من يردع جنرال السودان «الكيماوي»

محجوب حسينMahjoub_ Hussain-2

وعيان سياسيان سودانيان يتسيدان واجهة صراع حقل القيم السياسي السوداني، حيث الراصد لتفاعلات عناصره ومكوناته نجدها وصلت درجة من الحدة بالغة الوطأة، يصعب معها التوصيف والفهم لتقبل ترمومتر الانحراف المزعج الذي لحق بماهية صراع القيم السياسي، وبات معه من الصعب بمكان رفع الحرج عن هذا الانحراف القيمي الذي تنتجه وأنتجته قيم إسلامويي الحكم في البلاد ضد المواطنين السودانيين.
إن «الأنا» الإسلاموية التي هي الذات السياسية الحاكمة في الخرطوم في ثقافتها وشخوصها ورموزها وأيديولوجيتها وشعاراتها، باتت ذاتا منتجة للانحراف، وهي على هذا النحو، تتمثل وتتشكل حصريا في عصبة متخصصة ومبدعة، مبتكرة لصناعة وتوطين الجريمة في السودان على مدى أكثر من عقدين ونصف العقد تحت غطاء منظومة سياسية قائمة على بنية تنظيمية لشبكة علاقات لولبية متشابكة وواسعة، أنتجت معها مصالح ضخمة، ومع مرور الزمن تراكمت هذه المصالح لتتجاوز المحيط الوطني، إلى الإقليمي والدولي، مؤسسات ودولا، جميعها تعمل بماكينزمات مستترة، غير معلنة. رغم أن بعضها معلوم ومكشوف للعامة والخاصة، وتكون جلية عند اشتداد وطأة التنافس في إطار محددات صراع الحقل السوداني.
تمكنت منظومة القيم الإسلاموية وبناء على مرتكزات مرجعياتها على تصفية خلافاتها مع مراكز الرفض بآليات وحشية. مجموع هذه الدوائر التفت على عنق الدولة وبدرجات ومستويات متعددة ومن بعد تمكنت من حصار الدولة واحتكارها وألغت مفهومها وتعريفها وأي دور لعناصرها ومكوناتها ومهامها ومسؤولياتها العقدية، إلى شيء آخر تماما. هذه العصبة ترى أن منزلقات التاريخ أو انسداداته وفرت لها «حظوة سماوية» وهي غنيمة السودان، حيث تعترف بأنها ما فتئت تتحين فيها الفرص

وتخطط وسط غفلة الآخرين، للاستحواذ عليها منذ عقود إلى أن وقعت في يدها، وان ما بداخل هذه الحظوة، ليسوا أكثر من كائنات حية تمشي على أربعة! هي كائنات زاحفة ام جمادات ليست مهمة، وفي غلو واستهتار وتجن وانتقام، لكن المؤكد بشكل قاطع ليست هناك كائنات إنسانية مثيلة لذات الإسلاميين، أو هي مشابهة لها في تلك الرقعة الجغرافية المسماة بالسودان وهي واقعة عمليا تحت استعمار سلطة وصايا ثقافة الخراب.
تقابل هذه «الأنا» السودانية الحاكمة، «الآخر» السوداني، والآخر هنا، هو المجموع السوداني البشري، وفي جدلية هذه العلاقة، ثمة مفارقة في أن «الأنا»، غير معنية تماما «بالآخر»عبر اليومي ولا الحياتي ولا الإنساني، بقدر اهتمامها بما ينتجه الآخر لصالح مضارباته ومظاهر رفاهية طبقته المخيرة عند الله على غيرها من الناس وفق قناعتهم.
