الطريق من العصيان المدني الى الانتفاضة المحمية

كان خروج السخط الشعبي من كمونه الي العلن والتعبير عنه بطريقة مبتكرة وعبقرية أمرا حتميا بعد ذلك التحمل والصبر الطويل. أن نجاح العصيان لا يحسب بالنسب المئوية أو كمية الأعداد المشاركة ولكن بتحقيق أهدافه وغاياته فالعصيان نجح في هز هيبة الدولة وقدرتها القمعية كما عزل الدولة عن شعبها ومجتمعها فوجدنا لأول مرة رئيس دولة ومسؤولين يسبون شعبهم علنا ويتحدونه وكأنهم أطفال مدارس متشاجرين. كما برهن العصيان علي وجود أشكال عديدة للمقاومة.H

كذلك أظهر العصيان وجود قوى حية جديدة معارضة اضافية.
يحتاج هذا الحراك الفريد الي عنصرين هما التراكم والاستمراية هذا مشروط بوحدة حقيقية لقوى المعارضة الرئيئسة خاصة قوى الاجماع الوطني ونداء السودان.
وهنا نجد أن السيدين الصاق المهدي وفاروق أبو عيسى مطالبين بتجاوز ما هو شخصي من استلطاف أو عدم استلطاف وتقديم مصلحة الوطني. يجب عليهما الجلوس معا وتحديد نقاط الخلاف الموضوعية والعمل علي حلها.ثم أصدار ميثاق مشترك للعمل سويا.
هناك جهد خبيث لافتعال تناقض بين حراك الشباب والأحزاب السياسية. وهنا لابد من ادراك البديهية القائلة بلا ديمقراطية بلا أحزاب سياسية. أحزابنا لديها كثير من الأخطاء والقصور ولكنهم يمثلون حقيقة تاريخية وراهنة وهي تحتاج لإصلاح داخلي وليس الإلغاء أو التجاوز وللقوى الشبابية الحق في تكوين أحزاب جديدة والمنافسة بها. هناك تجارب شبابية قامت علي الحماس والعفوية لذلك لم تنجح وقدمت التضحيات الجسام ولكن ثورته أو انتفاضته تم اختطافها كما حدث في مصر. فالنشاط العفوي المخلص قد يسقط نظاما ولكنه لا يقدم بديلا مستداما.
قامت ثورة الشباب في اوربا عام 1968 ضد النظام القديم وطالبت بتحطيم المؤسسات بالذات العائلية والدينية والحزبية والدولة نفسها وفي المانيا سموا أنفسهم أبناء الزهور (blumen kinder) خاصة الهيبيز. في إشارة رمزية لقتل الأب وعدم الانتماء لمؤسسة الأسرة. وقد قامت حركات الشباب بهز المجتمعات الأوربية الغربية ولكنهم توقفوا بسبب النفس القصير وعدم وجود تنظيم. واهتدي بعضهم الي تكوين حركة الخضر والتي تطورت حتى شاركت في بعض الأحيان في الحكومات الائتلافية .. المهم هو أن العفوية تتميز بالصدق والإخلاص ولكن كما يقال “الطريق الي الجحيم مفروش بالنوايا الطيبة”. ويهمنا كثيرا تجاهل هذه الجفوة المفتعلة بين الأحزاب والشباب بقصد تمتين وحدة قوى المعارضة. ولا صوت يعلو غوق صوت المعركة اسقاط النظام وتصفية آثار عدوانه علي الوطن واحلال البديل المستقبلي الدائم.
السؤال هو: كيف تردم الفجوة بين الأحزاب والشباب في الوقت الراهن؟البداية تكون بدخول الأحزاب بفعالية في عملية التغيير موظفة كل قدراتها وجماهيريتها في رفد الانتفاضة. البداية بحزب الأمة صاحب أكثر عدد من النواب في آخر برلمان منتخب ويتزعمه رجل مازال نشطا ومتحركا ولا يقارن بزعيم الحزب الطائفي الآخر في الجماهيرية والنشاط. ونظلمه لو وضعناه في سلة واحدة تضم “السيدين”. ولكن المهدي مطالب بتحويل قدراته وقدرات حزبه الكامنة الي قوة فعلية تغير ميزان القوة السياسي لصالح المعارضة. وفي هذه الحالة لابد أن يقوم المهدي بدور يشبه دور مقتدي الصدر في العراق والذي يملأ الشارع بالمتظاهرين لمناصرة كل قضية وطنية والا لن يقل سلبية عن “السيد” الأخر في حالة التقاعس .
