شعرة مُعاوية المُنقِذة المُهلِكة – التطرّف داخل جامعة مأمون حميدة

شعرة مُعاوية المُنقِذة المُهلِكة

 

أُسامة محمود

image
قصة من وحي الخيال – تلامس واقع التطرّف الديني وإستقطاب الشباب والشابات بمدينة الخرطوم وإختراق دعاة التطرّف لطلاب جامعة مأمون حميدة

_____________________________________________________

غرفة الإستجواب: ما الذي دفعك على الإقدام بهذه العملية؟

لم تكن هذه المرة الأُولى التي يجاوب فيها بالصمت، فقد سئل عدة مرات خلال جلسات مختلفة، والمتغيّر الوحيد هو صيغة السؤال. فتارة يأتيه المحقق بلباس المساعد الذي يود أن يستنطقه مقابل منحه الحرية، وتارة أخرى بلباس المحقق اللئيم الذي يود تعذيبه دون الإباه بنوع الإجابة الذي يستخرجها من ذلك الفتى المدلل.

نشأته:

الظاهر: رغد العيش في مدينة الخرطوم، بحري، كوبر، منزل مُطِل على ضِفاف النيل، تقطنه أسرته المكونة من الأب والأم والأخت وشخصه، حي آمن ورب غفور. في خارج المنزل يوجد ملحق، حيث مجموعة من الناس، منهم، الطباخ، السائق، والجنايني، والحرس، كلهم متواجدون على مدار الساعة لخدمة الأسرة الصغيرة.

زواج شقيقته نوال، كان حديث المدينة، فقد تم عقد قرانها، على أحد أبناء السفراء القدامى، شاب يمتلك مصنعاً للمواد الغذائية، من نفس الطبقة المعيشية.

العلاقة الأسرية:

كانوا كغيرهم من أناس تلك الطبقة، خرطوميون، أي أن نشأت آباءهم وأجدادهم في الخرطوم منذ نهايات الثورة المهدية، مما أدى إلى إعتبار العاصمة مركزاً للإنتماء، كالقرية أو الإقليم عن البعض.

كان والده ممن يمكن أن يُطلق عليه الموجود الغائب، فتوسع رقعة أعماله كانت أولوية قُصرى بالنسبة له، مما جعله وفي أوج التدهور الإقتصادي في السودان، أحد المانحين للحزب الحاكم، مقابل عطاءات وإمتيازات حصرية.

الوالدة كانت تمتلك سلسلة من المدارس الخاصة “العُلا”. فكانت سيدة أعمال وسكرتيرة إتحاد نساء السودان. بعد أن بلغ الابن والابنة سن الثمانية عشر والعشرون بالتتالي، قرر الأب بالمضي نحو المثنى إلى حين إشعار آخر. فتاة في الخامسة والعشرين من عمرها أضحت زوجة الأب.

حي كوبر:

شريط من المنازل الكبيرة تطل على النيل، تناظر كبري يحمل إسم الحي. كانت هناك النشأ، والترعرع، والبلوغ، وماتبعته من سنوات المرحلة الجامعية. كانإارتباطه بابناء ذلك الشريط وبعض الذين يشاطرهم الطبقة المعيشية من أبناء حي الصافية والأملاك.

المراحل الدراسية:

مدارس كِبس الأساس – الصف الأول حتى الثامن، ومن ثمَّ مدارس الخرطوم العالمية، حيث اقدم على امتحانات iGCSE، والذي من خلالها تمكن من دخول أكاديمية العلوم الطبية والتكنولوجيا – المشهورة بجامعة مأمون حميدة، لكن بطريقة غير مباشر سوف تسرد لاحقاً.

الحلّة:

لم يكون مُعاوية من الذين يبحثون عن الأصدقاء في أروغة حي كوبر حيث الساحات الممتلئة بمحبي كرة القدم أو الركلسة في قوارع طُرقات بحري برُمتها، كان هاوي ألعاب بلي إستيشن، اللعبات الإستراتيجية، ويقضي معظم أوقات فراغه بينها وبين لعب كرة السلة عند نهايات الأسبوع في النادي الرياضي التابع لمدرسة الخرطوم العالمية. رفقة الألعاب الإستراتيجية كانوا من مُلاك البيوت الضخمة في كوبر، أو أبناء أصدقاء أسرته.

بعد نيله شهادة iGCSE ومن ثم iA-Level في الكيمياء والرياضيات واللغة الإنجليزية والأحياء، قرر والده إرساله إلى المملكة المتحدة لدراسة الصيدلة في جامعة Imperial College في العاصمة لندن. بدء الدراسة وبعد شهر واحد تأقلم على الوضع في السكن الطلابي، فقد وفّر له والده محل إقامة ضمن أفضل مربع لطلاب الجامعة، شقة مكونة من غرفة وصالة ومطبخ وحمامين.

