السيد محمد عثمان الميرغني وشهوة المال ؟

الحلقة الثانية ( 2- 4 )
Facebook page : https://m.facebook.com/tharwat.gasim
Email: tharwat20042004@gmail.com
1- مقدمة .

ذكرنا في الحلقة الاولى من هذه المقالة ان اوراق بنما قد كشفت ان السيد محمد عثمان الميرغني قد حول اموالاً مليونية ( وسخانة ) إلى بنوك بنما ، تحت اسم شركات وهمية لا وجود لها إلا على الورق . وكذلك فعل ولده السيد محمد الحسن ، مساعد رئيس الجمهورية الحالي ، وولده السيد جعفر الصادق ، مساعد رئيس الجمهورية السابق ، وولده السيد علي ، واخوه السيد احمد الميرغني ، رئيس مجلس السيادة السابق . اكدت اوراق بنما والتحريات القضائية اللاحقة في بنما ان كل الاموال التي تم تحويلها الى بنوك بنما ، تحت اسماء شركات وهمية ، اموالاً ( وسخانة ) ، يرغب اصحابها في إخفائها لسبب إجرامي او خوف الفضيحة اذا إنكشف امرها ، او لأمر آخر غير اخلاقي في نفس يعقوب .

وقد احدث تسريب اوراق بنما زلزالات تكتونية في كل بلاد الله الصاحية حيث القضاء المستقل ، وفصل السلطات ، والشفافية والمحاسبة في نظم ديمقراطية .

ونختزل ادناه الآثار والتداعيات السياسية لتسريبات اوراق بنما ، والمرجعيات الدينية والفقهية لتحويل الاموال الوسخانة الى بنوك بنما تحت ستار شركات ورقية وهمية .

2- نموذج ايسلندة في المحاسبة على الشبهات ؟

ايسلندة بلد من الدول الاسكندنافية ( دول الشمال ) ، وتمارس ديمقراطية وستمنستر وديمقراطية جيفرسون ، وبإمتياز … حيث الشعب هو الحاكم بأمره ، وهو الذي يقول فيرد الحكام ان سمعنا وأطعنا .

في يوم الثلاثاء 5 ابريل 2016 ، وعلى اثر تسريباات اوراق بنما ، قامت المظاهرات في شوارع ايسلندة مطالبة بإستقالة رئيس الوزراء

Sigmundur Davíð Gunnlaugsson
الذي إستجاب لرغبة الشعب وتنحى فوراً ؛ وتقرر حل البرلمان ، وعقد إنتخابات برلمانية جديدة .

ولكن ماذا فعل السيد رئيس الوزراء حتى تلحق به اللعنة ، وتطارده الفضيحة ، ويصير منبوذاً بين بني وطنه ، بعد ان كان الرجل الأول في وطنه ؟

كشفت اوراق بنما ان زوجة السيد رئيس الوزراء

Anna Sigurlaug Pálsdóttir

حولت ، في ديسمبر 2007 ، اموالاً مليونية الى بنوك بنما تحت اسم شركة وهمية سمتها :

Wintris Inc.

وكانت قد ورثت هذه الاموال عن والدها وكيل شركة تويوتا في ايسلنده .

ولكن ما دخل السيد رئيس الوزراء في الامر ، وقد قال الكتاب ان لا تزر وازرة وزر أخرى ؟

نعم قال الكتاب ذلك … ولكن ليس في ايسلندة ، حيث الشفافية والمحاسبة على ( الشبهات ) هي المرجعية للقوم ؟ وقع السيد رئيس الوزراء في مصيدة ( الشبهات ) فقط لأن زوجته حولت اموالاً مليونية ( نظيفة وغير وسخانة ) باسم شركة وهمية إلى بنوك بنما .

كان هذا الوقوع في ( الشبهات ) كافياً لإرغام السيد رئيس الوزراء على التنحي جانبا !

