قراءة في قائمة الحظر الأمريكية (الإرهاب ليس هو الدافع)!

trampمحمد جمال الدين
سبع دول في قائمة الحظر الأمريكية وهي إيران والسودان والصومال وسوريا والعراق واليمن وليبيا (كلها ذات غالبية مسلمة “سنية” كما عربية ما عدا إيران “شيعية”) وتعاني كلها التفكك وعدم الاستقرار السياسي.

وينص القرار الذي يجيء ضمن المخطط الكلي للسياسة الأمريكية الجديدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب على منع دخول رعايا تلك الدول إلى الأراضي الأمريكية لمدة من الوقت قابلة للتجديد.

القرار جاء بعد إسبوع واحد فقط من تولي ترامب إدارة البيت الأبيض وقد ت

م تنفيذ القرار فوراً وفي لحظة إعلانه بكل قوة وحزم مما يؤشر إلى إستعدادات مسبقة تمت قبل إعلانه وهذا يظهر في التعميم المتعجل لجميع مطارات العالم وتحديداً الشرق أوسطية.

لدي إعتقاد تؤكده بعض من المؤشرات أن هذا القرار نوقش من قبل إدارة أوباما لكن تعقيدات مستحقات السياسة الخارجية اللينة التي ظل ينتهجها أوباما عطلت بروز القرار إلى السطح حتى حان وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
أريد أن أقول من هذا أن القرار أمريكي مجمع عليه وليس من إختراع ترامب وحده وكل ما فعله ترامب أن وجد الحيثيات جاهزة بواسطة الأجهزة الأمنية والإدارية السابقة وأن القرار “قائم فقط مع وقف التنفيذ” وهو قرار يتعلق بالامن والمصالح الإستراتيجية الأمريكية العليا.

هذا الزعم يظهر جليا حين النظر في قائمة الدول التي شملها الحظر والأخرى المستبعدة من ذات العجينة مثل السعودية والإمارات ومصر ولبنان. أي أن القرار لم يصدر خبط عشواء ولا نزوة رجل يميني متطرف كما يشيع البعض وفي ذلك إستصغار للأمر الجلل وإستهتار مجاني بالإدارة الأمريكية الجديدة يفعله البعض جهلاً ويفعله البعض الآخر مغرضاً ومن أجل التعمية لأسباب متعلقة بتضارب المصالح في المنطقة.

جميع الدول التي شملها الحظر ضعيفة إقتصادياً ومفككة سياسا ما عدا إيران (لكنها ذات ثقل سكاني كبير وأهلها أصحاب نزوع للهجرة إلى الخارج وذاك هو السر إضافة إلى الضغط السياسي).

وكثيراً ما نقرأ في وسائل التواصل الإجتماعي بعض الناس تقول أن “جميع الدول التي شملها الحظر بما في ذلك إيران لم يشهد التاريخ لرعاياها أن دمغو بالإرهاب كما فعل رعايا دول لم تشملها القائمة مثل السعودية ونعرف أن في أحداث سبتمر 2001 الدامية شارك 15 سعودياً من أصل 20 شخصاً نفذو العملية لم يكن بهم واحداً من رعايا الدول السبعة التي شملتها القائمة الأمريكية الجديدة للحظر”!. وردي العاجل على ذلك أن القائمة مدروسة بعناية فائقة ومنسجمة مع المصالح الأمريكية العليا ومتجاوزة للتفاصيل التي يسكنها الشيطان!.

إذن ماذا؟!.

القضية ليست إرهاب الماضي ولا إرهاب الحاضر ولا المستقبل بل القضية متجاوزة للإرهاب نفسه، لأن الإرهاب لا يخيف أمريكا على المستوى الإستراتيجي، إنما يهم أمريكا هو الإقتصاد في المقام الأول وعندما يكون إقتصادك قوياً تضمن الأمن والإستقرار وتضمن مكانك من العالم والمستقبل. القاعدة وداعش “مثال لمنظمات إرهابية” من مخلفات الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي، الآن هناك تلاقي بين روسيا وأمريكا.