إستقر حاله في الجامعة خلال السنة الأُولى، وزادت سعادته عندما بدء والده بنقل أعماله شيئاً فشيئاً إلى العاصمة البريطانية، وبعد عطلة دراسية بين السمستر الثالث والرابع، اي بعد ستة أشهر من إنتقال والده وزوجته الثانية إلى لندن، شعر الأب بشيئ من القلق تجاه تأقلم وولع ولده بالمملكة المتحدة، من خلال مراقبة إجتماعياته، أحس أن عليه كأب أن يفرض على إبنه أمور تحد بدورها من إجتماعياته، فطلب من إبنه أن يترك سكنه الخاص وأن يرحل معه إلى منطقة ساوث بانك. كان رد مُعاوية مفعوم بالشكر، ولكنه رفض الفكرة لبعد منطقة سكن والده عن مقر الجامعة، وثانياً أنه يستمتع في هذه الفترة من عمره بإستقلالية بدأت في صياغة مستقبله الذي بات يراه في المملكة المتحدة.

إستمع الأب لإبنه وهو يتحدث بنهم الشباب عن المتسقبل الأخضر في الغرب، وكيف أن مجال البحوث متطور في هذا الجزء من العالم.

تعنُت عبدالودود لم يكن نابع عن خوفه على إبنه وحسب، ولكنه أحس انه يفقد إبنه لحياة كان يتمناها هو. فرفض الفكرة وسرعان ما تحوّرت مطالبه إلى رجوع إبنه إلى السودان لدراسة الطب بدلاً عن الصيدلة، وضرورة وجوده جانب أمه التي أصبحت لوحدها بعد زواج نوال، أخته الوحيدة.

بعد شد وجذب وتدخل الصديق والقريب والبعيد، وتلويح الأب لإبنه بكرت الضغط المالي، ضرب مُعاوية أدراج عودته إلى السودان، وإلتحق بأكاديمية العلوم الطبية والتكنولوجيا، المشهورة بجامعة مأمون حميدة، وجد هناك الكثيرين من ذوي حالته، أي من بدأت حياتهم الدراسية الثانوية أو الجامعية خارج السودان، وخصوصاً دول الغرب، ثم لسبب أو لآخر، عادت بهم الأدراج لإستكمال المشوار الجامعي.

حاول مُعاوية جاهداً التأقلم مع الوضع الجديد، لكن دون جدوى تارة من خلال مجاراة مجموعة كرة القدم، وأُخرى مع زملاء ذوي أوضاع إجتماعية مماثلة له، كانوا يقضون عطلاتهم بالسفر خارج البلد، إلى القاهرة، ولكن بعض قيام ثورتي ٢٥ يناير ، ٣٠ يونيو، لم تصبح القاهرة لمُعزِها كما كانت، فبعد أربع سنوات، بلغت الإعتداءات على أصحاب السحنات السوداء من المهاجرين متكررة، وقد تصل في بعض التعذيب والقتل.

يعرج الحديث هنا عن موجة الهجرة الكبيرة التي يمر بها العالم منذ قيام الثورات في منطقة الشرق الأدنى عقب الأزمة الإقتصادية العالمية في ٢٠٠٨، علماً أن حروباً كثيرة قد إشتعلت وبلغت أزماتها الإنسانية أوجها قبل ذاك التوقيت، لكن الهجرة نحو أوربا خصوصاً من القارة السمراء عبر البحر الأبيض المتوسط, يمكن أن تقسّم إلى ما قبل وبعد نظام القذافي في ليبيا. كان نظام الأخير يعمل صمّام أمان بالنسبة للإتحاد الأوربي، لحماية شواطئهم من الغريب.

بعد زوال النظام الشمولي هناك، حدث فراغاً كبيرًة، وأصبح شركاء الأمس متشاكسين. وتم تخطيط خريطة البلد من جديد، إلى خمس دوليات داخل دولة، كل جزء تتصارع على حكمه أربع مجموعات.

أما الطريق الأخر الذي تم طرحه آنفاً، فهو الطريق إلى أرض الميعاد، حيث شعب الله المختار. مخاطر هذه المغامرة مختلفة نوعاً وكماً عن تلك التي يواجهها طالبي المأوى من أهالي القارة السمراء عبر البحر الأبيض المتوسط والذي أصبح يضاهي إي من المخلوقات آكلة اللحوم.

المخاطر تتمثل في إنعدام القانون في منطقة سيناء، حيث جبل الطور، وبقايا ألواح موسى، وسحر كهنة فرعون. أصبحت المنطقة وعِرة للغاية، قطاع طريق يقتاتون من الوافدين من أحشاء القارة السمراء بإحتجازهم رهائناً، وتجريدهم من كل ما تبقى لهم من مقتنيات. الخطر الآخر هو الإستنقاء الطائفي والديني للوافدين، فإبتعاث الجماعات الجهادية من جديد في سيناء منذ ما بعد ثورة ٢٥ يناير جعل من مهمة الوصول إلى أرض الميعاد شبه مستحيلة، فتواجد شعب الله المختار حسب تفصيل حكوماته اليمينية المتعاقبة يتوقف في المقام الأول على الأمن وإحكام القبضة على المنافذ، وخصوصاً منفذ شبه جزيرة سيناء مع إسرائيل. بعد تضيق الخناق على الجماعات الجهادية هناك، ووضعها بين مطرقة الجيش المصري وسندان قوات شعب الله المختار، إستمدت الجماعات هناك الإلهام من توسّع رقعة دولة الخلافة الاسلامية في العراق والشام، وقدمت البيعة عبر وسائل الإتصال الإجتماعي لأمير المؤمنين في الموصل، فغيرت سياستها وإتخذت من وافدي القارة السمراء أعداءاً لهم. خصوصاً إذا لم ينجح المحتجز في إمتحان ألف باء تاء ثاء إسلام.

