بعد خمس سنوات من الحرب، الحكومة تسكب دموع التماسيح فى المنطقتين.

د.صديق تاور كافى.

بعد خمس سنوات من الحرب، الحكومة تسكب دموع التماسيح فى المنطقتين.
=====================
عقد وفد المفاوضات الحكومى برئاسة المهندس إبراهيم محمود لقاءاً يوم السبت الماضى 19 أغسطس 2016م بقاعة الزبير بالخرطوم، بقيادات من منطقتى النيل الأزرق وجنوب كردفان، تم التركيز فيه على أسباب فشل جولة المفاوضات الأخيرة بالعاصمة الأثيوبية أديس أبابا من وجهة نظر الحكومة. وقد احتشد فى القاعة عدد ليس بالقليل من أبناء و بنات المنطقتين الذين اعتبروا اللقاء فرصة للإستماع ولإسماع صوتهم كطرف رئيس معنى مباشرة بالأمر، لما يتحمله المجتمع هناك من ويلات بسبب الحرب واستمرارها.
فحرب المنطقتين قد أكملت عامها الخامس و دخلت العام السادس بلا إنقطاع دون بروز أى أفق لنهايات تضع لها حداً، رغم المبادرات والنداءات وجولات التفاوض والوساطات التى لا تحصى.
قدم الوفد الحكومى تنويره للحاضرين بغرق فى تفاصيل التفاصيل عن الجولة الأخيرة باجتهاد شديد لتحميل غريمه (قطاع الشمال) فشل هذه الجولة وضياع فرصة تحقيق سلام لأهل النيل الأزرق و جنوب كردفان، لينتهى إلى أن المشكلة كلها تنحصر فى وجود (ياسر عرمان) على رأس وفد الحركة الشعبية المفاوض. وأكثر المهندس محمود من الحديث عن الحرب ومآسيها و معاناة الناس، قبل أن يطلب من الحاضرين التداول حول كيف نمضى نحو السلام و ضرورة ممارسة ضغط شعبى على الطرف الآخر. خلاصة حديث رئيس الوفد الحكومى هو أن حكومته تريد السلام ويؤلمها حال الناس من ضحايا الحرب و لكن قطاع الشمال وأمينه العام على وجه الخصوص هو الذى يطيل أمد الحرب ومعاناة الناس، وكأنما إذا إختفى الأخير عن المشهد سوف ينتهى كل شئ. ماعرضه المهندس محمود يمثل وجهة نظر طرف واحد من أطراف هذه الأزمة التى يتبارى طرفا الحرب فيها بإلقاء اللوم كل على الآخر فيما عباد الله من مواطنى هذه المناطق لا عزاء لهم مع أن الكل يتحدث نيابة عنهم دون أن يستأذنهم.
المنصة التى أدارها الأستاذ حسين كرشوم بطريقة مخجلة سهلت على الحاضرين فهم الغرض غير المعلن من هذا اللقاء، الذى لم يكن تنويراً من أجل التفاكر والمدارسة بأى حال بقدر ماكان لقاءاً من أجل تجيير رأى عام بإسم المنطقتين لصالح مجموعة التفاوض الحكومية، من باب (الخم) على طريقة جماعة المؤتمر الوطنى المعروفة. و هو ما أثار إستياء و استهجان أغلب الذين حضروا اللقاء. فقد كان واضحا أن هناك قائمة بعينها هى المستهدفة بالحديث للتأمين على حديث رئيس الوفد الحكومى مع بعض المشاركات الشكلية. والمشاركات القليلة التى لم تنسجم مع خطة منصة كرشوم تمت مقاطعتها بعبارة (شكرا الرسالة وصلت). ولكن ما لم يفطن له المهندس عبد المحمود ومجموعته أن الناس لا يحملون رؤوساً جوفاء وطريقة (اللم و الخم) هذه لن تلغى عقولهم ولن تطمس حقائق الواقع المشاهد والمعاش. هنالك الكثير مما يمكن أن يقال فى معرض الحديث عن الحرب والسلام فى المنطقتين و مسؤولية الأطراف اللاعبة فيها الأخلاقية والتاريخية من حيث إندلاعها والإصرار على استمرارها خاصة الحكومة وحزبها.

