هل يكون البشير الرئيس الأخير للسودان؟

يقول الفريق الطيب عبد الرحمن مختار إنه قد تلقى دعوة شخصية للمشاركة في سمنار نظم في جامعة اكسفورد عام 2008 حول مشكلة دارفور . اهتم منظمو السمنار بتوجيه الدعوة للفريق الطيب باعتباره مديراً سابقاً لشرطة الإقليم قبل أن تجتاحه حالة الاضطراب .. يواصل القيادي السابق في الشرطة السودانية سرده فيقول إن خريطة لأفريقيا عرضت على المشاركين , في اليوم الثالث للسمنار . كان عنوان الخريطة New Map of Africa , و قد تملك العجب و الصدمة محدثنا عندما افتقد السودان في خريطة أفريقيا الجديدة , حيث برزت بوضوح دولة جنوب السودان منذ تاريخ السمنار الذي سبق الإعلان الرسمي عن فصل الجنوب بأكثر من ثلاث سنوات , و ظهرت في الخريطة دولة كبيرة في غرب أفريقيا تضم دارفور و جزءاً كبيراً من كردفان و جزءاً من الولاية الشمالية و دولاً مثل تشاد و النيجر و مالي . و في ناحية الشرق دولة كبيرة في القرن الأفريقي ضمت إليها كل ولايات شرق السودان الحالية , أي القضارف و كسلا و البحر الأحمر بجانب شرق ولاية نهر النيل . و بقى من السودان الحالي شريط متاخم للنيل يمتد جنوب الخرطوم , لكن واضعي الخريطة أبقوا هذا الجزء بلا اسم.

لا أظن و لا أظن أن القارئ يظن أن منظمي ذلك السمنار قد عرضوا تلك الخريطة من باب التسلية , فهي أبلغ دليل على خطة بعيدة لا يكتفي أصحابها بإعادة رسم خريطة افريقيا على الورق ..

يبدو واضحاً أن التغيير الديمغرافي هو أساس خطة (توزيع) السودان , و لا أقول تقسيمه , فالإقليم المتاخم لولاية القضارف في اثيوبيا , يسكنه خمسة و ثلاثون مليونا بينما يبلغ سكان الولاية السودانية بالكاد مليونا و نصف المليون . هذا وضع لا يستغرب معه تدفق سكاني من جهة الشرق على الولاية الخالية ذات الأراضي الخصبة , فإذا ما اقترن الزحف السكاني الإثيوبي بخطة حكومية إثيوبية مع رؤية مستقبلية لأفريقيا من قوى خارج القارة , يكون الوجود الإثيوبي ـ الذي بات كثيفاً في السودان ـ ضمن خطة التوزيع القادمة . و ليس بالضرورة أن يعلم الشفتة المسلحون أو المهاجرون المسالمون أو سائقو الركشات و الحلاقون و عمال المقاهي و المطاعم و العاملات في المنازل , أنهم ينفذون خطة بعيدة المدى . فإذا علموا , أو علم بعضهم , يكون التنفيذ أسرع و أوقع.

أما في غرب السودان , فقد تمت تغطية التغيير السكاني بإيهام الحكومة بترجيح الكفة العسكرية لصالحها من خلال تدفق سكاني جديد , و انطلت الخطة عندما أعان الوافدون الجدد الحكومة كثيراً في محاربة الحركات المسلحة في دارفور , عوناً كانت الحكومة في اشد الحاجة إليه . و قد أعمت الحاجة الحكومة عن رؤية حقيقة أخرى في جانب آخر من المشهد , هي أنها تنفذ خطة غيرها بتغيير سكاني يمهد لإعادة رسم خريطة المنطقة بما يجعل السودان أثراً بعد عين.

لقد نفذ الجزء الأول في الخريطة بفصل الجنوب , حيث لم يكن واضعو الخطة ينتظرون نتيجة استفتاء , هو بمثابة إضفاء الشكل القانوني لقرار اتخذ سلفاً . و تبقت المراحل الأخطر في خطة توزيع السودان.

هذه الخطة ـ أو قل المؤامرة إن شئت ـ يمكن تنفيذها بسهولة ما دامت وراءها جهات تخطط بدقة لعقود و قرون قادمة , و تملك إمكانات ضخمة تؤهلها لتنفيذ مخططاتها . و لا تفشل هذه الخطط أو المؤامرات إلا في حالة واحدة , هي وجود إرادة وطنية مضادة , فهل تشير المعطيات إلى وجود هذه الإرادة الضرورية؟

(نقلا عن صحيفة الراكوبة الالكترونية)

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.