ألون بن مئيـــــــــــــــــــر:على الولايات المتحدة قبول كوريا الشمالية كقوة نووية

على الرغم من أن الرئيس ترامب ليس مسؤولا عن فشل الولايات المتحدة الكامل في وقف كوريا الشمالية من أن تصبح قوة نووية، فإن تهديداته الشديدة الميّالة للقتال ضد كوريا الشمالية وتسريع برامج الصواريخ والأسلحة النووية من قبل بيونغ يانغ أدت إلى زيادة التوتر الإقليمي بشكل خطير. إن رسائل التحذير الناشئة عن البيت الأبيض وعدم التنسيق مع وزارة الدفاع وعدم وجود دبلوماسية فعالة تشير إلى انعدام تام لاستراتيجية متماسكة للتعامل مع كوريا الشمالية. لقد آن الأوان لأن تقبل الولايات المتحدة حقيقة أن كوريا الشمالية أصبحت قوة نووية. بات وقوع هجوم عسكري واسع النطاق على منشآتها النووية وشيكا ً جدّا ً، وهو أمر لا يمكن تصوره في الواقع، ولكن ليس هناك أية جهود دبلوماسية أو حوافز قد تجبر بيونغ يانغ على التخلي

عن ترسانتها النووية كما أثبت ذلك تاريخ الصراع.

وبدلا من ذلك، يجب على الولايات المتحدة الآن التركيز على الوسائل الدبلوماسية لمنع كوريا الشمالية من إكمال تطوير رؤوس حربية نووية صغيرة قابلة للحمل على صواريخ باليستيّة عابرة للقارات من شأنها أن تضع الولايات المتحدة وحلفائها في خطر غير مقبول. وهذا يجب أن يكون الخط الأحمر الذي لن يُسمح للنظام في كوريا الشمالية بتجاوزه، وقد يكون هذا التنازل الوحيد الذي سيكون قادة كوريا الشمالية على استعداد ٍ للقيام به مقابل عدة تنازلات – وخاصة الإحتفاظ بأسلحتهم النووية.

إن الإفتقار لوجود استراتيجية شاملة للتعامل مع التهديد الكوري الشمالي قد ظهر بشكل محزن في تصريح ترامب المتهوّر الذي قال فيه: “من الأفضل لكوريا الشمالية ألا تقوم بأي تهديدات أخرى للولايات المتحدة، فسوف تقابل هذه بنار ٍ وغضبٍ لم يشهده العالم قط “، أوتغريدته التي تلت ذلك وقال فيها أن” الحلول العسكرية أصبحت الآن في مكانها تماما، مقفلة ومحملة، في حالة تصرف كوريا الشمالية بشكل غير معقول. نأمل أن يجد كيم جونغ أون مساراً آخر! “

وصبّ وزير الدفاع ماتيس وقودا ًعلى النار عندما قال إن “أي تهديد [من طرف كوريا الشمالية] للولايات المتحدة او اراضيها، بما في ذلك جزيرة غوام، أو لحلفائنا، سيواجه برد عسكري واسع النطاق… بردّ فعّال وساحق”. ولكن لم تردع أيّ من هذه التهديدات كوريا الشمالية. على العكس من ذلك، ردت بإطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات يمكن أن يصل نظريا إلى الولايات المتحدة ثمّ ينفجر بقوّة يُعتقد أنها قنبلة هيدروجينية أقوى مئات المرات من القنبلة النووية التي أسقطت على هيروشيما، اليابان.

وللأسباب التالية، خلصت بيونغ يانغ إلى أن الولايات المتحدة لن تذهب إلى الحرب بسبب برنامجها النووي لأنّ آثارها وخيمة، وهذا ما تردّد أيضا على لسان العديد من كبار المسؤولين الأمريكيين.

لا تقتصر مخاوف الإدارة على الدمار المروع الذى ستلحقه مثل هذه الحرب بحلفاء الولايات المتحدة، وخاصة كوريا الجنوبية واليابان، ولكن زعزعة الإستقرار التي ستنذر بالشؤم على جنوب شرق آسيا مما سيضع الصين والولايات المتحدة فى مسار تصادم، هذا إلى جانب تطورات أخرى رهيبة.

لقد اختارت الولايات المتحدة عدم نشر قوات بحرية وجوية اضافية تابعة للقوات الحالية المتمركزة فى المنطقة مما أثار شكوكا جادة فى ذهن بيونغ يانغ حول مصداقية الولايات المتحدة فى استخدام القوة. بدلا من ذلك، دفعت إدارة ترامب لعقوبات إضافية كان يتوقعها قادة كوريا الشمالية الذين تمكنوا من العيش في ظلها لعقود ٍ طويلة من الزمن.

وعلى الرغم من الضغوط الأمريكية، كانت الصين ولا تزال غير راغبة في إجبار كوريا الشمالية على التخلي عن برنامجها النووي. الصين يمكن أن تعيش مع كوريا شمالية نووية؛ فهي لا تريد أن ترى انهيار نظام كوريا الشمالية خشية من موجات اللاجئين، كما ولا تريد زيادة الوجود العسكري الأمريكي في محيطها.

وعلاوة على ذلك، وخلافا للإعتقاد الأمريكي، فإن نفوذ الصين على بيونغ يانغ محدود، مدركة ً أن قادة كوريا الشمالية سوف يلتزمون برغباتها فقط حتى نقطة معيّنة. وعلى أية حال، فإنهم سيكونون على هبة الإستعداد لحماية أسلحتهم النووية لأنهم يعتقدون أن بقاءهم يعتمد على حيازة مثل هذه الأسلحة – ولن يضعوها أبدا على طاولة المفاوضات.