أولاً: حرب المنطقتين لم تبدأ مع الجولة الأخيرة للمفاوضات وإنما بدأت قبل خمسة سنوات تخللتها أكثر من عشرة جولات مفاوضات مطاطية ناتجها صفر كبير. إندلعت الحرب فى يونيو 2011م بإصرار عنيد من المؤتمر الوطنى الحاكم والحركة الشعبية-قطاع الشمال -المشارك فى الحكم مناصفة آنذاك، رغم المجهودات الكبيرة التى بذلها الغيارى من أبناء المنطقتين وأبناء السودان عموماً لمنع تجدد الحرب هناك. مثلما بذلت مجهودات أكبر لاحتواء الأزمة و منع تمددها نحو النيل الأزرق.
إلا أن إرادة الحرب لدى الطرفين قد استخفت بكل النداءات والمناشدات والمبادرات ومضى الطرفان فى ممارسة هوايتهما فى العبث بأرواح الأبرياء ومصالح الناس ومستقبل الأجيال.

ثانياً: خلال هذه السنوات الخمسة تعاملت الحكومة بإستهتار وإستهوان مع الأوضاع على الأرض وكأنما قصدت أن تنتقم من المواطنين بدلاً من أن تنظر إليهم كرعايا لهم حقوق والتزامات أخلاقية عليها.
لم تبذل الحكومة الجهد اللازم لحماية مواطنيها وفي أحيان كثيرة تركتهم يواجهون قدرهم المحتوم ببرود لا تُحسد عليه، حدث ذلك في تلودي وكلوقي وأبو كرشولا وهبيلا و دلامى والرحمانية والعباسية وغيرها، لتتوالي موجات النزوح والتشريد وفقدان مصدر الرزق وفقدان بوصلة الحياة.لم تثبت الحكومة في أى مرحلة من مراحل هذه الحرب أنها حريصة على تحقيق السلام لأن السلام ليس هو شعارات جوفاء أو عبارات تطلق علي الهواء للدعاية والإعلان.السلام هو إرادة تتمثل في الخطاب المعلن وفي السلوك الممارس من منطلق المسؤولية الأخلاقية للحكومة (أى حكومة) نحو مواطنيها بغض النظر عن ممارسات حاملي السلاح. ولكن الممارسة العملية للحكومة وحزبها هي عكس ذلك ولا تختلف عن سلوك جماعة قطاع الشمال، ليدفع الموطنون الثمن من أرواحهم واستقرارهم بين شقي الرحى.
هناك مجتمعات بكاملها في أطراف العاصمة وأطراف المدن الكبيرة بالسودان من مواطني المنطقتين في ظروف بائسة وغير إنسانية. لم تجد هذه المجتمعات من الحكومة سوى الإهمال في أحسن الأحوال .فهؤلاء يعيشون إنعدام المأوى الملائم وإنعدام الرعاية الصحية وحرمان أبناءهم من التعليم وتعيش الأمهات ملاحقات البلدية (الكشات) لبائعات الشاى والكسرة وهكذا وهكذا. والذين غلبتهم المغادرة إلي منطقة آمنة وجدوا أنفسهم في دولة اللاقانون حيث لا سلطة ولا صوت غير سلطة القوة وصوت البندقية، والشباب تتخطفه المخدرات والأمراض والجهل و افرازات الحرب.

