جريمة.. مع سبق الإصرار!!

عثمان ميرغني

نهار أمس الأول، دعتنا مجموعة “ميديا نت” وشركة “أوماب للأنشطة المتعددة” لجلسة حوار مع رجال أعمال أمريكيين، على ظهر باخرة ورحلة نيلية قصيرة..

رجلا الأعمال الأمريكيين كانا في تشوق شديد لرؤية ملتقى النيلين.. وكان أحدهما يردد أنها لحظة تاريخية أن يرى بنفسه الموقع الذي يقترن فيه النيلان الأزرق والأبيض، وفعلاً سارت الرحلة هادئة إلى أن عبرنا أمام القصر الجمهوري، ثم أمام قاعة الصداقة على الناحية الجنوبية من جزيرة توتي.. وبدا كما لو أننا على بُعد حوالي كيلومتر واحد من الملتقى الساحر للنيلين، فجأة استدار ربان الباخرة عائداً.. كانت حسرة الضيفين الأمريكيين كبيرة للغاية وهما يستمعان للعذر المخيب للآمال.. المنطقة تعرضت لردم متواصل مما جعل العمق ينحسر ولا يتعدى متراً وثمانين سنتمتراً فقط.. فأصبحت المنطقة غير قابلة للملاحة النهرية..


حسب ربان الباخرة هذا الوضع مضى عليه ثلاث سنوات.. ولم تتحرك جهة للتعامل معه أو حتى لمحاولة معرفة تداعياته..

رجل الأعمال الأمريكي قال في حسرة (أعجب لبلد يملك أروع موقع.. ملتقى النيلين.. ولا يستطيع السواح الوصول إليه)..

حسرة الأمريكي في الحال جلبت إلى ذاكرتي ما سمعته من الدكتور جعفر ميرغني منذ بدأت فكرة إنشاء الطريق الذي يربط كوبري المك نمر حتى كوبري توتي.. ويمتد داخل النيل الأزرق مُحاذياً لضفته اليسرى.. وكان جعفر ميرغني يرى في ذلك خطأً فنياً جسيماً.. لأن أعمدة الكوبري داخل النيل ستؤدي لعملية ردم متواصل للنيل بين “توتي” والضفة اليسرى.. ولن تكون “توتي” بعدها جزيرة، بل ستصبح امتداداً برياً مُتواصلاً مع الخرطوم..

الآن يبدو أن نبوءة د. جعفر ميرغني تتحقّق وبأسرع مما نتصوّر.. فقد التقطت بالكاميراً صوراً من داخل النيل لامتداد شارع النيل الجديد الذي يمتد فوق أعمدة تخوض في عمق النيل.. ولاحظت أنّ مسار النيل بدأ يضيق بالردم المتواصل على حافته اليسرى، فَضْلاً عن فقدانه لعُمقه الذي قد يُحوِّله إلى مجرد “جدول” صغير” قبل أن يتلاشى تماماً..

قد يكون عاراً أن نملك أروع المواقع السياحية ولا نحس بقيمتها ونهملها.. لكن العار الأكبر.. أن نهدم بأيدينا جَمَالاً لطبيعة الموروث من آلاف السنوات.. النيل النبيل الذي وهبنا له الله ها نحن نُدمِّره بالمُنشآت العمرانية غير المدروسة.. بالله عليكم انظروا ما فعله (المُستعمر) البريطاني ليحافظ على جَمَال النيل.. وانظروا لما فعله (المُستدمر) السوداني ليقضي على هبة الطبيعة الحسناء..

على كل حال، يا سكان “توتي” الخضراء.. (كلها كم سنة) ولن تحتاجوا للعبور فوق “كوبري توتي”.. لأنه لن يكون هناك نيل في هذه المنطقة!!

وا أسفاي..!! على بلد نبكي عليه كالنساء، حين لم نصنه كالرجال..

التيار

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.