معتقل سابق يكشف بعض الأسرار.. تعرف على جانب من قسوة صلاح قوش

عثمان محمود

صلاح قوش ختمياً.. يا الله حُسن الخاتمة قوش

قرأت في صحف الصباح أن صلاح قوش قد بايع شيخ الطريقة الختمية السيد محمد عثمان الميرغني، على يد شاب يدعى تاج السر ود إبراهيم، وألزم نفسه نهج هذه الطريقة، وأصبح متصوفاً. وقرأت في المساء تصريحاً منسوباً إليه، ينفي ذلك ويؤكد أن بيعته لعمر
البشير لا زالت في عنقه أو رقبته … ياراجل أي رقبة هذه، التي تبحث صباح مساء عن سيدٍ يستعبدها. لماذا لا تعش حراً للحظة؟ وتعلن أن عنقك ليست رهينة لأحد. لماذا أنت في حالة لُهاث دائم من أجل رئيس تتملقه، أو شيخ تتزلف إليه؟ أم أن الحمل ثقيل، فالأذى الذي ألحقته بالناس لن تستطع أن تشيل شيلته لوحدك.

في الحقيقة تقربك من هذا أو ذاك لا يعنيني في شئ، كما أن تصوفك لا يعنيني، ولكن دفاعك عن إبنك يعنيني. وأريد أن أنعش ذاكرتك ببعض الأحداث القديمة، مرت بخاطري، وأنا أقرأ محاولة تبرئتك لإبنك، أذكر تلك اللحظات تماماً … قطعت شارع المعونة مسرعاً، كُنت تزيح الناس عن طريقك بعنف مُلفت، وأنت محاط بمجموعة من أفراد الأمن، ولا أقول”كلاب الأمن” كما درج الناس، إحتراماً لإنسانية الإنسان مهما كان وضيعاً … كان موقف الحاج يوسف مزدحماً كعادته في ذلك الوقت من أول المساء… كُنتُ مدركاً أن هناك شئ غير عادي يحدث، فقد كان في الناحية الأخرى من شارع “المعونة” عدد من عربات البوكس المتشابهة، التي توحي أنها لجهاز الأمن. وكان يمكن أن أذوب في الزحام، أو ندخل في مطاردة يطول مداها، لو لا أن هناك صديقاً قد إستوقفني، كان مبتهجاً وسعيداً وهو يعرفني بخطيبته، كان ذلك هو وليد عثمان هل تذكره. بالطبع لقد توقفت لتحيتهم بنفس الحفاوة، وكان لا بد من ذلك مهما كان الوضع. ولو كُنتُ أُدرك ما سيقع عليهم من أذى بسبب هذه التحية، لتصرفت بشكل آخر … لحظات وكنتم قد شكلتم طوقاً حولنا، وأنت تقف أمامي بزيك البلدي المكتمل، جلابية وعمه وشال ونظارات سوداء، وتسألني بطريقة لا تخلو من بلاهة وتذاكي … عثمان محمود ما عرفتني؟ في الحقيقة كنت أعرفك، أنت أحد “…. الأمن” ولكن قلت لك آسف ما عرفتك. عندها وقفت العربة البوكس بجوارى وسط ذاك الزحام، ودفعني “.… الأمن” داخلها كان من بينهم عبد الحفيظ أحمد البشير، لا بد أنك تذكره، لقد قام فيما بعد بإغتيال أبوبكر راسخ أمام منزله. وكان يصحبكم ايضاً علي الحسن وأعتقد طوكر، ومجموعة أخرى، قضيت معهم بعد ذلك ستة أشهر قبل أن أرحل للسجن، وهي فترة كافية لكي أتفرس ملامحهم واحفظ وجوههم وأسماءهم، منها الحركية ومنها الحقيقية، ولن أنساهم. في تلك الليلة إنطلقنا إلى إدارة الجهاز، الذي يقع في مواجهة المؤسسة العامة للحفريات، الذي تسمونه الغار.