ثالثاً:إذا كانت حكومة المهندس إبراهيم محمود صادقة في نواياها نحو السلام وحريصة عليه و على المواطنين فعلاً، فإنها لاتحتاج إلي وساطة أفريقية ولا إلي أمم متحدة ولا غيره، وإنما تحتاج إلي انتهاج السلوك المعبّر عن رغبة حقيقية في السلام وليس حديثاً في المنابر والإعلام. بمقدور حكومة إبراهيم محمود أن تعلن عن وقف دائم وشامل لإطلاق النار من جانب واحد دون أن تطلب من جماعة قطاع الشمال أى رد فعل، فقط من باب المسؤولية الأخلاقية لوقف الحرب. وهذا لا يحرم الحكومة من حق الدفاع عن النفس وعن المواطنين وتأمين مصالحهم وحركتهم وحريتهم، لأن هذه من واجبات أى حكومة.
إذن بمقدور الحكومة أن تتخذ قرارها بوقف الحرب كمسؤولية أخلاقية نحو المواطنين الذين يدفعون ثمن هذه الحرب العبثية، دونما مفاوضات أو مساومات أو مزايدات إذا هي أرادت ذلك فعلاً.
بمقدور الحكومة أن توقف العمل بقانون الطوارئ وتزيل كل مظاهر العسكرة غير النظامية وغير الضرورية وتحتفظ فقط بما يحفظ الأمن والاستقرار للمجتمع من قوات نظامية مهنية وهذه مهمة ليست صعبة. جمع السلاح غير النظامي وتفكيك المليشيات سوف يقود بالنتيجة إلي فرض دولة القانون وسلطته علي الأرض، وبالتالي يساعد علي محاصرة الجريمة والسيطرة علي الانفلاتات الأمنية، ويعيد مؤسسات العدالة إلي مكانها الطبيعي، و بالنتيجة يعيد الحياة إلي حالتها المدنية بدلا عن أجواء العسكرة السائدة.
بمقدور الحكومة كذلك أن تستنفر كل ولايات السودان بشأن النازحين وضحايا الحرب وتستصدر تشريعات وقوانيين وقرارات لتستوعب الظروف الجديدة التي فرضتها الحرب عليهم بما يقدم معالجات عملية تعويضية تخفف علي هؤلاء مصيبتهم وتجعلهم يشعرون بأن هناك حكومة مسؤولة عنهم ووطن ينتمون إليه. ليس صعباً إذا كانت الحكومة جادة فعلاً في ما تعلن بشأن السلام أن تساعد هؤلاء في المأوى وفي الرعاية الصحية والنفسية وفي مدارس الأطفال وفي فرص العمل…إلخ إلخ. هذه خطوات لا علاقة لها بجولة مفاوضات ولا بتعنت مفاوضين ولا بياسر عرمان ولاغيره، إنما هي من صميم واجبات أى حكومة لها حد أدنى من الشعور بالمسؤولية الأخلاقية نحو مواطنيها.

رابعاً: هناك مئات الآلاف من الذين نزحوا لا يستطيعون الحصول علي أوراق ثبوتية بسبب تشتت أفراد الأسرة الواحدة وهؤلاء من مختلف الأعمار. منهم من هو في سن المدرسة ومن هو في سن العمل أو الاستقرار الأسرى وغير ذلك.
هؤلاء لايستطيعون ممارسة حياتهم اليومية الطبيعية كمواطنين سودانيين فقط لأنه ليس هناك من يهتم بهم وبظروفهم، وسوف يتحولون بعد سنوات قليلة إلي مجتمع من (البدون) داخل بلدهم.

خامساً:في الوقت الذى يضطر فيه المواطنين إلي مغادرة ديارهم هرباً من جحيم الحرب وتبعاتها عليهم، ما بين تُهم جزافية وقوانين طوارئ ومضايقات أمنية وإنقطاع رزق، تنشغل الحكومات الولائية بالتخطيط وإعادة التخطيط وتوزيع الأراضي والأسواق في هذه الظروف الإستثنائية، ليعود أصحاب هذه المناطق في ظل أى سلام قادم ويجدوا أنفسهم غرباء في مناطقهم .هذا فضلا عن شركات نهب الثروات وتسميم بيئة هذه المناطق التي يمتلكها نافذين في حزب إبراهيم محمود.