ونذكر منها:

ما هو أسم أم النبي (تحت وطأة قدم الداعشي)

كم عدد ركعات الشفع والوتر (الإجابة غير واضحة لوجود فوهة البندقية داخل فم المحتجز)

أما لأهل الطوائف الإسلامية الأخرى فأسئلتهم تتمركز حول الفرائض وخصوصاً الصلاة.

فأصبح الأفارقة بين كماشة دولة الخلافة وحُماة شعب الله المتمثلين في الجيش المصري.

لهذه الأسباب آثر مُعاوية وأصدقاءه تغيير وجهة السفر إلى غابة الإسمنت والزجاج والتكلونوجيا التي خُلِقت إثر قُبلة بين الصحراء الكبرى ومياه الخليج المالحة.

كانت الإجازة في دبي. بعد أسبوع من الأجازة المترفة التي تخللها العديد من النشاطات، الغوض، والتزلج على جليد الصالة المغلقة، ورحلة صحراء، وتناول الوجبات في مطاعم مختلفة، لم يحس مُعاوية بالتفريغ، إنتقل بجسده إلى المنطقة، ولا زالت روحه في عليين الغرب. لم يحاول الدخول في تجارب عاطفية رغم مطاردته من العديدات للحظي بقلبه.

بعد الرحلة توجه نشاطه صوب الجمعيات الثقافية في الجامعة، ولكن لتركيز الجامعة على المجال العلمي، أُهمِل الجانب الثقافي ولم يُحظى بتشجيع أو إستثمار غير تلك الجمعية الثقافية الإسلامية التي ولجت الجامعة بكل سهولة، لأنها ذات صِلات قوية بمجمع الفقه الإسلامي بالبلاد، وأيضاً لإرتباط القائمين عليها بالتيار اليميني الأكثر تطرُّفاً داخل الحزب الحاكم. فما كان من مجلس الجامعة موقفاً غير الترحيب وفتح الأبواب على مصرعيهاً لهذا الكيان الذي يحمل في ظاهره ديباجة فضفاضة “الجمعية الإسلامية – من أجل بناء فرد صالح لنفسه ولمجتمعه”.

“المد الديني الذي يربط العاطفة بالإنتماء المكتسب” كما سماها الفيلسوف القُبروصي صاحب الأسم الأوحد كريستوفر، والذي ينطبق المعنى الأصطلاحي لجملته على المد الديني الوهابي في السوداني، خصوصاً بعد سطو الأخوان المسلمون على مقاليد الحكم في ثورة أخرى حملت تأريخ ٣٠ يونيو. الأولى أتت بالتنظيم الدولي في البدرون السفلي لوادي النيل، والثانية – بعد ربع قرن من الأولي – أطاحت بالتنظيم الدولي من على مقاليد الحكم في البدرون العُلُوي من وادي النيل.

إيجاز ما ذكر القُبروصي هو الإنتماء الوهمي الذي يجعل الإنسان في دولة موبوءة بالإنتماء وتعريف الهوية كالسودان، يتعاطف بالحواس والدعم المادي مع إنسان آخر في دولة بعيدة، علماً أن آخرون من ذات البلد لا ينالون حتى قدر من زمن ذلك الإنسان فقط من أجل فهم معاناتهم.

إلتحاق مُعاوية بالجمعية الثقافية كان بمجرد صدفة، فبعد صلاة الظهر في منتصف الأسبوع الدراسي، إقترب منه أحدهم ودار بينهم محادثة قصيرة:

الشاب: حرماً ياخي.

مُعاوية: جمعاً إن شاء الله.

الشاب: مُعاوية، بتاع ثانية طب.

نظر إليه مُعاوية بشيئ من الإستغراب: نعم أنا.

الشاب باسماً: أنا كنت مفروض أكون معاكم في رحلة دبي، معنّي أتقدمكم بسنتين في الكلية، بس مشغوليات منعتني، أها سمعت إنك جيت الجمعية الثقافية وما لقيت نفسك فيها؟

مُعاوية ممتعطاً بعض الشيئ بسبب كثرة الأسئلة: الظاهر إنك مُجمِّع معلومات.

الشاب: أبداً أنا شهادة عربية وأول ما رجعت السودان للدراسة، ما قدرت أتأقلم على الوضع لغاية ما لقيت نفسي في الجمعية الثقافية الدينية، طبعاً إسم دينية الأيام دي في كمية من الnegative annotation لكن لمن توغلت فيها كتير لقيتها بتشجع كمية من نشاطات الجانب التنموي للشخصية، علاوة عن صناعة الكوادر بالتركيز على الجانب الخطابي، والتوعوي. برضو تنظيم قوافل خير حول العاصمة وزيارات للمدارس ومراكز الشباب، وأخيراً إستضافة شخصيات معروفة لمحاضرة الطلاب هنا في الجامعة من وقت لتاني. فالمقدمة الطويلة دي إعتبرها كدعوة لمعاينة بعدين الخيار عندك.