وتعلم كوريا الشمالية أيضا أن كوريا الجنوبية لا تريد أي صراع عسكري لأنها ستكون الخاسر الأكبر. لقد أبدى نظام كوريا الجنوبية مرارا وتكرارا استعداده للتفاوض حتى في خضم التبادل العنيف للتهديدات بين واشنطن وبيونغ يانغ، الأمر الذي أمعض ترامب.

وخلافا للرأي الذي عبر عنه السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، نيكي هالي، الذي صرح بأن كيم جونغ أون “يتسول من أجل الحرب”، فهو ليس كذلك. إنه يعلم بأن الولايات المتحدة لن تسرع للحرب ما لم يهاجم هو الولايات المتحدة أو أية أراضي لحلفاءها، وهو أمر ٌ لا يتخيّله مدركا ً بأن بلاده قد تُمحى من الضربات الإنتقامية الأمريكية الضخمة.

وأخيرا، فإن إنذار ترامب بأن “الولايات المتحدة تأخذ بعين الإعتبار، بالإضافة إلى خيارات أخرى، وقف جميع أشكال التجارة مع أية دولة تقوم بأعمال تجارية مع كوريا الشمالية” سيكون من المستحيل تنفيذه، وخاصة مع الصين التي تصل تجارتها مع الولايات المتحدة إلى مئات من مليارات الدولارات. وعلى أية حال، فإن ذلك سيؤدي إلى نتائج عكسية لأن الولايات المتحدة تحتاج إلى دعم الصين في التعامل مع كوريا الشمالية.

ولمنع المزيد من تصعيد الصراع، على الولايات المتحدة أن تقبل في نهاية المطاف بالواقع الجديد وهو وجود كوريا شماليّة نوويّة، تماما كما قبلت بوجود كل من الهند وباكستان كقوة نووية، الأمر الذي خلق رادعا متبادلا ووضع حدا للحروب التقليدية بين البلدين.

والواقع أن التهديد الحقيقي الذي تتعرض له الولايات المتحدة وحلفاؤها لا ينبع من امتلاك كوريا الشمالية لترسانة نووية، بل من تطوير ونشر صواريخ باليستية عابرة للقارات قادرة على حمل رؤوسا نووية مصغرة يمكن أن تصل ليس فقط إلى حلفاء الولايات المتحدة ، ولكن البر الرئيسي للولايات المتحدة نفسها. ولإزالة هذا التهديد، يجب على الولايات المتحدة أن تتفاوض مباشرة مع كوريا الشمالية وتتوصل معها إلى اتفاق من شأنه أن يجمد المزيد من تطوير هذه التكنولوجيا، وهو ما ستدعمه الصين بالتأكيد.

قد توافق كوريا الشمالية على هذا الطلب من خلال المفاوضات، إذ لا يزال بإمكانها أن تدعي بأنها قوة نووية وأن تحظى باعتراف واحترام المجتمع الدولي الذي تسعى إليه بشدّة.

وفي المقابل، ستطالب كوريا الشمالية الولايات المتحدة بإنهاء سياستها الحربية التي كانت قائمة منذ نهاية الحرب الكورية؛ وأن تلتزم الولايات المتحدة بعدم السعي لتغيير النظام الذي كان ولا يزال هو الدافع الرئيسي وراء سعي زعامة كوريا الشمالية للحصول على درع نووي؛ وأن تنهي الولايات المتحدة مناوراتها الحربيّة مع كوريا الجنوبية وتزيل العقوبات تدريجيا.

إن رفع العقوبات أمر بالغ الأهمية للتخفيف من حدة الأزمة الإنسانية التي يعاني منها 25 مليون كوري شمالي، ولا سيما النساء والأطفال منذ ما يقرب من سبعة عقود. وعلى الرغم من أن المساعدات الإنسانية مُستثنى من العقوبات الدبلوماسية، فإن أكثر من 10 ملايين مواطن يعانون من نقص التغذية ومن انعدام الأمن الغذائي المزمن، وهو ما يتجاهله المجتمع الدولي أو ينساه بشكل مأساوي.

واستنادا إلى الشروط المذكورة أعلاه، سيتعين على كوريا الشمالية أن تمتثل امتثالا تاما لكل نصّ من أحكام الإتفاق، وأن تعود للإنضمام إلى معاهدة عدم إنتشار الأسلحة النوويّة، وأن تلتزم بقواعد ومتطلبات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولا سيما فيما يتعلق بتحديد مواقع المراقبين وعمليات التفتيش الصارمة لضمان الإمتثال الكامل للإتفاقية.

وبالنظر إلى تجربة الإدارات الأمركية المتعاقبة السابقة مع كوريا الشمالية التي حاولت كل نهج يمكن تصوره لإنهاء البرنامج النووي لكوريا الشمالية، بما في ذلك العقوبات والمفاوضات والتهديدات العسكرية والعزلة، لم ينجح أي منها لأن بيونغ يانغ عازمة على عدم تسليم أسلحتها النووية وتكون عرضة لتغيير النظام.

يجب علينا أن نقبل الآن حقيقة أن كوريا الشمالية قوة نووية وأن نعتمد على الردع النووي وفي نفس الوقت يكون العمل جار ٍ في تطبيع العلاقات. وأي شيء آخر هو محض تمنّي أو رغبات وكيم جونغ أون يعرف ذلك جيّدا ً.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.