خاصة بعد تقلص مساحة المراعي بعد فترة الجفاف، فتحولت النزاعات الخفيفة إلى صراعات عميقة سببها محاولة الإنقاذ خلق قاعدة سياسية.

الفيلق العربي الإسلامي
تطرّق مهدى الخليفة للحركات السياسة الدارفورية في الستينيات مثل حركة سوني أو اللهيب الأحمر، وجبهة نهضة دارفور بقيادة محمد إبراهيم دريج، عبد الرحمن دوسة، وعلى الحاج، وهي تنظيم مطلبي وتحالف سياسي ضم الكثيرين من أبناء دارفور على اختلاف اتجاهاتهم، ودعا إلى تنمية الإقليم وتطويره وحكمه ذاتياً. كما تطرق لمذكرة التجمع العربي التي طالبت باشراك القبائل العربية في حكم دارفور بالمناصفة.
مشروع الترابي .. حريق دارفور
بشأن دوافع نشأة الحركات العسكرية الدارفورية قال بشير إسحاق إن استهداف القبائل الأفريقية دفع القيادي الإسلامي داؤود بولاد للخروج من الإنقاذ ومحاربتها بعد أن وقف على التقارير بشأن حرق القرى. وقال إن محاولات بولاد مع الترابي في حل هذه المشكلة فشلت ووضح له أن الإنقاذ تماطل في نزع سلاح القبائل العربية وفي الوقت ذاته تنزع سلاح المزارعين أصحاب الأرض. قص إسحاق على لسان محمد إبراهيم دريج” بأن بولاد حكى له أنه شاهد بقرى دارفور مجموعة من أكواخ القش ممتلئة بجماجم الاطفال” نتيجة القتل والهجوم المستمر على المزارعين، فقرر بولاد مواجهة الإنقاذ بالسلاح، وذهب إلى دريج طارحاً فكرة العمل المسلح إلا أن دريج رفض وقال له إن المرحلة تتطلب العمل السياسي، إلا أن بولاد مضى في طريقه وقاتل النظام حتى الرمق الأخير من حياته.

الجنوب وأزمة دارفور
قال بشير إسحاق إن دريج مضى في الطريق السياسي السلمي لوقف القتل والحريق في دارفور ، وقال إنه طلب من بريطانيا الدعم السياسي إلا أن لندن قالت له بإنها رفعت يدها من السودان، وأن أمريكا ممسكة بملف الجنوب ونصحت دريج بأن يتوجه إلى واشنطن وطرح قضية دارفور. وقال بشير إن دريج جاء إلى أمريكا في أواخر التسعينات وكون لجنة قبل اندلاع الحرب في دارفور بخمس سنوات وبدأوا يدخلون وزارة الخارجية الأمريكية بشأن دارفور إلا أنها كانت مشغولة بقضية الجنوب، ولم تعط قضية درافور الإنسانية (القتل والحرق) أي اعتبار. فدخل دريج في مشكلة مع مساعد وزير الخارجية للشئون الأفريقية شارلس الذي أعتذر بعد تصاعد حدة الحرب في دارفور. وقال إسحاق قبل ظهور الحركات المسلحة كانت هناك 24 قرية محروقة في غرب دارفور في إطار الهجمات التي يشنها الرعاة على قرى المزارعين في الفترة من 2000 – 2003، وكانت الإنقاذ تتماطل في وضع حد للقتل.

غياب الرغبة في الحل السلمي
عزا مهدي الخليفة ظهور الحركات المسلحة الدارفورية المطلبية إلى المظالم التاريخية، وغياب التنمية، وقال إن غياب رغبة النظام في الحل السلمي ساهم في تصاعد حدة الأزمة باستغلال الحكومة لغبن بعض القبائل في إطار الصراع بين الراعي والمزارع واستقطابها بدعوى أن الحركات المسلحة لا تمثل كل دارفور وأن لها أهدافاً مبطنة ومنها تصفية العنصر العربي، بينما الطرف الآخر حمل المليشيات العربية مسئولية حرق قراهم واستهدافهم واحتلال أراضهيم وتهجيرهم، ويقول مهدي في زحمة هذا الصراع ظهرت كلمة (زرقة وعرب) وكلمة( زرقة) لا تحمل دلالات لونية أو عنصرية أو ثقافية، بل مصطلح له بعد عرقي واجتماعي مثلها وكلمة جنجويد أصبح مصطلحاً مرادفاً لكلمة عربي، وعليه التقط المجتمع الدولي هذين المصطلحين بدون فهم ودراية وربط القضية بما يدور في الجنوب وأعتبره صراع عرب وأفارقة مما أجج الصراع في الإقليم.
الحركات حاربت الحكومة وليس العرب
بينما أكد إسحاق أن تكرار سيناريو الهجوم من القبائل العربية على القبائل الأفريقية أعطى الأخيرة إشارة بأن الحكومة تتعمد التماطل وأن العلة في الحكومة وليس العرب، فقرروا الدخول في حرب مع الحكومة وليس مع القبائل العربية. ولذا جمعوا أنفسهم وهجموا على مركز شرطة منطقة(قولو (في جبل مرة. وشكل الهجوم نواة لحركة مسلحة ضد الحكومة التي توالت عليها الهزائم. فشعرت الحركة المسلحة بأنها حركة قوية وكبيرة. وقررت الحكومة، بالاتفاق مع الحكومة التشادية، القضاء على معارضي النظامين في السودان وتشاد، وأعلن البشير قرار القضاء على الحركات المسلحة، إلا الحركات المسلحة وجهت الضربة للنظام قبل القضاء عليها، فدخلت الحركات الفاشر وضربت المطار. وعندئذ قررت الإنقاذ محاربة الحركات من بني جنسهم وحرضت بعض القبائل العربية بدعوى أن القبائل الأفريقية تريد الاستيلاء على أراضيهم، وأشاعت الحكومة كل ما يشحن المجموعتين العربية والأفريقية (قريش ون– قريش تو-) سيطرة الأفارقة على الإقليم وقامت بتسليح مجموعتي موسى هلال وحميدتي لضرب أبناء دارفور من العنصر الأفريقي إلا أن الصراع لم يكن بين العرب والزرقة بل بين الحكومة وأبناء دارفور.
التيار

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.