مُعاوية: والله تمام…يعني…أفتكر إنو الموضوع يستحق الزيارة والمعاينة زي ما تفضلت.

تهللت أسارير الشاب: يا سلام دا كلام جميل وبإذن الله نكون عند حسن ظنك.

مضت أسابيع وأصبح مُعاوية يرتاد موقع الجمعية بإنتظام ويشارك بين الحين والأخرى بنشاطاتها خارج نطاق الجامعة. كان أكثر ما يجذبه في نشاطات الجمعية هو نوعية المنضمين لها وجمال أنفسهم، فلم يلحظ أي إحتكاك طوال الفترة أو أي نوع من اللغط. وكانت المجموعة متجانسة إناثها وذكروها على غير وصمات الجمعيات الدينية الأخرى التي تتمتع بالطابع الذكوري الصفووي البحت.

ذات يوم من الأيام، بدأ منتمي الجمعية في كلية العلوم التطبيقية بإلصاق إعلانات على كل ركن من أركان الجامعة، يعلن عن قدوم رئيس الجمعية الإسلامية الأم، فجاء أبوالفضل لتقديم محاضرة عن إنتقال العمل الدعوي إلى منحى التطبيق.

كان أبو الفضل، خريج كلية الهندسة، جامعة القاهرة الفرع، خلال تلك الفترة الدراسية إلتحق بالتيار الإسلامي في الجامعة، وبعدها إنتقل للعمل في المملكة العربية السعودية، في إحدى الشركات الهندسية، وبعدها إلتحق بمجمع الدعوة إلى الله وصار أمين نشاطه الخارجي وتوغل الإتجاه السلفي، حتى إنتدابه إلى السودان للوقوف على حال المنظمة الخيرية الإسلامية، فقد باتت بئر معطلة. هاهو مهدي المنظمة المنتظر يعيد الحياة إلى البئر ليدر ماءها لتسقي الأرض الجدب لإنبات محاصيل. إستطاع في فترة وجيزة كسب الثقة، وتوسيع رقعة العمل والتركيز على الإستقطاب النوعي من خلال الخطاب المتطور.

فقد قال لرؤساءه في مجمع الدعوة إلى الله “لا جدوى من التركيز على إصطياد الفئة الفقيرة، فلن نسيطيع عبرهم مجابهة تحديات عالم اليوم ومتغيراته، فهم وقود حرب، وجنود صف، لكن فئة أبناء الأغنياء يمكن من خلالها إختراق وسائل الإعلامي وإغتنام المصادر لنشر رسالتنا في أوسع نطاق”. لتلك الأسباب أوكلت إليه عملية إيقاد النار من جديد في معبد الجمعية، نجح في ذلك للباقته وتفرسه في إختيار أهدافه وجمهوره.

تزامنت الندوة المزمعة مع تغيّر كبير في منطقة العراق, فبعد عقد من الزمان من سقوط نظام حزب البعث العربي هناك، حيث تغير ميزان القوة برجوح كفة الشيعة، أقدم الرجل الأبيض حينها بشكل عشوائي مخطط له مسبقاً بتسريح أكبر جيوش المنطقة بين يوم وليلة.

بتمرير الشريط الزمنى بشكل سريع منذ ذلك التوقيت إلى موعد ندوة أبو الفضل، يجد العالم أن نتائج تلك الأحداث رسّبت كم هائل من الإحتقان، وأيضاً جعلت من منطقة مرتعاً للعيبة إقليميين كِبار، كلٌ يجري نحو تحقيق أهدافه بشتى الوسائل الميكيافيلية. فولد بعبع الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام، هوية هذه الدولة ومن يجري خلفها هو محض دراسة المهتمين بالشأن وأيضاً أصحاب نظرية المؤامرة، ومازال البحث جارياً في هذا المجال.

لكن إنشاء دولة الخلافة أعاد روح الصراع بين أقطاب قوى الفتنة الكبرة، بمباركة الرجل الأبيض، فبعث القائمين على أمر الدولة رسائلهم إلى داعميهم حول العالم أن أكتملت الخطوة الأُولى من مرحلة تكوين دولة الخلافة إلا وهي إحتلال رقعة كبيرة من الأرض، وتوفير مصادر در المال من داخل الدولة، وخير ذلك كان تمكين قبضة القوة على مناطق البترول من آبار الإنتاج إلى طرق النقل إلى منفذ آمن. المرحلة الثانية تمركزت في إستقطاب ذوي الخبرات في المجالات العدة، ولاسيما الجيش، فكان التركيز على أولئك الذين شردوا وسرحوا من الجيش العراقي.

أما عن الاستقطاب الخارجي فقد كانت خطط محكمة أُكِلت إلا منظمات دعوية، ومن خلال القابعين خلف شاشات الكمبيوتر والهواتف، عبر وسائل الإتصال الإجتماعي، فكان الإستقطاب.