سادساً: تحدث رئيس الوفد الحكومي المفاوض عن ضرورة الضغط من الشعب السوداني ومواطني المنطقتين لفرض السلام. وهذا شئ لا يُختلف حوله لأن الجميع ينشد السلام ولأن الشعب هو من يدفع ثمن الحرب.
ولكن كيف يتحقق هذا الضغط الشعبي إذا لم تتوفر للإرادة الشعبية مساحة أن تعبّر عن نفسها وتقول رأيها؟ ذلك يستوجب إفساح مناخ الحريات العامة أى إلغاء القوانين المقيدة لها، ووقف مصادرة الصحف وتجميدها، وعدم الحجر على أشكال التعبير المختلفة في الأندية العامة والساحات والدور الحزبية والجامعات والمراكز المدنية وغير ذلك.

سابعاً: لكي تعبّر هذه الإرادة الشعبية عن نفسها على الحكومة أن ترفع عنها ضغوط المعيشة والمعاناة اليومية من أجل لقمة العيش الكريم. على الحكومة أن توقف الجبايات والأتاوات وملاحقات صغار الكسبة في الأحياء والأسواق .عليها أن تعيد النظر في الجمارك الخرافية المفروضة على كل الضروريات، وأن تعيد النظر في الضرائب الباهظة على الأفراد والشركات والنقل والبضائع والسلع الضرورية، الضرائب التى لا تذكّر إلا بعهد الإستعمار التركي. عليها أن تقوم بواجبها الرسمي في تقديم الخدمات للمواطنين في التعليم والصحة والمياه و الكهرباء. هذه ليست شروطاً تعجيزية أو خيالات إذا أوقفت بنود الصرف البذخي على شريحة الحكام وأسرهم ومحاسيبهم وحُرّاسهم مثل السيارات المليارية وناطحات السحاب والرحلات العلاجية السياحية، وإذا أعيد المال العام المنهوب وإذا وُجّهت موارد البلاد نحو مجالاتها الصحيحة .
هذا هو المناخ الذى من خلاله يمكن أن تعبّر فيه الإرادة الشعبية عن نفسها بصدق، وتفرض رؤيتها حول السلام المنشود على كل الأطراف بل وتحمي السلام نفسه.

ثامناً: إن محاولات تصوير المشكلة على أنها تنحصر في الأمين العام لقطاع الشمال (ياسر عرمان) هو تبسيط لا يخلو من إستخفاف بالعقول وتصوير لعرمان بأكبر من حجمه الطبيعي. فالحق الذى يسلبه الوفد الحكومي لقطاع الشمال بخصوص رئاسة عرمان للأخير، ينسحب على المهندس عبد المحمود نفسه وعلى البروف غندور وعلى كمال عبيد وعلى أمين حسن عمر، وهذا المنحى لا يفيد الحل ولن يغير شيئاً في مسار الأزمة.

أخيراً بقي أن نقول إن طريقة تعامل حزب السلطة و التسلط مع قضية الحرب والسلام فى المنطقتين تفيد بأنه لم يتعلم شيئا من دروس هذه السنوات الطويلة ولا يريد أن يتعلم. فهو لا يزال ينظر بمنظار التعالي على إرادة المواطنين ووعيهم، ولا يزال حبيس سكرة السلطة، مع أن تجربة سنين الإنقاذ العجاف قد علّمت المواطن السوداني البسيط كيف يميّز الخطاب الصادق عن الخطاب المزيف والدمع الثخين عن دموع التماسيح.
____________________
#الهدف
تصدر عن حزب البعث العربي الاشتراكي “الأصل”

للمزيد من الأخبار تابعوا صفحتنا على فيسبوك:
https://m.facebook.com/hadafsd/

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.