من وحي القيادة ..

من وحي القيادة ..

المتأمل لمسيرة نهضة البلدان يلاحظ ان سر تلك التقدم والاذدهار تكمن في حكمة شخصيات وطنية فذة تراعي هموم وتطلعات شعوبهم وتضع ذلك نصب اعينهم وفِي سبيله يقدمون الغالي والنفيس ودونه الأرواح تحقيقاً وكسباً لغايات تأتي ريعها لأجيال عبر الازمان.
ولا يبالون من ينهض بالقول ذوراً وبهتاناً خلفهم، وذلك فقط لأنهم في المقدمة سلماً وحرباً.
عندما تمعن النظر الي ثاني اكبر الدول من حيث عدد السكان والسابع من حيث المساحة الجغرافية ومهد حضارة وادي السند والتي استعمرت من قبل المملكة المتحدة، بعد سنوات من النضال والكفاح حتي اكتست بوشاح الحرية في أواخر العام 1947م بعزيمة وارادة قاده الأب الروحي وأيقونة نهضتها وتطورها الزعيم غاندي.
حينئذ يُبين حكمة هذا الرجل الذي سعي بكل جهده لإسعاد شعبه .
وكذا الحال في جنوب افريقيا هناك كان ضالتهم الفتي الأسمر مانديلا “الحكمة ضالة المؤمن” ماتيبا الذي أفني زهرة شبابه في خدمة معاني الانسانية وخلد نموذجاً يحتذي به الهاماً يرحل علي سماوات التحرر..
قبل ان يستقر بك الطيف علي النماذج المذكورة آنفاً، ندلف مباشرة الي الحالة السودانية المعقدة كثيراً منذ استقلالها حتي تاريخ كتابة هذة السطور.
نجد ان هناك كثير من الأزمات والابتلاءات مرت علي هذة الرقعة، وعند سبر غورها نجد غياب من يتسم بالحكمة والاتزان مع مراعاة التنوع في تركيبة المجتمع السوداني لعقود من الزمان.
في خضم هذا الغياب يلوح في الأفق الأبنوسي الدكتور جون قرنق حاملاً هم السودان بعموم شعبه وأرضه قبل الجنوب بنية صادقة وايمان ثابت لإرساء قيم الديمقراطية والمواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات.
وتقاطرت الجموع من كل حدب وصوب لاستقالبه بمطار الخرطوم بُعيد توقيعه علي “اتفاقية السلام الشامل” ولكن القدر كان أسرع من ابتسامة تعلو وجوه البراءة علي امتداد الهامش.
وبغتة يرحل الدكتور جون قرنق في ظروف غامضة أثر تحطم مروحيته علي سفوح جبال الاماتونج و تفوح منها رائحة المؤامرة الي هذة اللحظة وبرحيله غابت الحكمة المفقودة والامل المنشود ويبتر الجنوب الحبيب من جسد الوطن التي تئن وتنزف من الجراح التي لم تضمد بعد، تلك الجراح التي ظل يرقص عليها البشير وزمرته الي يومنا هذا.
وتبقي أمال الهامش معلقة علي جدران بيوتات الصفيح الساخن الي حين إشعار اخر.
ولم يمضي كثيراً من الوقت حتي ظهرت صحف الخرطوم الصفراء تستعرض علي صفحاتها شرارة ثورة الهامش بدارفور بعد أن ظلت لأكثر من عامين تطلق علي تلك الشرارة بالعصابات وقطاع الطرق كما عهدناهم دائماً بأمر من سادتهم.
عندئذ كان الإشعار ببذوغ نجم حركة العدل والمساواة السودانية بقيادة الشهيد الدكتور خليل ابراهيم محمد ضد حكومة المركز، الفتي القادم من أقاصي الغرب من منطقة الطينة حاضرة دار الزغاوة.
عند شعور الشهيد خليل بالظلم والتهميش تجاه شعبه من قبل النظام وزاده ادراكاً من خلال عمله وتنقلاته بالسلك التنفيذي والسياسي، تقدم باستقالته من الوظيفة الدستورية وعضوية الحزب قبل نحو عام من قرارات الرابع من رمضان الشهيرة.
وكان الشهيد خليل علي يقين أن هذا النظام لا يستجيب لأي إصلاحات الا عبر نضال مسلح.
لذلك عكف مباشرة الي تأسيس حركة العدل والمساواة السودانية في العام 2003، حركة ذات صبغة قومية مطلبية فريدة في أدبها السياسي والعسكري.
بدأت انتصارات الحركة تتوالي علي مليشيات النظام في كل الساحات بفضل تخطيطها وجسارة رجالها، وتقاطر مقاتليها من كل أقاليم السودان إيماناً بأدبياتها.
امتداداً لتلك الجسارة والشجاعة النادرة فضلاً عن تقدم قائدها الصفوف ومعرفة من أين تؤكل الكتف.
تحركت قوات الحركة في مايو/ أيار 2008 من فيافي إقليم دارفور صوب الخرطوم “عملية الذراع الطويل” في رسالة مفادها نقل الحرب من الهامش الي المركز لقطع راس الثعبان تماماً.
العملية التي لم يجرؤ علي تنفيذها الا خليل ورجاله، ولا مناص من تكرارها.
حينها أرتعدت فرائص الْعَدُو وولوا الأدبار بحثاً عن ملجأ أمن ريثما يستتب الأمن.
بذلك أيقن النظام بانه لا مناص من التخلص من الشهيد خليل الذي زارهم في عقر دارهم في رابعة النهار كتمرين لجولات قادمة تطيح بهم الي مذابل التاريخ، بل وأصبح المهدد الحقيقي للنظام الذي يرتعد خوفاً من اشاوس حركة العدل والمساواة السودانية أينما كانوا.
هناك عدة محاولات قام بها النظام لاغتيال الشهيد ولكنها باتت بالفشل، هذة المرة قام النظام بتنسيق مؤامرة دولية واقليمية لاغتيال الشهيد خليل ابراهيم وهو مرابط وسط جنوده في اقليم كردفان غدراً بصاروخ جوي قبيل بذوغ الصُّبْح 23/12/2011.
تمر علينا هذة الأيام الذكري الخامسة لاغتيال رجل الثورة وأب الهامش الدكتور خليل ابراهيم، والحركة في أشد حالاته بقيادة من حمل الراية بعده الدكتور جِبْرِيل ابراهيم، الرجل الهمام صاحب الحكمة والبصيرة وجل الاخلاء والخليلات يشدون من ازره وهم اكثر ثباتاً ودفاعاً لمشروع الحركة التي سألت الدماء والارواح الطاهرة من اجلها.
ختاماً نؤكد عزمنا للسير علي خطي الشهداء حتي نحقق الغايات والمقاصد باسقاط الطاغية المجرم عمر البشير وإقامة دولة المساواة لاسعاد ورفاهية الشعب السوداني جيلاً بعد جيل ويظل شهدائنا منارات للنهضة ورموزاً للحرية.
تحية مضمخة بأريج عطر الشهداء الاطهار الي الاسري في سجون النظام، الي الجرحي، الي الاخلاء بميادين الشرف والنضال، والي كل شعب الهامش. أن أشد ساعات الليل ظلمةً تعقبها الفجر، والفجر علي المشارف لا محال.
وأنها لثورة حتي النصر!

زكريا عثمان بنقو
zakariabongo@gmail.com

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.