وهناك بدأ مسلسل التعذيب، الذي عرّفه حسن عثمان ضحوي في اليوم الأول بقوله أن التعذيب لديكم “Up to death” حتى الموت. والذي عرّفته لي أنت فيما بعد على لسان شيخك القديم حسن الترابي، بنفس المعنى، لقد كان المنهج واحد … أذكر ما قلته لى بالحرف “الشيخ قال الجماعة ديل كان ما نطقوا إستنطقوهم” ثم شرحت لي معنى الإستنطاق وهو التعذيب حتى الموت، نحن لم ننطق وأنتم لم تستطيعوا قتلنا، الأعمار بيد الله. فلو كنا نطقنا لقُتلنا، لقد كنتم تبحثون عن البينة التي تذهب بنا لحبال المشانق، لنكون عظة وعبرة لغيرنا، ولكنا ألتزمنا الصمت، فإلتزمتم التعذيب، إلى أن بعثت الأمم المتحدة المقرر الخاص لحقوق الإنسان، فأنجانا الله. كنتم تبحثون عن حاج إبراهيم، هل عرفتموه. أتحداك حتى اليوم بعد أكثر من عشرين سنة، هل عرفتموه؟ بيت الصافية هل إستدللتم على عنوانه؟.

لكن دعنا من كل ذلك، ولنعد لتلك الليلة، عندما أخذتموني من موقف الحاج يوسف، تركت صديقي وليد وخطيبته وهم واقفون في إندهاش وذهول مما يجري حولهم، بعد عدة أيام، أثناء إحدى جلسات التعذيب، التي كنت تتلذذ بها، وتستمتع بأن تضيف لها بعض التعذيب المعنوي، سألتني إن كنت أعرف مصير وليد وخطيبته. حقيقة لقد تملكني الخوف الذي ألجمني، أنا أعرفكم لذلك أصابتني حالة من الوجوم والتوجس في إنتظار أن تكمل الجملة، فواصلت مبتهجاً وأنت تبتسم تلك الإبتسامة التي تفصح عن نفسٍ عليلة، لتقول “لقد إعتقلناهم معاك، وأطلقنا سراحهم بعد أكثر من أربعة وعشرين ساعة” يعني في الليلة الثانية. ثم أضفت “وريناهم نجوم الضهر” يعني عذبتوهم. هكذا وأنت تعرف أنهم أبرياء. تذكرت حديثك ذاك وأنا أقرأ ردك المفعم بالألم والتوتر والأسى، حين إتهم أحدهم إبنك بأنه كان يقود سيارته في الطريق الخطأ، وعندما إستوقفوه إتضح أنه مسطول، ثمّ تشاجر مع رجال الشرطة … لا يهمنى ما فعله إبنك، فهو في أحسن الفروض شاب طائش، آما في اسوئها، فلا أستطيع إن أتكهن، قد يكون طالع على أبوه. وفي كل الأحوال لا يهمني … ولكن ما يهمني هو موقفك أنت، والذي عبرت عنه في تلك الرسالة، الممتلئة بأحاسيس الضيق والمرارة والقلق والإضطراب والتوتر، وذلك لأن أحدهم قال كلمة تمس سمعة إبنك، لم يعتقله ويخبيه عن أهله، ولم يمسه بسوء .… هل تذكر تلك الفتاة التي إعتقلتها وخطيبها من موقف الحاج يوسف قبل أكثر من عشرين سنة، غيبتها عن أهلها ليلة بطولها ونهار يوم كامل حسب قولك، وأهينت وضربت وعذبت على يديك يا صلاح، اليست لها أهل يجزعون لغيابها، ويخافون على سمعتها، أليست لها أم لم تذق طعم النوم طيلة تلك الليلة، وظلت تزرع الشارع جيئةً وذهاباً نهار اليوم التالي، ولها أب وأخوة وأخوات، قضوا ليلتهم في قلق وارق وهم وخوف وهم يتوجسون مما قد يكون قد حاق بإبنتهم وأختهم، إنطلقوا يطوفون الشوارع في اليوم التالي، وأنت تجلس هاني البال في مكتبك. وعندما عادة إليهم بعد تلك الفترة العصيبة وهي في حالة يرثى لها، بعد أن أوقعت بها ما أوقعت من أذى قاسٍ نفسياً وجسدياً. لا بد أن إحساس أهلها بالغضب والحزن والمرارة كان يفوق إحساسك بما لحق بإبنك من إساءة. لقد حمدت الله كثيراً لأنك عرفت معنى الألم الذي يصيب الآباء عندما يقع بالأبناء مكروهاً، أو يلحق بهم أذى، حتى وإن كان مجرد كلام لا ضرب فيه ولا إساءة … أعرف أن من آذيتهم ومن دمرت حياتهم كُثر، ولكني أتحدث عمّن وقع عليهم الضرر بسببي وعلى يديك. يعني بيني وبينك. لذلك أذكرك بتلك الحادثة، حتى تعود إلى الوراء وتحس بالمعاناة التي عايشتها تلك الاسرة في تلك الليلة، وأنا أراك تتحرق وتتعذب من خبرٍ تناول سيرة إبنك، وذلك جزء يسير من المعاناة والهم والغم والقلق الذي سببته لأولئك الناس. وها أنا اليوم وبعد أكثر من عشرين سنة أعتذر لصديقي العزيز وليد عثمان ولأسرته، ولخطيبته وأسرتها، عمّا وقع عليهم بسببي وعلى يديك. فهل يمكنك أن تعتذر لهم يا صلاح.

