سقوط الخرطوم مسألة وقت لا أكثر

إنقلاب حميدتي
سقوط الخرطوم مسألة وقت لا أكثر
ابراهيم سليمان أبوناجي
وحتى أكون أكثر وضوحاً، فإن سقوط الخرطوم في أيدي قوات الجنجويد وتنصيب الجنرال حميدتي رئيساً لهذا الوطن المتشرذم مسألة وقت لا أكثر، لأن كل الشواهد على أرض الواقع تدعم ذلك، وكل ذي بصيرة يعيش ويعايش ما يدور في أرض الوطن لا يمكن أن يسقط شواهد الأحداث من حساباته…!!
ولما لا؟ فكل المعطيات تؤدي الى ذلك، كل السيناريوهات تجعل من القائد حميدتي ألا يفكر ويطمح بغير ذلك بعد أن صنعه وأوجده من العدم أؤلئك الذين خانوا الوطن ودمروه ولا هم لهم سوى التشبث بكراسي هم يعرفون جيدا إنها لن تدوم لهم، فلو صرف النظام ثلث ما صرفه لهذه القوات المنفلتة وقوى بها الجيش الوطني وقوات الشرطة لتوقفت الحرب في كل الجبهات وتأمنت حدود الوطن وعاش الناس في سلام، لو صرف هذا النظام المتهالك ربع ما صرفه لهذه القوات للبنى التحتية والصحة والتعليم وتصالح مع مواطنيه بتوفير وتحسين ظروف العمل والمعيشة لوجد من يتصالح معه، لكنه للأسف فعل المستحيل لتدمير كل شيء ليخلق لنفسه في النهاية من سيأتي ببنيانه ساقطاً ليخر سقفه عليه، 27 عاماً وهذا النظام لا يفعل شيئاً سوى إبعاد الشباب وتدمير طاقاتهم برفدهم للشارع وتعطيلهم لا لشيء إلا لأنهم لا يؤمنون بأيدولوجياته، وفي المقابل يكتنز أفراده كل مدخول للبلد على قلته بعد أن عطلوا كل مشاريع الإنتاج الزراعية والصناعية، حولوا البلد لعزبة تخصهم مما خلق الأحقاد والضغائن بين أبناء الوطن الواحد، فعل النظام كل شيء ليفرق بين مكونات هذا المجتمع المتسامح، جلب لنفسه العداء والبغضاء بمحاربة مواطنيه بدلاً من أن يتصالح معهم، تجاسر وذهب في غيه حتى كره الشعب في وطنه بعد أن سلبهم أبسط حقوق المواطنة في الحرية والعدل والمساواة، ومن لم يجد هذه الحقوق في وطنه فأي وطن وأرض تمنحه إياها..؟، عطل الشعب والشباب القادر على العطاء وكرس كل جهده لجعله غير منتج ولهيه بتوافه الأمور من الأغاني وقنوات لا تبث سوى مزيداً من الخواء الفكري، حتى أصبحت أمنية كل شاب وفتاة أن يكون مغنياً، وصدق زعيم النازية حين إحتل فرنسا يوماً”عندما سقطت العاصمة الفرنسية “باريس” على يد النازيين عام 1940، زار هتلر قبر نابليون بونابرت و إنحنى له بكل إحترام قائلاً له : “عزيزي نابليون، سامحني لأني هزمت بلدك، لكن يجب أن تعرف أن شعبك كان مشغولاً بقياس أزياء النساء بينما شعبي كان مشغولاً بقياس فوهات المدافع و البنادق”
ألا ينطبق هذا القول اليوم تماماً علي شعب مشغول بالمسلسلات و الأفلام والأغاني وتوافه الأمور، بينما يعمل حميدتي جاهداً على الإنتشار في كافة أنحاء الوطن، حتى أحكم قبضته على العاصمة وطوقها تماماً..؟
إذن فكيف أصبح حميدتي قوة ضاربة يهابه حتى الذين صنعوه، كيف شرب القهوة في الدبة وغداً في كرمة وحلفا خلال أقل من خمسة سنوات بعد أن فشل جون قرنق على شربها في شندي وظل يحلم بها طيلة 22 عاماً وعندما حان له الوقت ذهب إلى مرقده الأبدي..؟ ببساطة لأن حميدتي طلع أذكى من الجميع، بذكائه سحب البساط من تحت أرجل خاله موسى هلال لأنه كان القائد الميداني الأقوى لقواته فأنشق وأصبح هو الزعيم المصادم، بذكائه خدع نظام الغابة في الخرطوم مرة ومرتين وثلاثة.
