النظام السوداني يعيد رسم حدود علاقته بالإسلاميين

منع السلطات السودانية رئيس حزب “مصر القوية” الإسلامي من حضور المؤتمر العام لحزب المؤتمر الشعبي وإعادته إلى القاهرة، يحمل رسالة مزدوجة; الأولى إلى القاهرة مفادها حرص الخرطوم على احتواء التوتر الذي برز بينهما مؤخرا، والثانية إلى المجتمع الدولي محتواها أن نظام البشير جادّ في تحجيم حضور الإسلاميين داخل السودان.

العرب محمد أبو الفضل [نُشر في 2017/03/25، العدد: 10582، ص(2)]
نهج جديد

القاهرة – قالت مصادر دبلوماسية، إن توقيف السلطات السودانية عبدالمنعم أبوالفتوح رئيس حزب “مصر القوية” وإعادته إلى القاهرة مرة أخرى، ينطوي على إشارة مهمة عن عزم الرئيس عمر حسن البشير تخفيف دعمه لجماعة الإخوان المسلمين.

وأضافت المصادر لـ“العرب” أن عدم دخول المعارض المصري، والمنتمي إلى جماعة الإخوان للخرطوم، بادرة جيدة لنفي الاتهامات المصرية المتكررة بخصوص استمرار الخرطوم في دعم قيادات الجماعة، بعد إزاحتها عن الحكم في مصر.

ورأت دوائر سياسية أن البشير يبدو عازما على الاحتفاظ بمسافة بينه وبين حلفائه الإسلاميين، تتسق مع الاستدارة الجديدة التي يقوم بها حاليا، أملا في توثيق علاقاته مع قوى إقليمية ودولية، تراهن على إمكانية قيامه بدور مؤثر في مكافحة الإرهاب.

وقال حيدر إبراهيم علي، الباحث السوداني في شؤون الحركات الإسلامية، لـ“العرب” إن الرئيس السوداني أراد من هذا التصرف توصيل رسالة مزدوجة، الأولى لطمأنة القاهرة أنه يلتزم بكبح التيار الإسلامي، والتخلي عن سياسة تأييد رموزه المصرية، والثانية للمجتمع الدولي في إطار التأكيد على أنه لم يعد يتعامل مع التيار الإسلامي بنفس الحماس السابق، وأن الاتهامات التي توجه له بين حين وآخر بدعم التطرف ليست دقيقة.

وبرأي البعض من المراقبين أنه من الصعوبة فصل هذا التصرف عن التوترات الداخلية في السودان، وحالة التنافس الشديدة بين مكونات العملية السياسية، خاصة تطورات العلاقة بين أبناء الحركة الإسلامية التي أصبحت تعاني من أزمة ثقة بعد ما اعتبرته تحيّزا من جانب الرئيس البشير لصالح جبهة العسكريين، على حساب الإسلاميين.

وأوضحت أماني الطويل، الخبيرة المصرية في الشؤون السودانية، لـ“العرب” أن تركيبة النظام السياسي في السودان أصبحت تميل الآن إلى ناحية العسكريين، وتعيين الجنرال حسن بكري صالح نائبا للرئيس ورئيسا للحكومة الجديدة دليلا كافيا على غلبة سلطة الجيش في السودان.

وأكدت أن تصرف السلطات السودانية مع عبدالمنعم أبوالفتوح يشي بوجود تفاهمات بين القاهرة والخرطوم، تقول بعدم تعامل أيّ منهما مع المعارضين من هنا أو هناك.

وكان أبوالفتوح تلقى دعوة من حزب “المؤتمر الشعبي” للمشاركة في مؤتمره العام الجمعة، وحضور حفل تأبين زعيمه الإسلامي الراحل حسن الترابي، وكان في استقباله القيادي بالحزب بشير آدم رحمة، ثم فوجيء عند وصوله مطار الخرطوم مساء الخميس بمنع السلطات السودانية دخوله، دون إبداء أسباب.