ولم يتوقف الأمر على ذلك، لقد أمرت بعد إعتقالي بالقبض على جميع أصدقائي، وبالفعل إعتقلت معظم من أعرف في بالخرطوم، قمت بذلك وأنت دعي الإسلام، ألم تقع عينيك في المشروع الحضاري، على تلك الآية التي تقول “ولا تزر وازرة وزر أخرى” إعتقلهم جميعاً، دون ذنب، ولحسن الحظ أنني إقليمي قليل المعارف في العاصمة. أوقعت بهم عن طريق الخديعة يا جبان، حين تفتقت عبرقية بعض شياطينك، عن طريقة تجمعهم حتى يسهل القبض عليهم، حسب ما روى لي أحد “….الأمن” في تلك الايام، وأنا أشاهد أصدقائي يتوافدون على بيت الأشباخ. ذكر لي أنهم أطلقوا إشاعة تقول أن والدتي أطال الله في عمرها، قد توفيت، مستغلين في ذلك معلومة صحيحة لا أدري من أين إستقوها، وهي أن الوالدة كانت قد أجرت عملية في مستشفى إبن سينا قبل فترة لا تتجاوز الشهر من تاريخ إعتقالي، لا أعرف كيف نشروا تلك الإشاعة، ولكنهم حسب روايته قد فعلوها، ثمّ كمنوا داخل المنزل بالحاج يوسف، وكل من طرق الباب سحبوه إلى الداخل، وابقوه حتى يحل الظلام، ثم ينقلون كل من جاء في ذلك اليوم إلى مكاتب الأمن للتحقيق وبعدها بيت الأشباح، وقد تمّ تعذيب بعضهم بطريقة وحشية، منهم معتصم الحاج المحامي الذي أتشرف بصداقته وهو يقف اليوم مدافعاً عن حقوق ضحايا سبتمبر، وشقيقه الطالب الجامعي محمد الحاج، وبعض من أفراد أسرته، وصديقي عمر أبوراس وهو طبيب يعمل بحلفا الجديدة، جاء للخرطوم لقضاء إجازة العيد مع أسرته، والأصدقاء صلاح الأمين من عطبرة، وطارق حسن الحاج من الدامر، وغيرهم. وقد ذكرت لي يا صلاح انكم قد نكلتم بهم. ففي أحدى جلسات التعذيب وكعادتك في الإستمتاع بإضافة جرعات أخرى من العذاب المعنوى أخبرتني بأنهم قد تعرضوا لضربٍ قاسي، وبالذات معتصم الحاج، الذي إحتمل ما وقع عليه، وجاء إلى المحكمة شاهداً، روى كل ما عايشه ورآه بشجاعة نادر لا يتمتع بها أرجلكم. أقسم بالله العظيم يا صلاح قوش، وأنت اليوم تتمسح بالأسياد علك تجد كفيل، لو كنت في مكانه للُذت بالفرار. وقف أعزلاً في مواجهة حكومة مدججة حتى النخاع بالظلم والعسف والسلاح، لم يرتعب أو يتهيب بطشكم وهو يعرفه، أدلى بشهادته ومضى غير مبالٍ بما قد يلحق به من زبانيتك، كان موقفه أشبه بموقف ذلك الرجل الشجاع الجسور، الشاعر على الكوباني، الذي أدلى بشهادته وفقاً لما يمليه عليه ضميره وواجبه كطبيب مهموم بهموم الناس. لقد قالا لكم إننا لا نخشاكم ولا نخاف بطشكم وجميعهم يعرفونكم، ويعرفون على الأقل ما تعرض له الدكتور علي فضل الذي غالباً ما يكون قد أستشهد على يديك أو بأوامرك، وربما علي الكوباني هو من شرح جثته وعرف قسوتكم، وبطشكم وفجوركم الطائش في الخصومة، الذي أودى برئيسكم للمحكمة الجنائية، ولكن ذلك لم يمنع آياً منهما من قول الحقيقة، لم يجعلهم يطأطئوا الرؤوس، أو يحنوا الهامات، بل وقفوا في قامات الرجال الذين لا يخشون في الحق لومة لائم، ولا يخافون بطش متجبّر أو ظالم. فهل رأيت إلى أي حد أنت وحكومتك غير جديرين بهذا الشعب. وذلك كان حال الشباب الذين إعتقلتوهم بسببي، هل تذكرهم لقد أبقيتهم في الحجز حوالي الأربعين يوماً. ولم تطلق سراحهم إلّا قبل يوم تقريباً من عيد الأضحى، كل ذلك وأنت تعلم تماماً أنهم أبرياء، هل يمكنك أن تعود بالذاكرة إلى تلك الأيام، وأن تستصحبهم معك، وانت تدافع عن إبنك بكلمات مشحونة بالألم لما أصابه من مجرد إتهام، علّ ذلك يجعلك تشعر بالمعاناة والقلق والضيق الذي سببته لآبائهم وأمهاتهم وأهلهم، فأنت حين نسب إلى إبنك ما يشين سمعته، إنتفضت وثرت غاضباً للجرح الذي أصابه على ضآلته، فهل ذُقت طعم الوجع الممض، الذي يصيب الآباء عندما يقع الأذى على أبنائهم. أنه فعلاً لأمر جلل. لذلك أنا آسف وأعتزر أشد الإعتزار لهم، ولأسرهم، لما لحق بهم من ألم بسببي وعلى يديك يا صلاح، فهل تعتزر لهم.