أولها: عندما تبنى قضية الحرب في دارفور نيابة عنهم فوضعوا له ميزانية مفتوحة من المال والعتاد الحربي خصماً على ميزانية الجيش والموازنة العامة للدولة، تسلح الرجل وكبر كومه بعدد الرجال والأسلحة دون تحقيق أي إنتصارات تذكر على الذين يحملون السلاح في دارفور، فلا إنتهت الحرب ولا وضع من يحملون السلاح سلاحهم جانباً في دارفور، وعلى عكس ذلك توسعت الحرب وأصبحت كارثية.
ثانيها: عندما سمحوا له بالتمدد والإنتشار في كلا ولايتي دارفور وكردفان في قوافل لا تعدوا عن كونها فرض عضلات ومظاهر كضابة دون الدخول في معارك حقيقية لإثبات قدرتهم القتالية، وعلى العكس من ذلك كانت مظاهر الرجولة هي في حوادث السلب والنهب المتكررة ضد المواطنين الأبرياء وهو الشيء الذي إعتادت عليه هذه القوات منذ بدايات تكوينها بحرق القرى ومزارع البسطاء الآمنين من أهل دارفور لتشريدهم.
ثالثها: إستمرار إيمان النظام بهذه القوات وقائدها والصرف لها بسخاء من ميزانية الدولة وتسميتها بقوات “الدعم السريع” وهي لا تعدو عن كونها قوات منفلتة خارجة عن القانون رغم أنف النظام نفسه، وكانت المخاطرة الأكبر عند جلبها للعاصمة لتطويق حزامها، وهذه كانت ثالثة الأسافي والخطأ الأكبر الذي إرتكبه بشير النظام بتقريب من يظنه أنه قادر على حمايته، وهي في الحقيقة كانت لحظة العمر التي ينتظرها حميدتي ليكون في العمق، هنا وضح جلياً أن الجيش والشرطة ما هما إلا مخالب قط لا يقدران على شيء، أطمأن حميدتي على كل هذا وعرف بأنه رقم لا يمكن تجاوزه بل أنه فوق الجميع، حتى تجرأ وصرح بأنه هو الذي يحارب ويحمي وهو الأحق بزعامة الجيش في منصب وزير الدفاع…!! أتوا به الى العاصمة وفي ظنهم أنه الوحيد الذي سيحميهم متناسين بأنهم قد وجهوا أكبر لطمة في جبين الجيش والشرطة، متناسين بأن الذي تمرد وأنشق على خاله وسمحوا له بالتمدد بقواته في دارفور وكردفان والجزيرة وسنار والنيل الأزرق والخرطوم والشمالية سيكون مجرد فرد أمن يحميهم لينعموا بالنعيم المسروق من الشعب…!! سمحوا له بالإستعراض في كل مدن ووديان البلد وبمالهم الذي يغدقون عليه ويريدونه مجرد فرد أمن بعد أن أصبحت قواته تخيف الشرطة والجيش معاً، وبعد أن أتوا به من الصحراء الى المدن، وأصبح يتفقد ويعرف أدق تفاصيل ثكنات الجيش ومراكز الشرطة ومكامن القوة والضعف، حتماً أنه لا يفكر كما يظنون، أصبح الرجل يسير قوافله وجنوده بالسلاح لثكنات الجيش ليرعب أفراده ويستعرض عضلاته لا ليحمي، فقط ليقول هأنذا وكان آخرها في الدبة أقصى الشمال..!!
والآن هل يحارب حميدتي وجنوده أؤلئك الذين يحملون السلاح في دارفور وكردفان وهو السبب الذي لأجله دعمه النظام وصرف عليه المليارات من أموال الشعب..؟ لماذا توقف تماماً عن القتال وإكتفى بتنظيم صفوفه والتمترس حول الخرطوم والمدن الكبرى في الوسط والشمال..؟
والإجابة هي إن طموح حميدتي الآن هو الإنقلاب على السلطة والإمساك بذمرة النظام التي تظن أنه حاميها من الشعب، ولماذا يحارب شعباً أعزلاً ولأجل من يضحي ويجلب السخط على نفسه..؟، إنه الآن في سباق مع الوقت لإستقطاب أكبر عدد من أفراد الجيش والشرطة وربما بعض القيادات التي رفدها النظام للصالح العام، إنه يبحث عن مداخل لتقنين إنقلابه القادم، فقد طوق العاصمة ولن تستطيع أي قوة أن تسحبه منها بعد أن دخلها بإرادتهم وعرف أدق مكامن القوة والضعف لهذا النظام الذي باع وإشترى في شعبه وتراب الوطن، القائد حميدتي أذكى من الجميع يا من تظنون أنه أتى ليحميكم من شعب أعزل…!!
…أبوناجي…
..
.
#الجنجويد #حميدتي #حرامي_الحمير

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.