الخروج من القُمقُم: السودان وجدل العقوبات (3-3)

عمر قمر الدين إسماعيل

تمهيد:

لا بد من الاعتراف بان القليل جداً من الموضوعات المتعلقة بسياسات الدول قد لاقت رواجاً في الآونة الأخيرة مثلما لاقت العقوبات الأحادية الأميركية علي دول بعينها، من بينها السودان. فقد ذهب العارفون والمحللون الي البحث في اثار وتأثير العقوبات على الدولة والسياسة دون إمعان النظر في العقوبات نفسه و وضعها تحت مِبضَعِ التفنيد. ولذلك سنحاول هنا تقعيد أمر العقوبات في مِنصَّةٍ فنية، لننطلق من ثمَّ في توصيف معرفي لماهيتها و موقعها في اتخاذ القرار، و صلة كل ذلك بما نحن عليه الآن في السودان. فبعد تراكم أرتال من العقوبات، وُضِع السودانُ في قائمة الدول الراعية للإرهاب، وأضافت الولايات المتحدة الأمريكية عقوباتٍ اقتصاديةً أخري علي السودان اشتملت علي “عقوبات مالية علاوة علي حرمان السودان من الاستفادة المادية من التجارة و الاستثما

ر، بما فيها الاستثمار في قطاع النفط السوداني” كما ورد في إعلان السيدة مادلين أولبرايت، وزير الخارجية الأمريكية في نوفمبر من العام 1977

