سجن “أمل هباني”!

عثمان ميرغني

زمان عندما كنا طلاباً في مصر أذكر في مباراة لكرة القدم في غاية الحساسية بين فريقي القمة الأهلي والزمالك- إن لم تخنِ الذاكرة- بعد خمس دقائق من بداية المباراة والملعب متوتر وملتهب أطلق الحكم صافرته، وأخرج من جيبه البطاقة الصفراء، وتحرك في اتجاه لاعب الأهلي.. لكن كانت مفاجأة كبرى عندما اقترب الحكم من اللاعب تحول بسرعة إلى لاعب آخر لا علاقة له بالمخالفة إطلاقاً، وأشهر في وجهه البطاقة الصفراء.. في اليوم التالي أجمعت تعليقات الصحف على أن الحكم تصرف بمنتهى الحكمة، فعندما أخرج البطاقة الصفراء، واقترب من اللاعب صاحب المخالفة انتبه الحكم إلى أنه حاصل على بطاقة صفراء أخرى قبل قليل، فتصبح هذه البطاقة الثانية “حمراء” تلقائياً، وبما أن المباراة حساسة بدرجة لا تحتمل طرد لاعب مهم من أول خمس دقائق ففضل الحكم– لإنقاذ الموقف- أن يلقي بالبطاقة الصفراء على رأس أقرب لاعب آخر، وإن لم تكن له علاقة إطلاقاً بالمخالفة.. بعبارة أخرى.. الحَكَم بدل (الحُكم) استخدم (الحكمة).
أمس- خرجت الأستاذة أمل هباني بعد يوم واحد أمضته في سجن النساء بأم درمان، ودفعت غرامة فرضها حكم قضائي صدر ضدها.


الشكوى تقدم بها رجل من منسوبي جهاز الأمن والمخابرات الوطني، نظرتها المحكمة في عدة جلسات، ثم خلصت إلى الحُكم.
مع الاقرار بأن التحاكم إلى القضاء العادي يكفله الدستور، وأن الوسيلة الوحيدة للاعتراض على قرار المحكمة بالاستئناف للدرجة الأعلى فالأعلى.. ومع ذلك.. تنتصب (لكن) كبيرة!.
“الصورة الذهنية” لأي مؤسسة عامة قاصمة للظهر إن تعرضت إلى الخلل.. كما إن بناءها أمر بالغ التعقيد والتكلفة.. ولهذا تجتهد المؤسسات العامة في أي دولة على الاحتراز كثيراً لما يمكن أن يمس “الصورة الذهنية” حتى ولو كان عبر السلوك الفردي خارج أوقات العمل.

فيبقى السؤال.. على كاهل مَن يقع عبء الانتباه إلى أن (الحِكمة) تقتضي تجنب الإجراءات التي تضرب مباشرة في “الصورة الذهنية” Corporate image للمؤسسة.

جهاز الأمن والمخابرات الوطني، ولحساسية دوره يبذل جهداً كبيراً في ترفيع “الصورة الذهنية”؛ بتطوير علاقاته مع قطاعات مجتمعية كثيرة ومؤثرة.. بل وبرعاية بعض النشاطات التي تدعم “الصورة الذهنية”، مثل دعمه للفرق الرياضية، وتبني بعضها.

وقبل أشهر قليلة تكبد الجهاز مشاق جولة واسعة في أرجاء البلاد، شملت زيارات رموز وفئات مجتمعية مهمة، مستهدفاً ترقية التفاعل الشعبي.. وكلها أعمال باهظة التكاليف من ناحية الوقت، والجهد، والمال.

لكن كل هذا الجهد الكبير تكفي حادثة واحدة مثل مبيت أمل في سجن النساء لتزهقه- تماماً-، مهما كان المنطق الموضوعي الذي يسند حيثيات الإجراء القضائي من مرحلة الشكوى إلى لحظة النطق بالحكم.. فتتحول العقوبة من غرامة تدفعها أمل إلى خسارة باهظة يدفعها الشعب السوداني كله؛ بما يصيب “الصورة الذهنية” لواحد من أكثر مؤسسات الدولة حساسية، وأهمية.

التيار

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.