وشرّ البلية ما يضحك!

عثمان ميرغني

قيل، وقرأت في بعض الصحف أن تلفزيون السودان فشل في تقديم نشرة العاشرة بسبب أعطال فنية، ثم فشل مرة أخرى في تقديم نشرة الرابعة لذات الأعطال الفنية.. بصراحة ليس عيباً أن تتعطل الأجهزة في أي مكان وزمان، بل وربما يسجل في (ميزان حسنات) التلفزيون أن مجرد عطل ولمرة واحدة في نشرة الأخبار يصبح خبراً تتداوله الصحف.. فهذا معدل أداء رفيع بحكم التقديرات الهندسية.. ولكن!.

يستحق جائزة (المشاهد الصابر) من اكتشف أن النشرة لم تقدم، كيف حدث هذا؟، أقصد اكتشاف غياب النشرة!.

سأخذ نفسي مثالاً.. رغم أنني أتفرج ساعات معتبرة يوميا على الفضائيات.. ورغم أنني أحتفظ بتلفزيون السودان في قائمة القنوات المفضلة لزوم العثور عليها بسرعة.. إلا أنني لا أذكر آخر مرة شاهدت فيها شاشة تلفزيون السودان، ولو بالخطأ.. ولا أتابع أي برنامج ولا حتى النشرات الإخبارية.. والسبب معروف- طبعاً- لمن ألقى السمع، وهو شهيد.


الإذاعة والتلفزيون الحكوميان، هما من أهم وأقدم وأعرق الوسائط الإعلامية، ويحقّ للسودان أن يفتخر أن عمر الإذاعة الآن قفز فوق الـ (77) عاماً.. ودخل التلفزيون إلى سماء الخرطوم قبل أن تسمع به دول كثيرة (في العام 1963).. ولدينا أسماء إعلامية رنانة حتى على المستوى الدولي.. وأستطيع أن أقول بكل فخر إن الإذاعة (أولاً)، والتلفزيون (ثانياً) لعبا دورا رفيعاً في ربط ووحدة البلاد، وكل الإنتاج الإبداعي في الفن يعود الفضل فيه إليهما.

لكن في المقابل، منذ عرف السودان الجهازين لم يكونا- أبدا- موطن الثقة ومصداقية الخبر والمعلومة.. فهما وبسبب ارتباطهما الوظيفي بالحكومة غارقين في تضليل الشعب خاصة في القضايا، التي تتناقض فيها مصلحة الحكومة مع صدق الخبر والمعلومة.

وبهذا الفهم؛ فإن غياب نشرة التلفزيون أو حضورها لا يهم إلا السادة الوزراء والمسؤولون الذين تجري من خلفهم الكاميرات، ثم ينتظرون على أحر من الجمر متعة الفرجة على أنفسهم في نشرة الأخبار.

ومفهوم لكوادر التلفزيون هذه الوظيفة– الإعلامية- ولذا فهم حريصون على تركيز الصورة على المسؤول وهو يزور المشروعات أكثر من تفاصيل المشروع.. بل وفي أحيان كثيرة يسافر التلفزيون إلى أقصى بقعة في البلاد؛ لينقل لنا صورة المسؤول وهو يخطب في افتتاح مشروع.. وينتهي الخبر ولا يرى المشاهد لقطة واحدة من المشروع.

موظفو الحكومة في الإذاعة والتلفزيون لا يجدون حرجا في الإقرار بأنهم وبحكم وظائفهم غير معنيين بالحصول على (ثقة) المشاهد في مقابل (رضاء) المسؤولين.. فتكون النتيجة النهائية حشفاً وسوء كيل.. يقتلون الرسالة الإعلامية للجهازين قتلا، وقبلها يهدرون المال هدراً.. الذي هو مال الشعب الفقير فقرا.

نشرات الأخبار في الإذاعة والتلفزيون تصلح دروساً لطلاب كليات الإعلام تحت عنوان (الإعلام الفاشل)!.

والمصيبة أنه فشل مدفوع القيمة.. من حرّ مال فقر شعبنا المدقع.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.