وبالنظر إلى كلية نظرة المقاربة، نجد الأولى، لا تعمل ولا تنتج معرفة أو شيئا آخر من شأنه أن يعنى بشؤون الناس إلا تلك الأدوات التي تؤمن لها البقاء مع ضمان الاستمرارية لشكل وحجم هذه الغنيمة التي عماد مصدرها الأساس السلطة، التي تضخ كم المصالح للأفراد والجماعات والمؤسسات، فيها الرأس السوداني، أصبح هو اللاعب الأساس، ومن دون منافس، لحفظ استمرارية تلك المصالح وبرعاية مباشرة لكل الأنشطة التخريبية، بل نجده هو الحكم بينها في حالة التعارض أو التسابق أو احتكار لأجندة التخريب، هذه الاستراتيجية التخريبية الماثلة متوفرة وموثقة وشاملة، عمت الاقتصاد والاجتماع والثقافة والأمن وتشويه قيم التعبد والتدين، لدرجة امتدت حتى إلى التحايل على قيم السماء للمزيد من مراكمة الثروة عبر السلطة.. إن الكرسي الذي يجلس عليه الجنرال الذي يشتهي رائحة الدم، وبمساءلة بسيطة له كيف بقي؟ فلندعه يجيب أو نجيب نحن، إنه بقي عبر شلالات من دماء الأرواح السودانية رغم مظاهر الرفاهية والبورجوازية التي تبدو مظهريا على الكرسي وسحنات اللحى والعباءات ناصعة البياض.
في هذا السياق، في المشهد، ثمة قيمة وطنية اخلاقية يمثلها «الآخر» السوداني الذي يعمل على تحقيق مصيره عبر آليات ممانعة ومقاومة مختلفة. والثانية، لا تعريف لها، غير العمل على إنتاج وإعادة إنتاج استمرارية دك كل القيم الوطنية وإكمال مخطط إقبار البلاد التي طالما رفض الآخر الاعتراف بكل مسوغات شرعنة استعماره الداخلي على الفعل والممارسة والإطار النظري لفلسفة التخريب التي كشفت بما لا يدع مجالا للشك ان ما يجري في البلاد، مشروع لا يحمل أي معايير إنسانية أو اخلاقية. وفي هذا صراع الحقل العام السوداني، ما بين القيمي الوطني واللاقيمي في محطاته السياسية خلال العقدين الماضيين، بأدلجة تبينت انها ضد معاني البقاء والحياة بمفهومها الواسع. استطاعت العقلية والذهنية في نمط تفكيرها القائمة على الإقصاء أو الإلغاء إلى تطوير هذه المفاهيم، لتصل إلى مرحلة، هي حرجة وعالية للانحراف في تعاطيها مع الآخر السوداني، معها هو مهدد أو رافض لبقاء سلطة وصايا التخريب على البلاد، لم تعد تنجح معها اي أدوات عقلانية أو موضوعية، كما لم تنفع معها اي فضح للممارسات الإجرامية التي هي في إتساع، أو أي بيانات للإدانة أو الشجب أو الرفض، حيث «الأنا» تعتبرها رفضا لثيمة طبيعية لفكر بنية السلطة وادواتها، والغريب ليس في عدم حدوثها بل ينبغي حدوثها وتلك هي النقطة التي ينبغي على الناس فهمها وتداركها، وتقول ، هكذا نحن باقون وسنبقى، ومن أجل فرضية البقاء، لا شيء يحدنا، لا قيمة أخلاقية ولا دينية ولا إنسانية تحدد قيمة نتمسك بها، أو أي نصوص قرآنية وأحاديث نبوية ولا أقوال للصحابة او التابعين أو اجتهادات فقهاء المذاهب أو فقهاء السلطان، كلها تصلح لهم كأدوات للاستعمال وبانتقائية مقصودة تؤمن لها بقاء واستمرار هذه الغنيمة بين بطون وأسر وقبائل وموالين ومريدين ومطبلين ومنتفعين، ما داموا جميعا في خدمة بلاط « الجنرال الكيماوي»وحاشيته الكيماوية.
