المعارضة السودانية تكتوي بنار التحولات في السياسة الأميركية

انقسام قوى المعارضة بشأن خارطة الطريق يمثل هدية ثمينة للبشير، الذي لطالما أحسن استغلال خلافات هذه القوى لإبقاء سيطرته على السودان.
العرب

Addis-Ababa

الرهان على القواعد

الخرطوم – يواجه تحالف نداء السودان المعارض لنظام الرئيس عمر حسن البشير ضغوطا من قبل الولايات المتحدة للقبول بخارطة الطريق التي طرحها الوسيط الأفريقي ثابو إمبيكي.
وكثف مبعوث الرئيس الأميركي للسودان دونالد بوث من ضغوطه في الفترة الأخيرة على التحالف الذي يضم مجموعة من الأحزاب السياسية والحركات المسلحة لإنجاح خطة إمبيكي التي وقّعت عليها الحكومة السودانية من طرف واحد.

وأحدثت هذه الضغوط انقسامات داخل “نداء السودان” وهو ما بدا جليا في تصريحات القوى المنتمية إليه.

وفيما أكدت كل من الحركة الشعبية (شمال)، وحركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة أنها غير معنية كليا بخارطة الطريق المطروحة، باعتبارها تتبنى وجهة النظام، متهمة الوسيط الأفريقي بالانحياز، أبدى رئيس حزب الأمة الصادق المهدي مرونة كبيرة حيالها.

وشدد المهدي على ضرورة العمل على تصعيد عزلة النظام بإحياء منبر إمبيكي بصورة تؤيد إيجابيات خارطة الطريق وتحرص على إزالة عيوبها.

وقال إن التردد في ولوج هذا الطريق يساعد النظام على الطعن في جدية أطراف نداء السودان. واعتبر أن تصرفات بعض حلفائه تساهم في هزيمة العناصر الدولية المنحازة لموقف المعارضة، وتساعد العناصر الدولية المنحازة للنظام.

حالة الانقسام بين قوى المعارضة على خارطة الطريق تمثل هدية ثمينة للرئيس عمر البشير، الذي لطالما أحسن استغلال خلافات هذه القوى لإبقاء سيطرته على المشهد في السودان.

والمثير في الأمر أن الولايات المتحدة الأميركية هي التي قدمت له هذه الهدية “وعلى طبق من فضة”.

وجدير بالتذكير أن الولايات المتحدة كانت خير داعم للمعارضة منذ وصول الرئيس عمر البشير إلى الحكم وازداد هذا الدعم في تسعينات القرن العشرين، ولكن بدأ المحللون يستشعرون انحساره خلال السنوات الأخيرة.

ويرى البعض أن التحول الأميركي تجاه الأوضاع السياسية في السودان حدث بالفعل، إلا أن ذلك من الصعب أن يكون مقدمة لفك الكثير من الشفرات السياسية والاقتصادية، وأهمها رفع العقوبات المفروضة على السودان، لأن هذه الورقة تستخدمها واشنطن منذ فترة للضغط على نظام الرئيس عمر البشير، كلما دعت الضرورة إلى ذلك.

وأدرجت الولايات المتحدة السودان ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب في العام 1993 بسبب إيوائه “لمتشددين محليين ودوليين من بينهم أسامة بن لادن زعيم القاعدة في تلك الفترة”، وتم فرض عقوبات اقتصادية عليه في العام 1997.

وقال سلمان سري المحلل السياسي السوداني لـ”العرب”، إن الضغوط الأميركية على المعارضة جاءت بعد التقارب الملحوظ بين النظام والمجتمع الدولي، وهو تقارب له علاقة بحسابات كل طرف الإقليمية منها والدولية. فالخرطوم تحاول أن تخفف أو تلغي العقوبات المفروضة عليها منذ عام 1997، ولذلك سارعت بالتوقيع على خارطة ثابو إمبيكي لإثبات حسن النوايا، والمجتمع الدولي يحاول القضاء على الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا حيث يعتبر السودان إحدى البوابات الرئيسية لها.

وأضاف سري أن واشنطن تستغل النظام السوداني الذي يملك شبكة من العلاقات القوية مع الإسلاميين، بمختلف توجهاتهم، من أجل الكشف عن المجموعات الإرهابية وتسليم بعض المطلوبين أمنياً لديها، كما أنها تحاول أن توظف السودان في قضية محاربة الإرهاب ومنع تمدده في أفريقيا.

وفي اعتقاد بعض المراقبين أن الولايات المتحدة تربط ترمومتر الضغط على النظام السوداني بما هو مطلوب منه من استحقاقات، فقد كانت لينة مثلا حتى تم تنفيذ سيناريو فصل جنوب السودان، والآن تسعى إلى الاستفادة منه للحفاظ على عدم تدهور الأوضاع في جنوب السودان، حيث تخوض الدولة الوليدة حربا أهلية منذ عامين.

وقال أيمن شبانه أستاذ العلوم السياسية في معهد البحوث الأفريقية بالقاهرة، في تصريحات لـ”العرب”، إن المعارضة السودانية سوف تستجيب في النهاية إلى الضغوط الأميركية، مشيراً إلى أن السلام في السودان ظل بشكل أو بآخر مرتبطا برغبة خارجية، وبالتالي فمسألة الضغوط بالنسبة إلى المعارضة عملية متوقعة.

وأكد شبانه أن ما يزيد من تفاقم المشكلة لدى المعارضة أنها ظلت تسعى إلى دفع المجتمع الدولي للضغط على النظام في مختلف القضايا، وكانت تعول عليه كثيرا في الحصول على مكاسب سياسية، دون أن يقابل ذلك أيّ جهود لتقوية وجودها الداخلي.

كما أن الانتصارات العسكرية التي حققتها القوات السودانية في مسارح العمليات في جنوب كردفان مؤخرا، تشكل ضربة كبرى جديدة للمعارضة، خاصة الحركة الشعبية التي تتخذ من ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان مسرحا لعملياتها المسلحة منذ فترة.

وفي خطوة وصفها مراقبون بالمناورة أعلن الرئيس البشير وقفا لإطلاق النار لمدة أربعة أشهر في الولايتين.

ويريد البشير تثبيت المعارضة وخاصة المسلحة منها في الزاوية، ومزيد إحراجها أمام الغرب، من خلال إظهارها في صورة الرافض لأيّ خطوة نحو السلام.

وإدراكا منها لنوايا النظام الذي خبرت مناوراته، دعته الحركة الشعبية “لإرسال وفوده فورا إلى أديس أبابا للجلوس في إطار الوساطة الأفريقية لتفعيل وقف إطلاق النار والوصول إلى آليات لمراقبة وقف الأعمال العدائية في إطار عملية سلمية شاملة”.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.