للأطلاع على الجزء الأول من السلسلة فضلاً اضغط هنا

أما الجزء الثاني فيمكن الوصول إليه بالضغط هنا

كيف تعامل السودان مع العقوبات؟:
في عهد الحكومات السابقةِ للإنقاذ، تعاملت الحكومات مع الهزات الدبلوماسية بقليل من التروِّي، وكثير من سعةِ ألافق. ساعد علي ذلك التوازن النفسي للقادة، و الاحترافية العالية في القطاع الدبلوماسي، علاوةً علي احترام السودان في الأوساط الدولية لدرجة لا تسمح بالخروج عن اللائق و المألوف في التعامل معه. ولكن عهد الإنقاذ قد شهد تدهوراً في كل شيء، و أزمات في كل مرفق، و في توالٍ جعل من الصعب علي القادة التعامل مع الأمور بكياسةٍ و ترتيب مطلوب. فمنذ ان تسنَّم العميد عمر البشير السلطة في السودان بانقلابٍ عسكري، وُوجِهَت حكومَتُه بتحديها العالمي الأول حين فرضت الولايات المتحدةُ عليها حظرا نتيجة انقلابها علي حكومةٍ منتخبة، بالرغم من تحفظات الولايات المتحدة علي حكومة الصادق المهدى لتقاربها غير المريح مع ليبيا القذافي و سلطة آيات الله في ايران. وهكذا و منذ يفاعتها في السلطة، بدأت حكومة الإنقاذ في مواجهة قوةٍ عظمي، في وقتٍ كانت فيه شعارات الإنقاذ المرفوعة علي أسِنَّةِ الرماح لا تتيح لها النظر الي الأمور بالموضوعية المطلوبة. ولما كان القانون 513 المُشَارُ اليه أعلاه يحظر منح المعونات غير الإنسانية للبلاد الواقعة تحت طائله، كان رد فعل حكومة الإنقاذ المزيد من الصخب و الشعارات الجوفاء من مثل ” نأكل مما نزرع” و غيرها من الهتافات العبثية. فشعار الاعتماد علي النفس لا بد ان يسنده تخطيط واعٍ، و تنفيذٌ متقن بدلاً عن التجييش السياسي و الرعونة الإيديولوجية. و في مغامرةٍ أتت أُكْلَها اضعافاً مضاعفة، توجهت الإنقاذ صوب الشرق و عهدت باستخراج بترولها للصين حين حرمتها العقوبات الأمريكية من الاستفادة من تكنولوجيا الغرب في استخراج النفط. فمراحل التنقيب والجدوي الاقتصادية قد سبقت ذلك بسنين حين عملت شركة شيفرون الأمريكية لسنين في السودان، و لكن مع زيادة تكلفة العمل مع استعار حرب الجنوب، فضلاً عن عدم استقرار السودان، خرجت شيفرون من البلاد و باعت أصولها السودانيين. و مع تدفق عائدات النفط الهائلة، ظن نظام الإنقاذ انه قد خرج، و للأبد، من سيطرة الغرب و وصايته، و عندما تزيد الولايات المتحدة من جرعات العقوبات، علي النحو الذي فصلنا هنا، ترد الإنقاذ علي لسان الرئيس البشير علي تلك العقوبات بعباراتٍ نَعفٌّ عن تكرارها هنا، و لكنها تعبر عن الحالة الذهنية للنظام تجاه تلك العقوبات. و في محاولةٍ للابتعاد اكثر من سيطرة الولايات المتحدة، قرر السودان الابتعاد عن الدولار و التعامل بسلَّةٍ من العملات تعتمد علي اليورو و عملات أخري من بينها أليوان الصيني، باعتبار ان الصين هي المستثمر الأكبر في قطاع النفط. ولكن حظ السودان العاثر قد هداه الي التعامل باليورو في التوقيت الخطأ كما افاد بذلك الخبير الاقتصادي الدولي الدكتور تيجاني الطيب في لقاء صحفي (جريدة الصحافة، 21 أكتوبر 2010). فكما ذكر سيادته، ان التعامل باليورو يتم في مساحة محدودة بينما 67% من احتياطات العالم محفوظةٌ بالدولار، وقد اتجه السودان للتعامل باليورو في وقتٍ شهِدَ فيه ارتفاعاً مما ادي لان يستورد السودان التضخم منه. و هكذا زاد سعر صرف الدولار محلياً، رغم انخفاضه عالمياً، كما افاد الدكتور الطيب في نفس اللقاء المذكور، ليدفع المواطن عبء الفاتورتين. و هكذا نجد ان الاندفاع في التعامل مع قضايا كالعقوبات قد أحدث ضرراً بليغاً بالاقتصاد، و أن التعاطي مع الأمور الاقتصادية من منظور سياسي قد ادي للخسارة في المجالين.