إن الأحداث الإرهابية الجديدة التي جرت في أمريكا وفي أوروبا الغربية بعد أحداث سبتمبر 2001 من ضمنها قتلى مسرح باتاكلان الفرنسي 2015 وحتى تاريخ آخر حدث جرى في ألمانيا الشهر قبل الماضي (أحدهم من اصول سورية أعاق خمس من ركاب قطار ألماني بساطور) تلك تمثل مجرد أحداث شغب صغيرة مقارنة بسبتمبر 2001.

غير أن القائمة الأمريكية لم تحوي إسم السعودية التي نعلم صلة بعض رعاياها في أحداث سبتمبر ونعرف علاقة رعايا السعودية بداعش وحسب أحصاءات رسمية أن معظم المقاتلين المهرة في داعش وعددهم 75 الفاً من أصل سعودي وخليجي. كما أن الأغنياء السعوديين وبعضهم من الطبقات العليا في المجتمع ممول أساسي لداعش أس الأرهاب المنظم هذه الأيام وهذا الكلام ليس من تأليفي أو تكهناتي الخاصة بل هو تقارير وتصريحات رسمية لمؤسسات ومنظمات مختصة ومسؤولين أمريكان وغربيين.

وكلنا يعلم ان ترامب يقترح ضم الإخوان المسلمين لقائمة التنظيمات الارهابية (وربما يفعل في مقدم الايام) فلماذا إذن لم يرد اسم دولة مثل دولة قطر في قوائم الحظر وكلنا يعلم حضانتها للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين! .. يبدو جليا ان الإرهاب شي والقائمة الأمريكية الجديدة للحظر شي آخر لا علاقة مباشرة لها بالإرهاب!.

ملاحظة إستباقية: أنا هنا لا أحتج ولا أقول أن القائمة صحيحة في وجهة نظري ولا خاطئة ولا أقول كان يجب أن تشمل السعودية أو قطر كمثال لدول بعض رعاياها ضالعين في الارهاب بشكل واضح لكل العالمين، لا، ذلك ليس من اهدافي، انا هنا بصدد قراءة محايدة للقرار الأمريكي الذي لا أؤيده ولا أدينه في هذه المقالة فقط أحاول أن أقرأه في سياق السياسة الأمريكية الكلية تجاه المنطقة والعالم في سبيل فهم موضوعي للحدث.

كيف ولماذا إذن تم إنتقاء هذه القائمة لسبع دول بعينها؟!.

السبب واحد في الجوهر وتتعد درجاته من حيث النتائج وهو “الهجرة” إلى أمريكا. إذا أجريت أي إستفتاء عاجل ربما تجد 90% من سكان هذه الدول راغب في الهجرة إلى الغرب ومن ضمنه أمريكا. وأمريكا وصلت ذروة التشبع من المهاجرين والدليل الحائط المكسيكي المقترح من ترامب.

العامل المشترك بين هذه الدول هو عدم الإستقرار السياسي مع علم المشرع الأمريكي أن حالة عدم الإستقرار هذه ستظل طويلة الأمد. كون الظروف الداخلية لهذه الدول لا تشيء بأي أفق قريب الأمد للإستقرار كما أن ليس للعالم “الغربي” أي مصلحة مؤكدة في فرض حالة إستقرار مكلفة غير مضمونة النتائج والدليل ترك ليبيا كل هذا الوقت ترزح في الفوضى برغم أن حلف الناتو هو من ساعد جوهرياً في إفناء نظام القذافي بالرغم من الإستقرار الذي كانت تنعم به ليبيا في ظله ولا يهم أتفقنا أو أختلفنا نحن معه لكن أتحدث بالعين الغربية هذه المرة.