3- نموذج البرازيل في المحاسبة على الشبهات ؟

وفي البرازيل حدث أمر مماثل لما حدث في ايسلندة ؟

الم يحاسب ويحاكم البرلمان في البرازيل رئيسة الجمهورية ديلما روسوف على ( شبهة ) التلاعب في ارقام الميزانية العامة للدولة ، ويأمر بتنحيتها ؟ تم إنتخاب السيدة ديلما وإعادة انتخابها رئيسة للجمهورية بواسطة الشعب في انتخابات نظيفة وغير مخجوجة . ولكن لم ينتظر الشعب نهاية ولايتها الثانية الحالية في عام 2018 ، بل طالب بتنحيتها ، وفوراً ، فقط لانها وقعت في ( الشبهات ) . لم تختلس السيدة ديلما ولم تسرق ، ولم ترتكب ابادات جماعية ، ولا جرائم حرب ، كما لم ترتكب جرائم ضد الانسانية . فقط سمحت بالتلاعب في ارقام الميزانية العامة ، مما اوقعها في ( شبهة ) انها ارتكبت امراً ارادت ان تخفيه بهكذا تلاعب .

كان هذا الوقوع في ( الشبهات ) كافياً لمحاسبة ومحاكمة السيدة رئيسة الجمهورية ، وتنحيتها جانبا قبل انتظار نهاية ولايتها الديمقراطية الثانية !

4- الامام محمد عبده والسيد محمد الحسن محمد عثمان الميرغني ؟

في عام 1884 سافر الامام محمد عبده الى باريس ، ورجع بعدها إلى القاهرة ، وقال مقولته التي سارت بها الركبان ، من انه وجد في باريس الاسلام ولم يجد المسلمين ، ووجد في القاهرة المسلمين ولم يجد الاسلام . ولو قدر للامام محمد عبده ان يزور الخرطوم في عام 2016 ، لما وجد الإسلام ، ولما وجد المسلمين ؟ ذلك ان السيد محمد الحسن الميرغني ، مساعد رئيس الجمهورية ، يحول اموالاً ( وسخانة ) الى بنما تحت اسم شركة وهمية ، ولا تقوم المظاهرات في السودان لتنحيته كما قامت في ايسلندة لتنحية رئيس الوزراء ، وكما قامت في البرازيل لعزل رئيسة الجمهورية .

بل على العكس ، زار السيد محمد الحسن البرلمان يوم الخميس 19 مايو 2016 بعد غيبة لاكثر من عام ، استمر يصرف خلالها راتبه الباذخ ، ويتعالج في مشافي لندن ، من عرق الشعب . فشل السيد محمد الحسن في تادية واجباته الدستورية كمساعد لرئيس الجمهورية وكنائب برلماني ، لتغيبه خارج السودان في لندن لاكثر من عام . ولكن في بلد لعنها شاعرها ( ملعون ابوكي بلد ) ، هرع النواب الكرام لتقبيل ايادي السيد محمد الحسن ، في سقطة بجلاجل . إذا فعل نواب البرلمان ما فعلوا من تقبيل للأيادي الميرغنية الملطخة بمال الشعب ، فكيف تتوقع ان يفعل بقية الشعب العنقالي ؟ وهل يمكن ان تتوقع ان يخرج هذا الشعب المُحبط اليائس في مظاهرات مستنكرة ( شبهات ) وقع فيها قادتهم المنتخبين ، كما فعل الشعب في ايسلندة والبرازيل ؟

لا تستغرب ، يا هذا ، إذا لم يسمع الناس في السودان ، بما في ذلك الحكومة ، بأمر تحويلات السيد محمد الحسن المشبوهة الى بنوك بنما ؟ وحتى لم سمعوا ، فلن يحرك الناس ساكناً ، لانهم تعودوا على ما هو أشد وبيلاً من ابادات جماعية ، وجرائم ضد الأنسانية ، وجرائم حرب ، وإغتصابات جماعية للطفلات ، وما لم يرحم ربك من فظائع ذئبية .

اعرفت ، يا حبيب ، الفرق بين ايسلندة والبرازيل من جانب والسودان من الجانب المقابل ؟ ايسلندة بلد الاسلام كما جاء في الكتاب ، وكذلك البرازيل ! ولكنك لن تجد في السودان لا اسلام الكتاب ولا مسلمين … بل شعارات وحنجوريات ما انزل الله بها من سلطان . يعلم الناس في ايسلندة والبرازيل الكتاب ، ويعملون بما جاء فيه ، وإن كانوا لم يروه ولم يقراوه ؛ ولا يعلم الناس في السودان الكتاب ، وان كانوا قد رأوه وقرأوه ولكن لم يتدبروه … فعلى قلوب اقفالها .

ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا اماني ، وإن هم إلا يظنون .

ولكن نرى ان من واجبنا الهرولة خلف الحقيقة ، كما امرتنا الآية 159 في سورة البقرة :

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ، أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ .

اختزلنا نموذجي ايسلندة والبرازيل ، مثالاً وليس حصراً ، لنوضح التداعيات السياسية لنشر اوراق بنما . ونحاول ادناه استعراض الابعاد الدينية والفقهية لنشر اوراق بنما .

5- الحديث الشريف ؟

ربما نكون قد اتفقنا ، يا هذا ، من نموذج ايسلندة ، ان تحويل الاموال الى بنما تحت اسم شركات وهمية من ( الشبهات ) التي امرنا الكتاب وصحيح السنة بالإبتعاد عنها ، بل حرمها الرسول ( ص ) .

قال :

إنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقْد اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ.

يقول الرسول ( ص) ان من ابتعد عن الشبهات فقد إستبرأ لدينه وعرضه ؛ أي برأ وسلم دينه وعرضه من الطعن فيهما . وإن من وقع في الشبهات كارسال اموال الى بنوك بنما تحت ستار شركات وهمية ، فقد عرض دينه وعرضه للقيل والقال والأذى .

ويستطرد الرسول ( ص ) فيؤكد ( وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ ) … اي ان تحويل اموال الى بنوك بنما تحت اسم شركات وهمية ( حرام ) لانها عملية توقع الانسان في الحرام .

قال :

عمدة الدين عندنا كلمات **

مسندات من قول خير البرية

اترك الشبهات وازهد ودع **

ما ليس يعنيك واعملن بنية

هذا كلام واضح وضوح الشمس في رابعة نهار الخرطوم .

السيد محمد عثمان الميرغني رجل دين ولا يقرأ غير القران ، وليس عنده كما يردد هو دوماً غير القرآن ، وهو راعي طائفة الختمية ، وبالتالي مفروض ان يكون قدوة ومثال يُحتذى ، ومنارة دينية يأتم الهداة بها . ولكن لماذا يقع السيد محمد عثمان في الحرام ، بوقوعه في الشبهات ، ومنها تحويله لامول مليونية إلى بنوك بنما تحت ستار شركات وهمية ؟

هذا هو سؤال المليون دولار كما يقول الامريكان .

يعرف السيد محمد عثمان الميرغني من الآية رقم 14 في سورة آل عمران ان شهوة المال هي من اكبر الشهوات :

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ … وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ . ) .

يعرف السيد محمد عثمان الميرغني من الآية رقم 15 في سورة الفجر ان المال حيادي، قيمته موقوفة على طريقة كسبه وإنفاقه ، هو نعمة ونقمة ، هو سلم ترقى به ، أو دركات تهوي بها :

فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ ، فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ .

يعرف السيد محمد عثمان الميرغني هذا وذاك وتلك ، ولكنه جد ضعيف امام شهوة المال وكنزه .

ومن ثم لا يبالي بان يقع في حفرة الشبهات التي وسمها الرسول ( ص ) بانها حرام .

قال :

ليس المهم ان لا تكون فاسداً ! ولكن المهم ان ينظر اليك الآخرون ، وانت في موقع المسئولية ، فلا يرون فيك شبهة فساد ، ولا يشمون فيك ريحة فساد ، ولا يلمسون فيك ملمس فساد .

والحال هكذا ، وهي كذلك ، ينظر الناس للسيد محمد عثمان الميرغني ، بعد تسريبات اوراق بنما ، فيرون فيه شبهة فساد ، ويشمون فيه ريحة فساد ، ويلمسون فيه ملمس فساد ، خصوصاً وهو يرفع راية ( كشكش تسلم ) .

وما وجدنا لاكثرهم من عهد ، وإن وجدنا اكثرهم لفاسقين .

نواصل …

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.