لقد إنزعجت وتضايقت وغضبت وخرجت ترد الصاع صاعين على من اساء لإبنك، وبالطبع ذلك من حقك، كما إني لا أتهم إبنك بسوء، ولكني أسألك، ماذا سيكون موقفك لو أن إبنك إعتقلته مجموعة مثل تلك التي كانت تعتقل الناس في فترة التسعينات، وأنت كنت على رأسها، وتعرف خباياها. أسألك ما هو رد فعلك، لو أن إبنك تعرض لذلك النوع من الإعتقال، وأخذ إلى إدارة الأمن أو بيوت الأشباح، وانت أدرى وأنا أدرى بما كان يجري داخلها، ما شعورك وكيف يكون حالك وحال أسرتك وقد أُخذ أحد أفرادها إلى هناك، وهو ليس متهماً بأنه تعاطى الخمر أو تناول المخدرات، أو إختلس المال العام، معاذ الله، وأنا لا أتهم إبنك بأنه قد فعل أي من هذه الموبقات والفواحش ما ظهر منها ومابطن، وإنما أقول ذلك على سبيل المثال. لو قبض على إبنك وهو لم يرتكب جرم، بل لموقف نبيل وشجاع، وهو أنه قد جهر برأيٍ معارض، لحكومة تمسك بزمام الأمور في بلاده، وقد أحالت والده للصالح العام، وهددت كيان أسرته بالضياع والتشرد، لو إحتج على ذلك، وقبض عليه وأخذ إلى بيوت الأشباح، وأنت تعرف ما يتم في تلك البيوت، فماذا سيكون حجم قلقك وحنقك وإمتعاضك وضيقك، إذا كنت تغضب لمجرد الإساءة لأحد ابنائك، فماذا يكون إحساسك وأنت تعرف أنه سيُذل ويُهان ويُعذب وقد يُقتل، لأنه قال رأياً. مثل أولئك الذين كنت تعتقلهم في تلك الفترة، أو المعتقلين اليوم بعد العصيان المدني، هل فكرت يوماً في شعور آبائهم وأمهاتهم وأسرهم، أم تظن أنهم ليسوا كإبنك، يعني مثلاً مقطوعين من شجرة. هل فكرت يوماً وأنت تعذب من هم داخل القضبان، في حال أهلهم وذويهم خارج القضبان، هل فكرت في العذاب والألم الذي يعايشونه لحظة بلحظة، كل يوم وليلة. لقد كنتم تخفون الصبيان عن أمهاتهم وأهلهم لشهور وسنوات، وأنتم لا تستشعرون حرقة حشا الأم على جناها، ولوعت الأب، وهو يتغلب في الجمر خوفاً على إبنه، لا تحسون بذلك ولكنكم تحسون بالرعب والهلع، لو قال أحدهم كلام، مجرد كلام عن أبنائكم، تجزعون وتهبون لنجدتهم، والدفاع عنهم. عندما قبض على إبن الوزيرة متلبساً، هرعت لإخراجه في سويعات. هل تذكُر كم كان يقضي الشباب في بيوت الأشباح من فترات تعد بالشهور وقد تصل السنين، دون أن تعرف أسرتهم أين هم، ولا تسمحون لهم بزيارتهم ورؤيتهم، وأنتم لا تحتملون في أبنائكم خدشاً، فهل أولئك كانوا إيتاماً لا أمهات لهم يعشن في قلق وتوجس على حالهم، وآباء يخافون عليهم ويعيشون في ضيقٍ وأرق على مصيرهم، أم أن قلوب أولئك الآباء والأمهات قد قُدت من حجرٍ، وأنتم الوحيدون أصحاب القلوب الرحيمة التي تعرف الخوف والشفقة على الأبناء.

