جنوب كردفان والنيل الأزرق على خطى الجنوب

شريف ذهب
بخلاف الآخرين لم أتفاجأ بما آلت إليها الأوضاع داخل الحركة الشعبية شمال بحسبانها نتيجة حتمية لنهج التخبط “ليس داخل الحركة الشعبية” وإنما كحصاد للسلوك الجمعي للقوى السياسية السودانية منذ فجر الاستقلال إلى يومنا هذا وبصورة أكثر تحديداً منذ صبيحة الانقلاب المشئوم في30يونيو 1989م.
وإذا اعتبرنا نظام الإنقاذ الجديد هو مشروع الهدم والتقسيم للسودان، فقد أتاحت الظروف للقوى السياسية الأخرى من الفرص ما كانت بإمكانها إعادة الأمور إلى مسارها الصحيح والمضي في اتجاه إصلاح الشأن الوطني، فتجربة التجمع الوطني الديمقراطي كانت أنموذجاً فريداً لتكتل سياسي منقطع النظير حضر فيه كل الطيف السياسي السوداني باستثناء تيار الانقلاب في الخرطوم وكان الجنوب حاضر

اً عبر الحركة الشعبية ودارفور عبر تنظيم التحالف الفدرالي السوداني والشرق عبر مؤتمر البجا، لكن بكل أسف تم إجهاض تلك التجربة بتداخل وتغليب الأجندات الخاصة على العامة فكانت المحصلة النهائية انفصال الجنوب وعودة كل تلك القوى السياسية إلي المعارضة لكنها هذه المرة مهيضة الجناح متشرذمة، وكان المستفيد الوحيد هو نظام الخرطوم والخاسر الأكبر هو الوطن.
وقد سنحت فرصة أخرى لذات القوى السياسية لتصويب المسار لكننا نرى ذات التجربة تتكرر الآن لتكون المحصلة نيفشا2 والثمن انفصال جنوب كردفان وأجزاء من إقليم النيل الأزرق، ثم نيفاشا 3 والثمن دارفور وما ستتبقى من أجزاء النيل الأزرق وهكذا دواليك. والسؤال المهم هنا هل تظل القوى السياسية عاجزة تتخبط في اتخاذ المواقف التاريخية وتصطف مع هذا التيار وذاك، أم ثمة خيارات بديلة بالإمكان اتخاذها ربما تخفف وطأة الأمر لحدٍ ما ؟.
أما بالنسبة للحركة الشعبية شمال فأرى أنه ليس مُجدياً إلقاء اللوم على هذا الطرف أو ذاك، ففي نظري الجميع محق في ما اتخذه من مواقف حتى الآن، فثمة تياران داخل الحركة، الأول لا يزال مقنعٌ بمشروع السودان الجديد كحلٍ لقضية الهامش في إطار السودان الموحد وهو تيار القائدين مالك عقار وياسر عرمان أما التيار الآخر الذي يمثله جناح القائد عبد العزيز الحلو فبرغم إيمانه بتلك الفكرة إلا انه بلغ من اليأس وبالتالي القناعة بعدم إمكانية تحقق ذلك الخيار في ظل المعطيات الراهنة، ووفق ذلك حدد وجهته صوب خيار تقرير المصير وهو ذات الخيار الذي توصل له شعب الجنوب وانتهي بالانفصال.
وقد يتساءل البعض هاهنا عن جدوى هذا الخيار على ضوء ما آلت إليها الأوضاع في الجنوب وعن موقف المجتمع الدولي؟ فعن الأخير فيقيني التام أنّ المجتمع الدولي والغرب على وجه التحديد سيكون مسانداً لهذه الفكرة وفي البال تجربة الجنوب واغتيال الراحل الدكتور جون قرنق ديمبيور- رائد مشروع السودان الجديد (الوحدة) .
أما بالنسبة لدولة الجنوب: فهل فشل مشروع قيام الدولة هناك فعلاً ؟ وما هي الأسباب الحقيقية وراء ذلك ؟ الإجابة بصراحة أنّ الدولة الوليدة في الجنوب لم تفشل بل كانت تمضِ في تحقيق معدّلات نمو عالية بوتيرة أذهلت المؤسسات الدولية في هذا المجال الأمر الذي أزعج نظام الخرطوم ليقوم بإعمال أجهزة مخابراته وأدواته في الجنوب لإشعال الحرب مباشرة عقب صدور تلك التقارير الدولية، وذات الخطة تم إعمالها كذلك عقب المصالحة الأخيرة بين المعارضة بقيادة مشار والرئاسة، وإلاِّ فما مغزى تفجُّر الأحداث في جوبا عشِيّةَ التحضير للاحتفال بذكرى استقلال الجنوب إذا لم يكن ثمة من يدفع الأموال ويعطي الأوامر لإشعال الأمور هناك؟!.
وبالعودة للأمور داخل الحركة الشعبية شمال فتقديري أن ثمة خيارات محددة لا غير. فبما أنّ القناعة قد وصلت بغالبية عضوية الحركة ولا سيما من أبناء المنطقتين نحو حق تقرير المصير فليست ثمة بدائل للتسوية تتجاوز هذا الخيار، وهذا هو التحدي الذي يجابه جناح الرفيقين مالك وياسر ويضيّق هامش المناورة بحيث لم يتبقْ أمامهم سوى القبول بخيار تقرير المصير وبقية البنود التي يطالب بها الطرف الآخر والمضي وفق ذلك في البحث عن تسوية تعيد لحمة الحركة، أو رفض ذلك الخيار بما يعني الانقسام والمضي نحو تكوين جناح آخر من المجموعات التي لا زالت مقنعة بالرؤية القديمة للحركة في إطار السودان الموحد، وهنا يبرز دور القوى السياسية الحادبة في إيجاد الحلول بتوفير أرضية يتكئ عليها الفرقاء للخروج بأقل خسائر ممكنة.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.