وكشف بيان لحزب “مصر القوية” أن السلطات أفادت بأن المنع “تم بناء على تعليمات الرئاسة السودانية، وهو الأمر المستغرب، حيث أن تلك الدعوة وجهت منذ فترة”.
أماني الطويل: تركيبة النظام السياسي في السودان أصبحت تميل الآن ناحية العسكريين

ووجه “المؤتمر الشعبي” الحليف السابق لحزب “المؤتمر الوطني” الحاكم في السودان، دعوات لنحو 50 من القيادات الإسلامية في العالم، بينهم راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة التونسية، وقيادات في حركة حماس الفلسطينية، وأخرى من باكستان، والحزب الإسلامي الماليزي وثيق الصلة بالتنظيم الدولي للإخوان، فضلا عن قيادات الإخوان في السودان.

وخلال الأشهر الأخيرة عاد التوتر يُخيّم على العلاقة بين المؤتمر الشعبي والنظام السوداني، الذي يتهمه بالعمل على تجميع القوى الإسلامية لتكوين جبهة ضده، وكان الحزب عازما على استغلال الحشد وتنظيم فعالية لهذا الغرض تحرج البشير، وقد تثنيه عن توجهاته الجديدة.

وأبدت قيادات في المؤتمر الشعبي مؤخرا، مخاوف من وجود نوايا لتحجيم نفوذ الحركة الإسلامية بمختلف تياراتها داخل السودان، ووصل بعضها إلى حد اتهام النظام بالرضوخ للضغوط الدولية في هذا الشأن.

وأشار حيدر إبراهيم لـ“العرب” إلى أن هناك الكثير من قيادات الحركة الإسلامية، تنظر إلى النظام السوداني بقيادة البشير على أنه أضر بالحركة أكثر مما أفادها، ومنهم القيادي التونسي راشد الغنوشي، لكن البشير لا يستطيع التعامل مع كل قيادات التيار الإسلامي بنفس الطريقة التي تعامل بها مع أبي الفتوح.

ونشبت خلال الأيام الماضية خلافات داخل جماعة الإخوان (فرع السودان) حول البعض من التصورات السياسية، دفعت قيادات من شباب الجماعة إلى المطالبة بضرورة تدخل الحكماء من الجماعة والمقربين منها لحلها.

منع الأمين العام لحزب مصر القوية من دخول الخرطوم يحمل أيضا، من حيث توقيته بعدا مهما خاصة وأنه يأتي في سياق تحركات سودانية مصرية لاحتواء التوتر الذي برز مؤخرا بين البلدين.

وقام طه عثمان الحسين وزير الدولة السوداني الخميس، بزيارة عاجلة للقاهرة وتسليم رسالة خطية للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، تضمنت تأكيدا على ما يربط بين البلدين من علاقات أخوية، وحرصا على مواصلة العمل لتعزيز التعاون المشترك.

وتصاعدت حدة الخلافات بين القاهرة والخرطوم، على ضوء تصريحات لبعض المسؤولين في السودان، اتهمت جهاز المخابرات المصري بدعم معارضين سودانيين، أعقبها اتهام وسائل إعلام مصرية للرئيس البشير بعدم تخليه عن دعم الإخوان، ودعم ميليشيات وحركات إسلامية متطرفة في ليبيا لمضايقة الدور المصري في ليبيا.

وذكرت مصادر سياسية لـ“العرب” أن عدم دخول أبي الفتوح للسودان، جاء أيضا لخشية الخرطوم من احتمال ممارسته نشاطا سياسيا، في سياق الصراعات بين الجبهات المتنازعة داخل إخوان مصر.

وبرز نشاط لتيار داخل جماعة الإخوان في السودان يقوده القيادي حلمي الجزار (من مصر) المقيم في الخرطوم حاليا، بغرض الحشد ضد جبهة أخرى (إخوانية) يقودها جمال حشمت من تركيا.

وشدد السودان مؤخرا، على قيادات الإخوان المقيمين في أراضيه بعدم القيام بنشاط سياسي معلن.

وتحتضن الأراضي السودانية عددا كبيرا من إخوان مصر، من الصف الثاني والشباب، وجرى تقديم مساعدات كبيرة لتسهيل إقامتهم في السودان، ووصلت أحيانا (حسب اتهامات مصرية) إلى درجة إقامة معسكرات تدريب لعناصر مسلحة، وهو ما نفته الخرطوم.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.