بالطبع ما كنت لأقول لك هذا لو لم أر مدى فزعك وهلعك على إبنك، فرأيت أن هذه ربما كانت سانحة لأذكرك بأن هناك العشرات قد أحسوا بما أحسست به، واسوأ منه. أنت لم ترهم، ويداك لم تطالهم، ولكن طالهم ظلمك، كانوا يتعذبون لعذاب أبنائهم، وأنت تتهمهم بأخطر مما أُتهم به إبنك، وليتك وقفت عند حد الإتهام، لقد كنت كل شئ، توجه التهمة، تقوم بالقبض، تجري التحقيق، تصدر الحكم، وتنفذ العقوبة. كنت تتجسس وتعتقل وتعذب وتقتل. هل رأيت في كل العالم رجل واحد يمتك كل هذه السلطات. أليس هذا في حد ذاته كافٍ لأن يجعل منك مجرماً ومدان. ومع ذلك تقول إنك لست نادماً على ما فعلت، وكنت سأندهش لو قلت أنك نادم، لأن الندم لا يلسع سوى أصحاب الضمائر الحية، وأنت لا ضمير لك ولا ذمة. ولو كنت مكانك يا صلاح لفعلت كما فعلت الغامدية، التي أخطأت في حق نفسها وطالبت بأن يُقام عليها الحد، لتغسل ذنوبها في الدنيا قبل أن تقابل العزيز المقتدر. وأنت لم تصب حداً في حق نفسك، بل أصبت حدوداً في حقوق خلق الله، فيهم من أذللت ومن أهنت ومن ضربت ومن ركلت ومن دمرت ومن قتلت، فتب لله وتطهر في هذه الدنيا، فإن عذاب الآخرة لشديد.

يا صلاح لقد ظلمتم كثيراً وأنتم تحمون نظاماً ما كان محتاجاً لمن يحميه من أهله، بقدر ما كان محتاجاً لمن يحميه من نفسه، فالجاهل عدو نفسه، حولتم السودان من بلدٍ كريم وشعبٍ عظيم، إلى دولةٍ يتناسل فيها الشر ويأكل بعضه بعضاً، من نافع لي عطا المولى، من قوش لي حميدتي، ما هذه المسرحية البائسة والأدوار البغيضة المقيتة التي أوردت البلد موارد الهلاك، أما آن لكم أن ترعوّا وقد إستعصت خروقكم على الرتق. وها هي حكومتك على وشك الإنهيار إن لم يكن بفعل الشعب، فبسبب الفشل والفساد والأزمات التي أدخلت نفسها فيها. فتُب وإتعظ وإنفق الثروة التى جمعتها من عرق الغلابة، أصرفها مرة أخرى عليهم. ثمّ تصوف وإنقطع للعبادة، وقل اللهم نسألك حُسن الخاتمة.

وأخيراً وليس آخراً، أتمنى لإبنك حياة نظيفة، ولك التوفيق في إختيار الشيخ أو الزعيم الذي يليق بك، ويقدر مواهبك ويحمي عقابك.
osmanmaj@hotmail.com

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.