كانت القائمين على أمر منظمة الدعوة إلى الله بالمملكة، من الداعمين لدولة الخلافة، في المرحلة الأُلى عبر المد المادي، ولكن سرعان ما تحور ذلك إلى إستقطاب نوعي لشباب متعلمين. فكان الفوج الأول عدد من شباب المملكة الذين ما أن عبروا نحو عاصمة الخلافة، حتى أوكلت إليهم حملة تطهير جبال السنجار قرب الموصل في محافظة نينوى. أنتشر جُنُود الدولة حول أيزيدية نينوى وحاصروا سنجار، كان شباب الخلافة بين اليقظة وميراج الحقيقة، فقد غيبت الأدوية المخدرة أدمغتهم، وكانت المذبحة الكبرى هناك لإصحاب أقدم ديانة بالمنطقة، قتِّل الأبناء وإستحي النساء. لم يسلم حتى من نطق بالشهادتين فالجنود هم الحكم والعدل وهم من يعلمون ما تخفي الصدور.

إتسعت رقعة الدولة، وأوكل إلى أبي الفضل عملية إستقطاب شباب من السودان ذوي علم ومعرفة بالمجالات الطبية لنقص حاد تعاني منه دولة الخلافة.

بدأ أبو الفضل عمله بإنشاء فرع للجمعية الخيرية في جامعة الخرطوم، وبالتحديد كلية الطب، حيث الصفوة من الطلاب الحائزين على أرفع الدرجات في إمتحانات الشهادة السودانية. لم تكن العملية سهلة لان معظم من كانوا هناك من الذين ترعرعوا في السودان، فهم وأهليهم ظلوا خلال فترة حكم الإخوان المسلمون متابعين لحروب دولة خلافة سودان ما بعد ١٩٨٩ ضد صليبيي الوطن القارة. فشلت خطة إستقطاب طلاب الخرطوم وإتجهت دعوته من الخرطوم إلى مأمون.

بدأت فعليات ندوة المجموعة الخيرية المُقامة في قاعة المؤتمرات بجامعة مأمون، وإلتف الحضور من الطلاب والزائرين حول الضيف الرئيسي، أبا الفضل، وبدأت الندوة التي حملت في ظاهرها ملامح المواصلة في عمل الخير، وتوسيع دائرته لتشمل الأماكن الأكثر تضرراً حول العالم، خصوصاً العراق وسوريا هذه الأيام. تحدث أيضاً عن حلم دائماً ظل يراوده، وهو ظفور الحق عبر المد الاسلامي حول العالم، ولكن كيف يتحقق الحلم في ظل وجود المد الشيعي الذي أضحى أكبر مهدداً للإسلام بالمنطقة. أذهب أبو الفضل في حديثه عن قصور المسلمين في مساعدة أخوتهم في سوريا وكيف أن هناك جزء من المعارضة في أرض العراق تتقاسم ضنك العيش مع الأشِقُاء في سوريا. دعا الشباب إلى دعم المسيرة، بالمادة، والخبرات، خصوصاً الطبية، وأيضاً معنوياً وهذا أضعف الإيمان.

بعد إنتهاء الندوة، إجتمع أبو الفضل مع القائمين على أمر المنظمة بالكلية، وحثهم على تكوين قافلة تتجه إلى أرض العراق أولاً ثم الأراضي المحررة ثانياً. هنا كان اللقاء الأول بين أبو الفضل ومُعاوية، فقد رفع فرع المنظمة بالكلية معلومات تدل أنهم قد تمكنوا من إستقطاب جزئي لعضو جديد، ألا وهو مُعاوية. كان اللقاء طويلاً ومفعماً بمعلومات متعلقة بوضع السُنّة في أرض العراق والشام، وأن الوقت قد حان للدفاع عن المُقدسات من رجز المجوس. أردف أبو الفصل قائلاً: يا مُعاوية إسمك إسم صحابي جليل، دُنِس إسمه لتحريف الشيعة الكلم عن موضعه. فإذهب وأحيي كلمة الله، بمساعدة من يريدون تثبيتها هناك.

الأسبوع الذي تلي ذلك اللقاء تدهورت فيه وضعية مُعاوية النفسية تعقيداً، فقد عاد والده من لندن، ونشب إثر ذلك خلاف كبير بين والديه، مما جعل فرصة الإبتعاد عن ذلك الوضع مُغرية. أقدم على الإتصال بأبي الفضل للإِنْضِمام إلى القافلة المتجهة إلى العراق أولاً عبر الحدود التركية. أحد العقبات هي التشديدات الأمنية على الحدود التركية العراقية حيث وضعت هذه المنطقة تحت المجهر العالمي، خصوصاً بعد تتفق العديد من شباب العالم الغربي من أصول إسلامية وتلبيتهم النداء الداعشي. لكن توفر الدعم المالي من أبي الفضل ومن فوقه منظمة الدعوة إلى الله السعودية، ساعد في شراء منفذ في الحدود يسمح بمرور القادمين الجديد من العالم إلى الدولة.

