عروة الصادق: المعتقلات مقبرة النظام لدفن حريتنا

تنزيلبسم الله الرحمن الرحيم

إفادات عروة الصادق عضو حزب الأمة القومي بخصوص تجربته مع الاعتقال..

أكتب عن فترة الاعتقال الأخيرة، التي استمرت لقرابة التسع أشهر بين نيابة أمن الدولة وسجن كوبر:
١/ تم الاعتقال يوم الأربعاء الموافق 6 يناير 2016م وأنا أسير في الطريق، حاولت الهروب دون جدوى، فتم دهسي بسيارة ومن ثم اقتيادي إلى جهة غير معروفة بالعمارات علمت فيما بعد أنه مبنى نيابة أمن الدولة.
استمر حجزي في مبنة نيابة أمن الدولة وهو عبارة عن منزل عادي من ع

دة طوابق، وفي غرفة كانت تستخدم كمطبخ مساحته حوالى 15 متر مربع (3 في 5)، وكانت تحوي بداخلها 32 شخصاً يشبه منظرهم في مخيلتي الأحذية، التي يتم وضعها على بعضها في الصناديق في مشهد مهين للكرامة ومهدر للآدمية، كنا نلتحف السراميك البارد في شتاء يناير القارس وتقطع أجسادنا أسراب البعوض.
٢/ لم أتعرض في النيابة لممارسات التعذيب التي كانت تتم في المعتقلات كالعادة ولكن ما وجدناه من إهانة نفسية وإذلال شكل أكبر جرعة تعذيب، لم نوقف هذا التعذيب النفسي إلا بعد إعلاننا الاضراب عن الطعام لمدة استمرت 96 ساعة، بعدما استجابت النيابة لمطلبنا بتقديم ملفنا إلى المحكمة.
٣/ المعتقلات التي نعرفها وتم اعتقالنا فيها مرارا وتكرارا في الغالب تكون بيوت عادية تعدل حماماتها أو مطابخها وتغلق أبوابها بأسيجة حديدة أو إغلاق محكم للنوافذ بصورة تمنع الضوء المباشر، ولكن مباني نيابة أمن الدولة كانت من حيث السوء أنه يتم ابتزازك فيها من قبل العساكر لكي تجري مكالمة دقيقة واحدة بمبلغ خمسين جنيهاً بغرض الاطمئنان على أهلك، أما الأكل والشرب فلا سبيل لهما إلا بالمال، أو أن تملأ قارورة مياه من مبرد بالي بجوار الحمامات، أو من الحنفية التي في الحمام مباشرة، مع العلم أن الحمام لا يسمح بدخوله إلا مرتين في اليوم، واحدة في الصباح وأخرى في العصر، وتتراص الصفوف دون مراعاة لكبر سن أو حالة مرض.
٤/ في الغالب يتسم سلوك الجلادين بالفظاظة والغلظة والبذاءة وسوء الأخلاق، اللهم إلا قلة قليلة تتعامل ببعض الأخلاق وعلى استحياء خوفا من مديريها الذين يمنعونهم من تقديم أي خدمة أو الحديث معنا، وأنا لم أقابل طيلة فترات اعتقالي شخص يمكن أن يقال عنه أنه سوي، إلا قلة قليلة في سجن كوبر الذي تتأرجح طرق التعامل فيه ما بين سيء إلى أسوأ، من حيث البيئة والتعامل والأكل والشرب.
٥/ التعذيب الذي تعرضت له شخصياً تمثل في الضرب المبرح في مباني جهاز الأمن في أم درمان جوار جوازات أم درمان، والإجبار على الوقوف لفترات طويلة ورفع الأيدي ومقابلة الجدران والإساءة وسب العقيدة والأهل، وكان ذلك من الضابط أنس البادرابي الذي قدمني لمحاكمة مشهودة، كما شاهدت عدداً من الشباب وبعضهم قُصّر يتم تجريدهم من ثيابهم ويضربون ضرباً شديداً، ويجبرون على قول أناشيد إنقاذيه وهتافات تمجيد للبشير.
كما شاهدت تعريض أبناء دارفور تحديداً للضرب والشد من الشعر “البوب” حتى تساقطه في أيدي الجلاد، وسبهم ونعتهم بأبشع الألفاظ العنصرية. هنالك أسماء وقوائم بأسماء معتقلين ومعذبين مرفقة أذكر منهم على سبيل المثال أحد أسرى الحركات، الذي تعرض لإصابة بطلق ناري، حيث ترك في المعتقل حتى تعفن جرحه، وآخر تمت إصابته في رجله وجراء الإهمال تعطلت رسميا عن الحركة وأقعد صاحبها، وهذان الشخصان أحدهما يدعى آدم وادي، والآخر يدعى أحمد.
٦/ في سجن كوبر يوجد معتقل لجهاز الأمن وهذا لا يتبع لسلطة السجون، حيث تمارس فيه كل الفظائع، من تعذيب وإساءات، ولا يستطيع مدير السجن دخوله ولا حتى الإدارة العامة للسجون؛ لأنه تحت سلطة جهاز الأمن، إلا أن هذا لا يبرئ سلطة السجون من التعذيب، فلسجن كوبر لائحة عقاب تبيح للسجان أن يقيد المسجون لمدة يتطاول أمدها ويقصر بحسب مزاج السجان بسلسلة حديدية صدئه تصيب من يتم تقييده بها إصابة تظل باقية في جسده مدى الحياة، وهنالك اهمال صحي كبير من قبل السجان ومن قبل الطواقم الطبيبة، التي تتبع لتلك السلطات، التي لا تتعامل مع الحالات المرضية بالوازع الإنساني المهني، بل في الغالب تجد الطبيب نسخة طبق الأصل من الجلاد.
وفي فترة أخيرة، تم تحويلنا إلى قسم الإعدامات وهو قسم للمحكوم عليهم بالإعدام، وبه عدد كبير من المحكومين، وفيه الزنزانة مساحتها عبارة عن 6 متر مربع أمامها حفرة لقضاء الحاجة، تستخدم في الفترة ما بين الخامسة مساء حتى السابعة، واذا اضطر الانسان لقضاء حاجته ليلاً، أو أصيب بأي مرض معوي عليه أن يستفرغه أو ينزله في كيس بلاستك أمام ناظر إخوانه، الذين يتراوح عددهم ما بين أربعة إلى سبعة أشخاص يلتحفون الأرض.
هنالك مذكرات طويلة صغتها بهذا الغرض وتشتمل على فظائع إنسانية وجرائم كارثية تصل حد الانتهاكات الجسيمة، ولكن لارتباط بعض المعلومات فيها بزملاء رافقناهم في السجون والمعتقلات لا يمكنني الإفصاح عنها إلا بعد الاطمئنان عليهم.

في الختام
إن منظومتنا العدلية مختلة تماما وقد حكمت على ذلك من واقع تجربة معاشة فقد دخلت المعتقلات والمحتجزات والمخافر والسجون تحديدا سجن كوبر، ووجدت أنه لا فرق بين تلك المؤسسات سوى في نوع البزة والشارات والرتب، التي يرتديها منتسبوها، فالفساد المالي والأخلاقي عنوان بارز ومشترك في كل تلك المؤسسات.
تم إطلاق سراحي يوم 7 أكتوبر 2016

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.