ولا أظن أن المهدي أقل جماهيرية من الصدر ولكنه يحتاج فقط لروح المبادرة والاقدام . وليس المطلوب من المهدي الصدام مع النظام الدموي غير المسؤول ولكن المطلوب والمتوقع فقط هو إثبات أن الشارع ليس مع السلطة وأنها لا تملك أي سند جماهيري وأن المعارضة تملك ظهيرا شعبيا كاسحا. ورغم أن التاريخ قد طرق باب المهدي أكثر من مرة داعيا أياه أن يكون زعيما قوميا لكل السودان ولكنه في كل المرات يتشبث بموقعه كإمام للأنصار فقط وتضيع الفرصة عليه وعلى الوطن..
يتردد هذه الأيام حديث عن عودة مجانية للمهدي مما يفقد خروجه من البداية أي مبرر وكذلك وجوده في الخارج طوال الفترة الماضية. وقد بشره أمين حسن عمر بموقف النظام من مثل هذه العودة المجانية. والتاريخ لا يعيد نفسه الا في شكل مأساة واخشي أن تكون اضاعة الفرصة الأخيرة هذه ستكون قدرا أغريقيا قاسيا علي مستقبل المهدي ووجوده كزعيم حتي ولو لطائفة.
أما الحزب الثاني أو الاتحادي الديمقراطي، فهذه المخاطبة موجهة للعضوية والقواعد وليس للراعي. أنا لا أستطيع أن استوعب أن حزب الوسط ووريث مؤتمر الخريجين يضع مصيره داخل “قفطان” مولانا ويعجز عن اعادة تكوين الحزب وتنظيمه وبناء قواعده مجددا؟ ويضم الحزب كثيرا من المثقفين والمستنيرين والنشطين ولكن تنقصهم الجرأة والمجازفة ويخشون الابتعاد عن الطائفة وبركتها. لابد من اعادة بعث حزب الاتحاديين واعلان ذلك في مناسبة أعياد الاستقلال لكي يفخر الاتحاديون بتاريخهم.
أما الحركات المسلحة فيفترض أن يكون لها دور أساسي في الانتفاضة شرط أن تخرج من كهف القبلية والاقليمية وأن تعلن الحركات بطريقة واضحة الرؤية والبرامج التي تؤكد قوميتها وأن تنفي عن نفسها أي شبهة أو تهمة أو توحه عنصري أو قبلي.صعقت في الفترة الأخيرة حين صارت هذه الحركات تردد مصطلح العدائيات في وصف عملها. فقد كنت أظنها تعتبر نشاطها كفاحا مسلحا أو معارضة مسلحة وليس مجرد عدائيات. المشكلة أنها تنازلت بلا مقابل بينما استمر النظام في عدائيا ته و عدوانه كما نري في نرتتي هذه الأيام.لابد أن تنسق الحركات عملها مع الشباب والأحزاب التي اختارت المقاومة السلمية وأن تسارع في عقد لقاء معها يخرج بمانيفستو أو بيان للوحدة الوطنية يكون واضحا وجليا في تحديد المواقف المستقبلية.
ويبقي موقف الجيش الوطني حاسما ولا يمكن ان نتصور أن القوات المسلحة السودانية قد تحولت الي ميليشا عقائدية لا تحس بمعاناة أهلها وشعبها المستضعف الواقع تحت اذلال مافيا اسلاموية لأكثر من ربع قرن.
الطريق الي الانتفاضة المحمية صار ممهدا وممكنا أكثر من أي وقت مضي، شرط ألا يعلو أي صوت فوق صوت المعركة ضد النظام،
وأن تحشد كل الجهود الشعبية – بصدق واخلاص – للتعجيل بإسقاط النظام،
لأن أي يوم إضافي في عمر النظام، هو خصم من مستقبل أبنائنا وبناتنا،
وتهديد لمصير ووجود الوطن نفسه.

د. حيدر ابراهيم علي

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.