جاء يوم السفر، وكان مُعاوية متوجساً، فليست لديه معلومات كافية عن ما يحدث داخل داعش غير التي أستمدها من معلمه، وأيضاً من خلال متابعته لقناة الجزيرة الإخبارية، لكن السرية التامة حتّمت عليه التماسك، ودّع والدته بطريقة تؤكد عودته عما قريب، لم ينتظر والده، فلم يعُد البِساط بينهم أحمدي، ولم يتبقى له غير التوجه إلى حي المطار قبل المطار لمقابلة شقيقته نوال، حيث أخبرها انهم في طريقهم إلى الدوحة لقضاء أسبوع مع أصدقاءه. شككت الأخت في ما سمعته من شقيقها، فقد تعودت منه الصراحة وأخبارها بسفرياته بزمن كافي، خصوصاً ما تشهده هذه الأيام من سفر بعض شباب وشابات من السودان إلى العراق وسوريا. سألته سبب السفر المفاجئ، فحكى لها ما دار بين والده ووالدته، وكيف كدر ذلك مزاجه فإقترح بعض الأصدقاء السفر من أجل التغيير. ودّعها وإتجه في رحلة قصيرة إلى مطار الخرطوم، حيث مجموعة من طلبة جامعة مأمون كانت في إنتظاره، تتكون من ثلاث فتيات، وأربعة فتيان، كلهم من المستوى الاول والثاني بكلية الطب، وكانت الرحلة الأولى، إلى الدوحة، مَرُّوا مرور الكِرام داخل المطار إلى الطائرة، فايادي أبو الفضل واصلة داخل الدولة السودانية.

إنقضت الرحلة الأولى إلى الدوحة، والثانية من الدوحة إلى أنقرة، حيث كان في إستقبالهم الأغشمي، منسق منظمة الدعوة إلى الله فرع الدوحة، سهل لهم في خلال ساعة رحلتهم المتوجهة إلى أنقرة. الرحلة الثالثة كانت على ظهر عربة لاندكروزر من العاصمة أنقرة إلى الحدود التركية العراقية، نحو مدينة يميسلي الحدودية، حيث مُلتقى الوفود القادمة من مختلف أنحاء العالم. الرحلة الرابعة كانت إلى عاصمة الخلافة الداعشية – الموصل. دخلها مُعاوية وصحبه وسط تهليل وتكبير من جنود ذوي لحي طويلة، مذبلي شعر الرأس. إنقسمت مجموعتهم لفورها إلى إناث وذكور، حيث أخذت الفتيات إلى مقر إقامتهن حيث من سبقهن من بنات السودان، وحيث المصير المحتوم – نكاح الجهاد – الذي يعتبر كأُمنية للعديدات من الملتحقات من القارة الأفريقية، فداعش تمثل لهن مُلتقى فارس الأحلام، ذلك الفتى الذي رسمته لهن بعض الكتب المحوّرة – الفارس العربي، صاحب الشعر المذبل والعينان الكاحلتان، ذلكم الفتيان الذين يخرجوهم من ظلمات العقد الأسرية وكبت المجتمع إلى حرية إختيار شريك الحياة نحو حياة مكتظة بكل ما هو مثير بالإهتمام والمرح في ظل دولة إسلامية صحّة، على حد تعبيرهن.

أما مُعاوية وصحبه، فقد إدخلوا في وحدة من وحدات الجيش، وأوكلت إليهم مهام توفير علاج مرضى ضواحي مدينة الموصل، وأيضاً ممارضة الجنود الجرحى، وما أكثرهم هذا الأيام خصوصاً بعد تكثيف القصف الأمريكي الروسي على عاصمة الخلافة.

تحدث مُعاوية مع زملائه عن المدة المحتمة عليهم قضاءها قبيل عودتهم إلى السودان، أجاب رفيقه فوّاز بصوتٍ خافت: أرجوك ما تثير الموضوع دا بشكل صريح قدام الناس ديل، لانو ممكن تسجن ويعتبروك خارج عن الدولة.

تعجّب مُعاوية من كلمة رفيقه، فلم يكن هذا إتفاقه مع أبي الفضل، فقد قُدرت مدة الرحلة مُسبقاً بالثلاثة أسابيع، وها هو الأسبوع الثاني يشارف على الإنتهاء، وقد زادت وتيرة المعارك مع الجيش الكردي من جهة، والقصف المستمر من قوات التحالف من جهة أُخرى. إثر ذلك، توغلت وحدة مُعاوية الطبّية إلى الحدود العراقية السورية بعد صدور أنباء إصابة أمير الدولة.

عند وصولهم بلدة بيرق، شهدوا أول مجزرة طائفية من نوعها، حيث قتل العديد من الأكراد بأيدي جنود الدولة، فطلب من مُعاوية أن يشارك في عملية قتل الأسرى، رفض مُعاوية قتل شاب شيعي يدعى يزردي كان يرتعد خوفاً من مقابلة مصيره المحتوم.

في الجزء الآخر من مدينة الموصل أو ما تبقى منها، كانت الفتيات الثلاث، رفيقات مُعاوية من السودان، من جامعة مأمون. قامت مسؤولة العلاقات الاجتماعية بالمدينة، بإختيار أزواج لهن من جنود تنظيم، تزوج حياة رجل بلروسي جاء لتوه من شرق أوربا ويعمل في السجون الداعشية، يعمل على تعذيب الأسرى، أما ميساء فقد حالفها الحظ بالزواج من فارس أحلام كانت ترسمه في مخيلتها من فترة، سوري الجنسية، غائر العينين، كاحل الشعر، مقترن الحواجب، لم يكن على رغبة كبرى بالزواج من ميساء، أما هو فقد تزوجها تفادياً لمعصية جهاز الشؤون الإجتماعية. بعد يوم من إحلال عُقدة النِّكَاح، قصف موكب يضمه في طريقه إلى الخطوط الأمامية لمدينة الموصل، بترت ساقاه، وأصيب بحرق شبه كامل في ما تبقى من جسمه.

