ادركوا جامعة الخرطوم

الكاتب : الطيب مصطفى
ويذود وزير السياحة والآثار محمد أبوزيد عن عرين مصداقيته (ويحطم) تصريح وزيرة التعليم العالي د.سمية أبوكشوة بتأكيد جديد وقول فصل قطع به قول كل خطيب بأن جامعة الخرطوم أصبحت بل صارت في مهب الريح وأن قرار نقلها وإخلائها ، كلها وليس بعض كلياتها ، صادر من مجلس الوزراء وليس من وزارة السياحة فقد كرر الرجل مجدداً لصحيفة (اليوم التالي) تأكيده أن جامعة الخرطوم ما عادت إلا قطعة أرض أثرية تابعة لوزارة السياحة.
يبدو أنها علامات الساعة تطل على بلادنا المنكوبة هذه الأيام حيث تلد الأمة ربتها ويتسيد الفرع على الأصل وتؤتى وزارة منبتة الأصل تسمى بوزارة السياحة ، لا طعم لها ولا لون ولا رائحة ولا تاريخ ولا حاضر وربما لا مستقبل ..تؤتى تلك المكانة العلية وترتقي ذلك المرتقى الصعب لتصبح ، في غفلة من الزمان ، سيدة على جامعة الخرطوم وما أدراك ما جامعة الخرطوم. فالليالي من الزمان حبالى مثقلات يلدن كل عجيب.
أنا مندهش ورب الكعبة ! هل تدرك هذه الحكومة حقيقة أفعالها أم أنها في حالة غيبوبة أو جنون يجعلها تخبط كما العشواء وتخلط بين الصحيح والخطأ والحق والباطل والخير والشر ؟.
خبروني بربكم هل يعقل أن تفكر الدول الأوربية مثلاً في نقل جامعة اوكسفورد أو كيمبريدج من موقعهما الحالي في لندن والذي مضت عليه مئات السنين لتصبح أرضهما مزارا سياحيا؟. وهل تفكر فرنسا في نقل جامعة السوربون مثلا لتحيلها إلى مزار سياحي؟. بل هل يمكن أن تفكر مصر التي تدر عليها السياحة 15 مليار دولار في العام في تحويل جامعة القاهرة أو جامعة الأزهر إلى منطقة سياحية؟. وما هي قيمة السياحة في بلادنا؟. وما هو إيرادها في خزانة دولتنا الخاوية لنضحي بأعظم صروحنا الوطنية بدون أدنى مبرر غير التخبط والعشوائية التي أحالت بلادنا إلى يباب؟.
وزير السياحة الذي يحمد له أن بصرنا بدون لف ولا دوران بالحقيقة بعيداً عن (اللولوة) التي لن تغني عن الحق شيئاً لم يكشف لنا السبب الذي جعل مجلس الوزراء يُبقي وزارة المالية والقصر الجمهوري في موقعهما (الأثري) السابق بينما قذف بجامعة الخرطوم إلى سوبا.
لماذا تصر هذه الحكومة على إعادة سيرة نيرون وهو يحرق روما وعلى طمس تاريخ بلاده وتحطيم كل شيء جميل فيها؟ .
هل يعقل أن نسكت على نقل جامعة الخرطوم التي أغلق اتحاد طلابها منذ سنوات وهو الذي ظل حياً على الدوام يقود التحولات الوطنية الكبرى طوال تاريخه الوضيء حتى في أيام الاستعمار بينما ينهى دوره الآن ويبقى صامتاً مكتوم الصوت حتى في التصدي لأكبر محنة تستهدف جامعته التي قاد منها أكبر الثورات في تاريخ السودان؟.
هل تباع جامعة الخرطوم وينتهي ذلك الإرث الشامخ كما انتهت المشاريع القومية الكبري مثل مشروع الجزيرة والسكة حديد والنقل النهري والخطوط الجوية السودانية وخط هيثرو؟. وهل تساوي كل تلك المشاريع الكبرى القيمة الحضارية والوطنية لجامعة الخرطوم؟.
هل يعقل أن يعتبر نقل جامعة الخرطوم بكل ما تمثله في وجدان الشعب السوداني وفي هذا الوطن المسمى بالسودان مثل نقل أو تحطيم أي مبنى عشوائي في أي من شوارع وأحياء الخرطوم؟. ثم هل نسي ولاة أمرنا أن نقل بعض القرى لإقامة مشروعات تنمية أو سدود بدون ترتيب الأمر بصورة لائقة تسبب في احتقانات وتوترات مات جراءها مواطنون وظلت محفورة في وجدان هذا الشعب المغلوب على أمره؟ هل نسوا الجرح الغائر الذي أدمى قلوب أبناء حلفا القديمة وهم يتناقلون أخبار أرض الأجداد التي طمرت بلا مقابل في ليل حالك السواد؟ ألم يؤلمهم تاريخ مدارسنا القومية الكبرى حنتوب وطقت ووادي سيدنا والتي وئدت تحت الأنقاض بدون أدنى سبب غير قصر النظر وسوء التخطيط الذي أورث بلادنا تخلفاً وتقهقراً وتخبطا هوى بها إلى القاع؟.
إن ما يحيرني تلك (اللولوة) بعد أن أسكت وزير السياحة كل (المتزاوغين) عن قول الحقيقة ..حقيقة أن قراراً لمجلس الوزراء قد صدر وأن مخططاً هيكلياً قد أقيم بناء على ذلك القرار، ولست أدري ماذا ينتظر مدير الجامعة ومجلس عمدائها بعد أن استبانت الحقيقة؟.
الأمر لا يحتمل التسويف فقد تصاعدت درجة التوتر والاحتقان واخشى ان يكون له ضرام وعلى الحكومة ان تقول كلمتها النهائية وتعلن على رؤوس الاشهاد قرارها قبل فوات الاوان.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.