وعليه هناك حل واحد فقط أقل تكلفة على ما به من متاعب وهو “أبعد من الشر وغني له” أو كما يقول المثل أي منع الهجرة بكل السبل الممكنة عبر إغلاق الحدود في وجه الشعوب النازعة الى الهجرة.

وليس من هذه الشعوب سكان السعودية التي تنعم بإستقرار كبير مقارنة بكل دول المنطقة وتلي إسرائيل مباشرة من تلك الناحية فيما أرى. هنا أحاول تفسير لماذا “السعودية” خارج القائمة وطبعاً قلنا سلفا أن المحدد الأول للسياسة الأمريكية كما هو حال عالم اليوم هو المحرك الإقتصادي وأن زوار أمريكا من السعوديين عامل إقتصادي مساعد وليس خصماً كما الآخرين!. إضافة إلى الثقل الإقتصادي العالمي للملكة والودائع السعودية في أمريكا.

هل الحد من الهجرة هو العامل الوحيد للقرار الأمريكي؟!.

هو العامل رقم واحد لكن هناك عدة متاشبكات أخرى مع الهجرة. ومن ضمنها الضغط على حكومات الدولة المستهدفة بالسعي إلى الإستقرار الذاتي المنسجم مع المصلحة الأمريكية دون أي تكلفة أو مساعدة ذات بال من الخزينة الأمريكية ومن المحتمل أن معظم هذه الدولة المعنية بالقرار إستنزفت حدها من الديون الممكنة. هذا الفهم أيضاً منسجم مع شعار ترامب خلال حملته الإنتخابية “أمريكا أولا” اي أن أمريكا لن تساعد الآخرين على حسابها كما يحدث في الماضي بحسب رأي الرئيس الجديد الذي كثيرا ما ردد ذلك الشعار!.

وهناك المزيد:

الهجرة تأتي أولا من حيث الدافع إلى صدور القرار، لكن مصالح أمريكا في المنطقة متعددة ومخاوفها أيضاً.
ولكي تعالج أمريكا موضوع الهجرة لا بد أن تضع في حسابها العوامل الأخرى الأكثر حيوية ومن أهمها إعادة التشكيل الجارية للمنطقة (الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) من جديد وفق الحيثيات العالمية الجديدة. وهذا ما قاد إلى الرسوء إلى قائمة الحظر لسبع دول محددة دون غيرها لأنها فقيرة ومفككة سياسيا ولا مصلحة إقتصادية مؤكدة لأمريكا معها.. ولبقية الدول المعنية خارج القائمة صورة أخرى في إطار التشكل الجديد الكلي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا!.

الإرهاب ليس بشيء غير عرض من أعراض التشكل الجديد والأعراض مهما طال أمدها زائلة لكن المهاجرين يبقون جاليات أمريكية أو غربية مثلهم والزنوج الأمريكان وإلى مئات السنين المقبلة.. أفق غير معلوم الأثر المستقبلي ويتفوق على عقول علماء الدراسات الإستراتيجية!. وهذا لماذا يحظر ترامب الهجرة من دول بعينها ولماذا يبني الجدار في الحدود الأمريكية المكسيكية.

خلاصة القرار عبارة عن صيحة أمريكية عالية فقط بصوت ترامب: نحن أكتفينا من الهجرة ولا نريد المزيد من البشر، شكراً لكم يا سكان الكوكب، لستم مرحب بكم في أمريكا في عهدها الجديد.. انتهى!.

ختامه نصيحة من عندي خارج النص: اصنعو وأبنو أوطانكم بأيديكم وحدكم وعيشو بها كرماء أعزاء ما كانت لكم أوطان وتمسكو بالإنسانية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان واستقبلو المهاجرين إلى أوطانكم دون حظر أو حوائط بين الحدود أو القلوب وبوعي إستراتيجي بالمستقبل في عالم متحول لا مساحة فيه إلا للعقول النيرة.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.