نمارق كانت من طالبات جامعة مأمون حميدة القادمات من المملكة المتحدة، ولدت وترعرعت في مدينة إيلي، في مقاطعة كيمبردجشير، منطقة شرق أنجليا، حيث كنيسة الكاثيدرال الإنجيلية المتكئة على صفاف نهر أووز العظيم. في تلك المدينة الساحرة، ولدت نمارق لأب طبيب، من خريجي كلية الطب، جامعة الخرطوم، تخصص بعدها في مجال جراحة التجميل، وأم ربة منزل، تقوم بمزاولة عملية التجارة عبر المراسلة بين أنجلترا والسودان، ولدت في أسرة منعمة الحال، متوسطة في التديُّن، وتقليدية نوعاً ما في عاداتها. كانت نمارق شغوفة في طلب العلم، مُجيدة اللعب على العديد من الآلات المُوسيقية، وتعيش حياة متزنة بين الثقافتين السودانية والغربية، بعد إنتهاءها من مرحلة GSCE و بعدها مرحلة A-Level, مكنتها درجاتها من دخول كليات علمية عِدّة ما عدا الطب، أصر الأب وقتها على إبنته دراسة الطب إمتهاجاً بمسيرته، فكان السودان خياراً لسبب ثاني يتركز في تعلم ثقافة البلد، فكانت جامعة مأمون وجهةً.

بعد أقل من سنة من عملية تأقلم قيصرية، في إحدى الشقق الفارهة بالعمارات شارع واحد، حيث تسكن وصديقة لها، وجدت نفسها تنجرف نحو العمل الطوعي، وخصوصاً خلال شهر رمضان، حيث عملية تجهيز وتوزيع إفطار الصائم حول العاصمة الخرطوم. كانت العملية سلسة وتُدار تفاصيلها من نقل إلى نقاط تجميع عبر وسائل الإتصال الإجتماعي. تعرّفت نمارق على شابات من خلال العمل الطوعي، ومن خلالهن توغلت في أروقت الجمعية الخيرية الإسلامية والتي عبرها وجدت نفسها في مدينة الرمادي، التي كانت تقبع تحت سيطرة الدولة الإسلامية. مع تكثيف القصف الجوي على مدينة الرمادي وضواحيها، أُضطرت قوات داعش إلى التقهقر نحو الشمال حيث جبال السنجار، ولكن إنقطع الطريق بواسطة قوات الحكومة العراقية. أُسرت نمارق ومن معا من نساء، وحكم عليهن بالسجن المؤبد في صحراء البصرة.

إمتدت رقعت القصف لتشمل سجن الجوّاد خارج مدينة الموصل، حيث تنفذ عمليات الإعدام لكل خارج عن تنظيم الدولة. إستصرخ يزردي مُعاوية، طالباً الرّحمة منه، في تلك الأوقات، طالب رئيس السجن من مُعاوية إطلاق رصاصة على جبين الشيعي المحتجز، رفض معاوية كان متزامناً من صاروخ قادم من بارجة أمريكية راسية على شواطئ الخليج العربي. دمّر الصاروخ ملجاً للأطفال الذين فقدوا ذويهم إثر الحرب، لحقت شظايا القذيفة سجن الجوّادي حيث قتلت رئيس السجن المُقرّب من أمير الدولة. نجى مُعاوية من موت محقق بعد أن أختبئ خلف يزردي، وقطعت شظية كانت متجهة نحوه ساقي الأسير. نجى بقيد أُنملة أو مسافة سُمك سبيبة من موت محقق.

“السلام عليك يا علي، قاتل الله كل من لم ينصرك ولم ينصر الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، اللهم إغفر للعباس وولده مغفراً ظاهرةً وباطنةً ولا تغادر ذنبه. إن للموت لسكرات، إحتميت بي لخوفك من مقابل الله، هكذا أنتم يا وهابية، يا قتلة أحفاد النبي، يا محولي خلافة الله إلى مُلك بي أمية، قاتلهم الله وإياكم”

خطاب جديد على مُعاوية، إختبائه خلف يزردي كان بطريقة لا إرادية، تلقائية نتيجة لدوي القذيفة. ها هو ذَا في مكان لم يخطر على باله من قبل، وتطرأ على مسامعه إنفجارات وأحاديث طائفية. كان دائماً ما يصف نفسه بالمعتزلة، ليس بالمعنى الإصطلاحي، ولكن باللغوي، فقد قرر منذ دخوله الجامعة بلندن بالنأي عن أوضاع المنطقة السياسية، وتعقيداتها الإجتماعية. فتبع الجوانب الفنية والثقافية، وجعل منها ملجاً لقضاء أوقات فراغه.

مات يزردي وترك مُعاوية يصارع صدى كلماته وما تبقى من أشلاء خصبت ملبسه. ما كان من مُعاوية إلا وأن إستبدل ملابسه العسكرية، بتلك التي على جُثة يزردي، وبعد نصف ساعة دخلت القوات العراقية سجن الجوّادي، وإنتشلت الجثث ووجدت أحدهم مقيد وينزف من فمه، لم يكن غير مُعاوية.