في غمرة النشوة الحكومية باستغلال النفط، لم يهمل نظام الإنقاذ القطاعات المنتجة في الاقتصاد السوداني وحسب، بل تعدى الأمر مجرد الإهمال الي محاولة التخلص من بعض المؤسسات بدعاوي الخصخصة، و التي طالت العديد من المؤسسات التي لا زالت تعمل بكفاءة، و ذلك ببيع أصولها أو تمليكها للمحاسيب. ف “بالرغم من ارتفاع نمو الاقتصاد كنتيجة لدخول قطاع النفط كرافد للاقتصاد الوطني و للاستثمارات و الأنشطة الاقتصادية المرتبطة … الا ان سوء تخصيص الريع النفطي و تسارع التضخم و المغالاة في سعر الصرف الحقيقي قد جعل هذا النمو نمواً جيبياً … أدي الي نتائج محدودة بل وسلبية، و ذلك بسبب تلازم هذا النمو الجيبي الريعي مع التشوهات التي ألمَّت بالاقتصاد السوداني خلال الحقبة النفطية، و أفرزت تحولات هيكلية سلبية أضعفت مساهمة القطاعات غير الريعية في الاقتصاد” كما أفاد بذلك الخبير الاقتصادي الدولي الدكتور إبراهيم البدوي “السودان وأزمة الاقتصاد والتنمية، ديسمبر 2015″و قد تضخم الإنفاق الحكومي بشكل يدعو للشفقة و أصبح شراء الولاء امراً لازماً، و تماهي الحزب في الدولة بدرجةٍ كبيرة. وقد نسي النظام أو تناسي تنامي رغبة مواطني جنوب السودان في الانفصال، ما يهدد بذهاب معظم مناطق انتاج النفط. و قد شهدت هذه الفترة تنامي الاقتصاد الطفيلي و ظهور الأثرياء الجدد و الذين يرضعون من ثدى الدولة الحلوب. وقد ضرب الفساد اطنابه بدعاوي التجنيب حيث ظهرت لأول مرة في تاريخ السودان الحديث الخزائن التي امتلأت بالنقد و تكديسه خارج النظام المصرفي في بلد بها ما يربو علي الثلاثين مصرف مع اعداد هائلة من الفروع بطول البلاد و عرضها. و علي سبيل المقارنة، نجد ان النقد الذي قد تراكم خارج النظام المصرفي باسم التجنيب قد بلغ ما يربو علي 25 ملياراً من الجنيهات، ما يعادل أكثر من نصف إيرادات الدولة المتوقعة للعام 2014 (المجهر السياسي، 10 فبراير 2014). و بعد انفصال جنوب السودان و ذهاب ما يربو علي ال 70% من عائدات النفط حسب اكثر الإحصاءات شيوعاً، واصل نظام الإنقاذ تخديره الممجوج للشعب السوداني بان الاقتصاد السوداني لا يزال بخير في حين انهم كانوا علي علم بالسحب الداكنة التي تتجمع فوق سماء البلاد. و في محاولات لردم الهوة التي خلقتها تداعيات الانفصال، تفتق ذهن الإنقاذ العبقري عن التركيز علي إعفاء ديون السودان المتراكمة كعربون علي موافقتهم علي ذهاب الجنوب إضافةً الي مطالبات أخري للمجتمع الدولي لا تعدو ان تكون الا ضرباً من التفكير الرغائبي و السراب الخُلَّب. فقد جندت الإنقاذ كل من تستطيع من ما بقي لها من رصيد دبلوماسي و علاقات جيدة، علي قلتها، لإقناع الولايات المتحدة بالمساعدة في إعفاء الديون. و كان رد أمريكا صادماً بان ليس لديها ديون علي السودان لتعفيها و ان النذر القليل الذى تقدمه للسودان هو في شكل هباتٍ صغيرة و معونات انسانيةٍ محدودة. و نصحت السودان بان تعالج الأمر مع اكبر دائنيها و هي “إخواتها” من الدول العربية و “حليفتها” الصين. و بعد تخبط و توهان، ادرك نظام الإنقاذ ان اعفاء الديون يمر مرةً أخري عبر البوابة الأمريكية لان من عقباتها الكأْداء، وضع السودان في قائمةِ الدول الراعية للإرهاب، و هي من العقوبات التي لا تشملها تلك المجمدة حالياً، و ليست موضوع نقاشٍ الان بين حكومتي الولايات المتحدة و السودان. ومما يزيد الأمر تعقيداً اكبر، ان وضع السودان في هذه القائمة قد يشكل إحدى معارك السودان القادمة مع الكونغرس الامريكي والذي سيراقب عن كثب قرار الحكومة الأمريكية حول رفع العقوبات والذي ربما ادي الي تعنت الكونغرس في الموافقة علي رفع اسم السودان من هذه القائمة و التي تمثل إحدي روافع الكونغرس المحدودة و التي سيعض عليها بالنواجذ. و دون الدخول في تفصيلات فنية حول اعفاء الديون و دور المؤسسات كصندوق النقد الدولي و نادي باريس، يمكننا القول ان امام السودان حواجز ضخمة يحتاج جهداً مضاعفاً لاجتيازها.
