مسؤولية الخرطوم في «تخريب» منبر الدوحة لسلام الأزمة السودانية في دارفور

محجوب حسين
mahjub hissain 1أهم ردود الفعل السياسية هي كلمة «ترحيب» الخرطوم بالمحادثات التي جمعت حركتي العدل والمساواة السودانية وتحرير السودان، قيادة مناوي، إلى السيد أحمد بن عبدالله آل محمود، نائب رئيس مجلس الوزراء القطري، والدكتور مارتن أوهومويبهي، الممثل الخاص المشترك والوسيط المشترك للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، رئيس بعثة (اليوناميد) في دارفور، يومي 30/31 مايو، الأسبوع الماضي في العاصمة القطرية، الدوحة، لبحث آفاق مبتكرة وجديدة لعملية السلام السودانية التي تعددت منابرها وجهات الاختصاص والتفويض الدولية، وسط تقاطعات ومصالح دولية وإقليمية ووطنية سودانية جد كثيفة.
هذه المباحثات، جاءت امتدادا لمشاورات سابقة مع نائب رئيس الوزراء القطري في العاصمة الفرنسية باريس في 10 يناير، العام الجاري، التي تبعتها رؤية سياسية متكاملة قدمتها الحركتان للجهات المعنية عبر الوساطة القطرية.
الأمل كان معقودا في أن تحدث هذه المحادثات التي امتدت ليومين في أشغال مستمرة اختراقا ما يتجاوز الثابت إلى المتغير وإلى العقلاني الذي يتوافق ومعامل تحول القضية السودانية في عمومها ودارفور في دراماتيكيتها التي تحولت إلى حقل لتلاعب السياسة والساسة في الخرطوم، بوعي ومخطط واستراتيجية متكاملة، تعلم فيها المآلات النهائية التي فرضها الحراك التاريخي السياسي، الثقافي في الغرب الكبير للسودان، الذي يؤسس لتوازن قوى سياسي مجتمعي مغاير من بنية الدولة الافتراضية القائمة في السودان لعقود، بناء على تحالفات تحتية تغطى بعباءات وطنية في لعبة تكشفت عنوانها إلى دولة حقيقية، فيما نتائجها هي حتمية، كما تقول جدليات التاريخ.
وفي نظرة كلية للأزمة السودانية في دارفور، لا يمكن ان تفصل المحادثات السياسية التي جرت مؤخرا في الدوحة عن سياق الأزمة السودانية التي تتجه إلى التسوية السياسية بين الأطراف مجتمعة، لغاية الوصول سلما وبرضائية واقعية وفقا لمنطق الأشياء، قد تسمح بتعريف لماهية السودان من جديد، وفي جغرافيته وشعوبه وعقده الاجتماعي، وهذا لا يتم إلا بفتح ملف السودان في شموليته للأسئلة والأسئلة المضادة للتشريح والتفكيك لمعرفتها، ومن ثم الإجابة قصد إبداع الحلول، التي تمكن الجميع في بحث إمكانية العيش المشترك في دولة اختلت فيها كل القيم والأسس، وأصبح إنسانه يبحث عن أنسنة لإنسانيته بالدرجة الأولى، قبل الوصول إلى الاستحقاقات المادية والمعنوية الأخرى.
يكفي مشهد نفر يصطف ليؤدي ما يعرف بالقسم الدستوري أمام «السلطان» باسم الدولة الافتراضية أو شرعة الدستور الممنوح، فيما وعي أو لاوعي «السلطان» قائل، خضوع العبد لسيده، او هو تجديد عقد ولاء العبودية غير المعلن.
جاءت محادثات الدوحة وسط رصد وترقب سياسيين كبيرين ومن دوائر مختلفة، في المعارضة والحكم، رغم كونها عادية بالنظر إلى محطات ونقلات أزمة دارفور السودانية، منذ أنجمينا وأبوجا وأروشا وطرابلس والدوحة، فيما استثنائيتها هذه المرة هي في نظرة شمولية الحل الجذري للأزمة التاريخية بين السودان والسودانيين، أو بالاحرى بين الخرطوم والسودانيين التي تعبر سياسيا «بالحل الشامل»، رغم ضبابيته ولكنه مفهوم في دلالته وأزمة الغرب الكبير جزء من هذا الحل.
المحادثات التي جرت، فتحت الباب للنقاش ومواصلته، وأجابت على بعض الإجراءات الشكلية، فيما النقطة المركزية ما زالت مغلقة، وتتعلق بالوثيقة، التي خضعت للمساءلة عما حققت وأنتجت، وفيما لم تحقق في الواقع. والمساءلة هنا تعني الحكومة السودانية التي تتحمل مسؤولية عدم التقدم في إحراز الاختراق المطلوب، بممانعة قاطعة لكل المحاولات للابتكار حتى تتواءم ومعطيات الواقع، أرادت الخرطوم إعادة إنتاج ذاتها عبر إفراغ متن الأزمة والصراع كالعادة، التي تحولت إلى عرف وقانون طبيعيين ينتميان إلى كريم معتقدات الهيمنة في قضية شعب وأرواح إنسانية، طبعا، ليست هي كإنسانية بنغازي التي تدخل الأطلسي لحمايتها قبل إصدار قرار دولي، وبالتالي الإستراتيجية واحدة والمخطط مبرمج، يجب إفراغ قضية دارفور عبر أهلها لا غير، تسير في لولبية ودائرية كهذه حتى تتآكل وحدها، من دون ان تحسب للمفاجآت والمغامرات التي قد تقع وتفسر عندئذ تداعيات لظاهرة إنسان يبحث عن إنسانيته.
الخرطوم نجحت مرة ثانية في «تخريب» منبر الدوحة لسلام دارفور، وعقدت بذلك اي مجهودات تقوم بها الوساطة القطرية والدولية المشتركة «يوناميد»، وفي حال كهذه كان طبيعا أن ترحب الخرطوم بتخريبها للمساعي الدولية والإقليمية بشكل ملحوظ، وبالمقابل وضعت يديها على مسار «أديس ابابا» عندما وقعت منفردة في «لعبة» رئيس اللجنة رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب أفريقي السابق ثابومبيكي، إن حسم الخرطوم أو إجبارها على الانصياع، لا يتم إلا بالأدوات ذاتها التي أسس بها البشير حكمه. وتلك هي قضية أخرى، أو أن تتخلى الرافعة الدولية عن مصالحها معه وتحوله من «رمز» للسيادة إلى رمز للإجرام، عندئذ سوف تحل الأزمة السودانية، من دون مجهود. لأن عقل الجريمة والإجرام، جاء سياسيا أو أيديولوجيا.
٭ كاتب سوداني مقيم فى لندن

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.