نُقل إلى سجن أبو غريب حيث تم أستجوابه تحت وطأة تعذيب رهيب، تارة بالصعق الكهربائي، وتارة أُخرى بجرّه بالكماشة من على خصيتيه. كان بين الأحلام واليقظة. كان جوابه الأوحد على سؤال ما الذي أتى به إلى العراق، كانت الإجابة أنه ضل طريقه في الحدود التركية العراقية، وأحتجز من قبل قوات تنظيم الدولة لعدم رضائه الإنضمام للجيش.

لم يقتنع المحققون بقصة مُعاوية، فلماذا لم يقتل فور رفضه الإنضمام لجند داعش؟!

حكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات، مع العمل الشاق، في سجن الضاحية على الحدود العراقية الإيرانية، حيث المجرمين من القتلة، وسفاكي الدماء، والمغتصبين وغيرهم من منتهكي الحُرمات.

وهناك كان في الجزء الشيعي من السجن، وأدخله إسم مُعاوية في مُوّال مضايقات يومي، أدى لضربه، وتطورت فيما بعد إلى الأعتداء الجنسي عليه. لم تكن إدارة السجن تأبه بالشكاوى، فالسجن غابة، وبعيد عن أنظار المنظمات الحقوقية.

بعد ثمانة أشهر تمكنت قوات داعش من التوغل إلى إيران عن طريق منطقة الضاحية، مما أدى إلى نشوب معركة ضروس بينها وبين حامية الجيش العراقي هناك. دمر السجن نتيجةً لذلك، وفر مُعاوية ومن معه، إلى الجنوب نحو منطقة المقدادية، شمال شرق بعقُوبة. تمكن بعدها من السير على الأقدام حتى وصل إلى بغداد الرشيد. كان في حالة يرثى عليها من قبل العدو قبل الصديق، تمكنت منظمة هناك من معالجته، وتوفير الحامية له، وتسفيره بعدها إلى السودان.

كان خبر القافلة قد شاع في معظم أروقة السودان، وبدأ السؤال يتكرر عن مدى تورط جامعة مأمون وإدارتها في عملية فتح الأبواب للمنظمات الإرهابية لمباشرة عملية إستدراج الطلاب لتحقيق أغراضهم.

لم يستمر التحقيق طويلة، لضلوع نافذين في هيئة علماء المسلمين في الأمر، وبعضهم يعمل في مكتب مساعد رئيس الجمهورية لشؤون التأصيل، ما نتج عن التحقيقات هو أن طالبت الحكومة من المنظمة الخيرية في السودان، بعدم ممارسة نشاطاتها داخل أسوار الجامعات، فما كان من المنظمة إلا أن أنشأت دار لها في منطقة بُري لمباشرة نشاطات بناء الفرد النافذ في مجتمعه الإسلامي.

حلت الطائرة هبوطاً في مطار الخرطوم، ونزل مُعاوية في كرسي، فقد أصبح مُقعداً جرّاء كم التعذيب والصعق الكهربائي الذي كان متركِزاً على قدميه.

إستقبله وفد من وزارة الداخلية، في وجود قنوات تلفزيونية عِدّة، وبعد الإجراءات البرتكولية، والتي من خلالها أرادت الحكومة إظهار إهتمامها بمواطنيها أينما كانوا.

جاءت عودة مُعاوية متزامنة مع مقتل ٢٠ سودانياً برصاص القوات المصرية كانوا في طريقهم إلى إسرائيل عبر جحيم صحراء شبه جزيرة سيناء. وفي الجانب الأخر أيضاً، إنتهاكات عانى منها لاجئين من السودان في الاراضي الأردنية الهاشمية، حيث قامت قوات الأمن بمعاملتهم بقسوة.

مُعاوية صاحب البشرة السمراء الفاتحة، الذي سهلت عليه وسامته عودته إلى أرض الوطن. عند عودته مع أسرته إلى المنزل، دخل الحمام ليغتسل. جاء والده لتوه من بورتسودان لمقابلته. طال إنتظار والده له، فأخذ ما يقارب الساعة ونصفها. بدء التوتر يظهر على أفراد الأسرة، ذهبت شقيقته لتفقد حاله، لكن دون جدوى، حاول الأب جاهدا كسر الباب الذي كان محكماً الإغلاق من الداخل. بعد محاولات كثيرة، دخلت الأسرة الحمام، لتجد مُعاوية غارقة في البانيو، فقد أصيب بجلطة شلت الجزء السفلي من جسمه، وجراء ذلك لم يتمكن من النهوض، وعطى الماء وجهه فكانت المسافة بين أنفه وسطح مياه البانيو أقل من قيد أُنملة. ها هي سُمك شعرة معاوية تمنعه الحياة…ترك معاوية رسالة على ورقة كتب عليها … هذا ما جناه أبي علي وما جنيت على أحد…قبل موت معاوية بعامين تقريباً، قطع أنصار الدولة الإسلامية رأس تمثال الفيلسوف المتشائم والمفكر المتحرر أبوعلاء المعرّي.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.