ثم ماذا بعد؟؟
قررت إدارة الرئيس اوباما قبل مغادرتها البيت الأبيض ان تدخل في حوارٍ مع السودان عله يُفضى الي تشبيكٍ تُستَكمَل اركانه خلال ولاية هيلاري كلينتون و التي كانت ستكون امتداداً لولايتي اوباما حسب ما خطط له الاستراتيجيون الديموقراطيون. و كلنا يعرف انه بفوز ترامب أصبحت الأمور علي خلافِ ما خطط فريق اوباما و هيلاري. الان القلم في يد الرئيس ترامب ليقرر ما اذا كان سيرفع هذه الحزمة من العقوبات عن السودان أم لا. فقد رجح عديد المراقبين في واشنطن ان يوصي كبار الموظفين المسئولين عن الملف برفع العقوبات عن السودان. فربما يتم اجتماع بين كبار الموظفين الممسكين بملفات المسارات الخمس في بحر هذا الأسبوع في اجراءٍ شكلي، يرفعون بعده تقريراً لريكس تيليرسون و الذي بدوره سيرفعه للرئيس ترامب، مشفوعاً بتوصيته كمسئول الدبلوماسية الأول. و قد رجَّحت أوساط في واشنطون ان القرار اذا كان موجباً فلربما يتم الاعلانُ عنه قبل المدة القصوى في 12 أكتوبر. و هناك الان مشاورات تجري و اجتماعات تُعقَد في كلٍ من واشنطون و نيويورك، حيث تنتقل حكومة ترامب الان و ذلك لأهمية انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث يلتقي الرئيس قادة العالم المشاركين في القمة وقد ذهب البعض في واشنطن الي التكهن بانه ربما اعلن ترامب قراره من نيويورك حال انفضاض القمة و قبل التوجه الي واشنطون.
لقد تقادم العهد بالانقاذ قبل ان تجد نفسها في صفحات الأخبار الاولي وفي صدر نشرات أخبار الوكالات و الفضائيات العالمية الا من أخبار الحروب و المآسي التي اجترحتها علي البلاد و العباد. و لذلك فقد خلقت زخماً اعلامياً و ضجيجاً فاقم من توقعات السودانيين بقرب رفع العقوبات، بمثل ما صرح مسئوليها في يناير الماضي إبان تجميدها بان السودان سيري تقدماً ملحوظاً و انتعاشاً بعد أسبوع من رفع العقوبات. مثل هذه التصريحات هي التي سوف تسقط ورقة التوت عن الإنقاذ و سوف يدرك الجزء من الشعب الذي تم استغفاله بان كل أدواء السودان و معاناته من عمل العقوبات، سوف يدرك ان النظام و طاقم الحكم في السودان هم اس البلاء. سيدرك السودانيون الذين اصطفوا – مخلصين ـ الي جانب النظام في معركته ” العادلة ضد دول الهيمنة و الاستكبار” ان السوس الذي نخر عظم البلاد و تركها نهباً للاطماع انما هو سوس الإنقاذ. فقد كانت شماعة الإنقاذ في بدايةِ عهدها ان الابتلاءات هي قدرنا طالما بعدنا عن تعاليم ديننا الحنيف، و لما اكتملت أسلمة المجتمع و تطهَّر من آثام الكفر بانفصال الجنوب، صارت الشماعة ان الاله الرحيم اذا احب احداً ابتلاه، و بعدها أتينا الي مرحلة البلاء بتسليط المتكبرين علينا لأننا أمةٌ رساليّة و هم يودون تركيعنا…… و يتواصل مسلسل التضليل. و الان نحن في انتظار الفرج بقرار من رئيس دولة الهيمنة بعد ان انتظرنا كالتلاميذ الصغار نتيجة الامتحان في “الأفعال الخمسة”. و قد بدأت وفود التجار و أصحاب الأعمال بالتوافد علي الولايات المتحدة لعقد صفقات بها يزدادون غنيً، بينما الشعب الذي تم تجييشهُ لاستصدار عطفِ العالم، سيظل يسأل و يلح في السؤال عن مصير البلاد بعد ان تم رفع العقوبات الأمريكية.

darboshig@outlook.com

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.