في تطور لافت لبنية عقلية الإقصاء التي اتجهت نحو الإلغاء ضد مراكز الرفض، كان تقرير منظمة «أمنستي أنترناشنوال» الذي كشف مؤخرا عن استخدام نظام العصبة في الخرطوم لأسلحة كيماوية جرثومية ضد مدنيين عزل في منطقة «جبل مرة» غرب السودان، وعززت المنظمة الدولية، محل الموثوقية العالية، بآراء خبراء مختصين ومستقلين في هذه الأسلحة، هذه الشهادة الدولية التي جاءت متأخرة لأكثر من عشر سنوات، تؤكد صحة ما سبق أن نقلناه ونقله آخرون في ان ما يجري في دارفور جريمة إبادة منظمة وأن طبيعة بعض الأسلحة التي تستعملها عصبة الخرطوم هي أسلحة محرمة دوليا، خصوصا أن التشوهات المرصودة توحي بأن جزءا منها قنابل عنقودية واخرى كيميائية، ما يستدعي فتح تحقيق دولي عاجل وتطبيق القانون الدولي لردع جهات القرار السياسي في البلاد التي تنتهج عقلية الإلغاء. تمضي الايام وضحايا مجتمعات الإبادة تنتظر. في عام 2009، يصدر صك الاتهام ضد الرئيس بارتكابه جريمة الإبادة في إقليم دارفور، ويبقى في حالة واختباء إلى يومنا هذا، من دون فعل دولي واضح بإجباره على المثول أمام العدالة الدولية، جراء اختلاط للعدالة والسياسة والمصالح بشكل ينسف حتى مفهوم العدالة من معناه، حيث ليس هناك أدنى مسوغ موضوعي يمنع بشكل قاطع إجبار البشير للمثول امام العدالة الدولية متى ما اتخذت الجهات المعنية قرارا سياسيا في شأن وضعية البشير.
وفي ارتباط آخر، تأتي جريمة السلاح الكيماوي، حيث المطلوب ان تتحول هذه الجريمة إلى أحد أهم الاجندات الدولية بين دول صناعة القرار والمؤسسات المعنية، وحسنا فعلت فرنسها، الاتحاد الأوروبي ، الولايات المتحدة، بالمطالبة بفتح تحقيق دولي عاجل حول ما نشرته امنستي، وتحديد الجهات المسؤولة في استعمال هذا السلاح ومصادر الإمداد، سماسرة دوليين أو دولا، واتخاذ الإجراءات الدولية المطلوبة وفق القوانين الدولية المتعارف عليها في هذا الشأن.
على الارجح ووفق دوافع هذه العصبة قد يكون تم استعمال هذه الاسلحة المحرمة دوليا على نطاق واسع في السودان، ولن تتورع في استعمالها حتى ضد ثورة سبتمبر في حالة استمرارها داخل الخرطوم، ما دام مركز قوى المقاومة في التصعيد ضدها. عموما متى ما ثبت استعمال هذه الأسلحة من طرف فرق التحقيق الدولية المرتقبة للتحقق في هذه الجريمة، المؤكد أن لا تقع ولا تتم إلا بقرار سياسي وسيادي من اعلى سلطة سياسية في البلاد.
واقع الرئيس السوداني حرج للغاية، مركز عقل الإلغاء. إن المدخل العملي لمعالجة الازمة السودانية مع آخر منتجات عقل الإلغاء في هذه المرحلة التاريخية التي تقوم على استرداد الدولة، هو مدخل تنفيذ وتطبيق العدالة الدولية، لأن السلام واستمرار الجريمة لا يجتمعان ولا يتفقان رغم المجهودات الدولية لإحداث تسوية سياسية ما مع الخرطوم عبر ضغوطات دولية عديدة، ولكن يظل العقل الإجرامي والمجرم لا يتوقف إلا بإكمال دورته، لذا ردع عقل الإلغاء الذي لجأ إلى الكيماوي هو مدخل لإنهاء الأزمة السودانية وللأسف الرافعة هنا دولية.
كاتب سوداني
القدس العربي mahjub-hisan-2

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار, أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.