هل فعلا الجنائية الدولية تستهدف القادة الأفارقة دون سواهم ؟!

بقلم : أحمد ويتشي
ishaghassan13@gmail.com
ICCقبل أقل من أسبوع مضى توافد عدد كبير من القادة الأفارقة وممثلي البعثات الدبلوماسية من آسيا وأوروبا والأمريكتين إلي العاصمة الأوغندية كمبالا وذلك لحضور مراسم تنصيب الرئيس يوري موسيفيني الذي يحكم بلاده منذ ثلاثة عقود . بعد إنتخابات رئاسية تم تشكيك في نزاهتها .. شهدت مراسم التنصيب حالة من الارتباك و عدم الإرتياح من قبل الكثير من الضيوف بعد ظهور الرئيس السوداني عمر البشير في مكان الإحتفال الذي أقيم في قصر الرئاسة “بعنتبي”قرب كمبالا فبدأ حالة التذمر واضحا لدي سفراء الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا وغادروا المراسم قبل اكتمالها جماعيا واصدروا بيانات شديدة اللهجة حيال ما جري هناك .. ومرد هذا التذمر هو الجلوس مع شخص فار من العدالة الدولية الداعم الأول للإرهاب العالمي بعد أن قتل ما يقل عن ستة ملايين مواطن أعزل ومازال يمارس فيهم التقتيل والإبادة والتنكيل بحق شعب بلاده . الرئيس البشير مطلوب مع زمرة من قادة نظامه مطلوب القبض عليهم من المحكمة الجنائية الدولية بتهم تتعلق بالآبادة الجماعية والتطهير العرقي والاغتصاب الجماعي والتهجير القسري وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبت في دارفور خلال آلعقد الأخير من فترة حكمه الممتد لعقدين ونصف ولكن ما زاد الوضع أكثر ارتباكا هو حديث المضيف الرئيس يوري موسيفيني نفسه باهانته لهيئة دولية مستقلة يجب ان تحترم . كالمحكمة الجنائية الدولية التي هي الوسيلة الوحيدة لمحاسبة الذين يقتلون الشعوب جماعيا ويفلتون من العقاب حيث قال موسيفيني أثناء كلمته وقبل الترحيب بالضيوف الذين تكبدوا المشاق لحضور حفل تنصيبه المعيب . ولم يراعي ذلك وقال بكل استكبار بأن المحكمة الجنائية ومن يديرها أناس فاشلون وبلا فائدة يرتجي منهم واصفا المحكمة بأنها أداة استعمارية مسلطة ضد القادة الأفارقة دون غيرهم . وهنا من المفترض علي الأقل علي الرئيس موسيفيني عدم التطرق نحو الحديث عن المحكمة لأن المكان ليس مخصصا للحديث عنها و العرف الدبلوماسي يتطلب ضبط الكلام وعدم إطلاقه علي الهواء كما الأساليب الشعبوية .وهذا اذا كان القادة الأفارقة يفقهون معنى الدبلوماسية . لقد أثبتت الوقائع بأن الحكام الأفارقة لا شي يرديهم عن السلوك الإجرامي الشاذ سوي مثل المحكمة الجنائية الدولية لعل أفريقيا عانت كثيرا من المجازر والدكتاتوريات العتيدة والتسلط وهي ما تزال تعاني حيث هناك أكثر من ستة عشرة دكتاتورا حقيقيا يتسلط على رقاب شعوب القارة وامتدت أمد حكمهم وتجاوز الخمسة وعشرين سنة واولهم موسيفيني نفسه . وكان من الاجدر لموسيفيني وضيوف من الطغاة القتلة الافارقة الخجل من الحديثعن العدالة والمحكمة ولكنهم مجرد مجموعة من العصابات ولا عرف دبلوماسي يضبطهم .ولا احترام للضيوف يجعلهم أكثر لباقة في كلماتهم . لقد ظللنا نتابع منذ فترة ليست بالقصيرة محاولات القادة الأفارقة الهروب من هذه المحكمة من خلال اجتماعتهم وقممهم التي تخصص لها أيام بهدف الترتيب للخروج من المحكمة أو حتي ابتزازها عبر إصدار بيانات تظهر تذمرهم الجماعي . ويبدو أن نقاشاتهم وصلت لمرحلة بعيدة بهذا الخصوص . ففي القمة الأفريقية التي عقدت في فبراير الماضي في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا ايّد القادة الافارقة وبمبادرة كينية تهدف الى انسحاب جماعي من المحكمة الجنائية_الدولية التي “تستهدف بشراسة” قارتهم حسب قولهم . وقال رئيس تشاد ادريس ديبي الذي عُيِّن رئيسا دوريا جديدا للاتحاد الافريقي: “لاحظنا ان المحكمة الجنائية الدولية تستهدف بشراسة افريقيا والقادة الافارقة، بينهم رؤساء حاليون، بينما تشهد بقية انحاء العالم احداثا كثيرة وانتهاكات فادحة لحقوق الانسان. لكن احدا لم يعبر عن القلق” ازاءها.
فمثل هذا الحديث يؤكد بأن الثقة بين المحكمة والقادة الأفارقة منعدمة تماما .ويتضح أيضا سوء النية والآرتباك من قبلهم حيث يتخوفون من الملاحقة ولكن هناك أسئلة تطرح نفسها لماذا الصراخ . ولماذا أيضا المحكمة تستهدف القادة الأفارقة ؟ . أعتقد بأن الإجابة ساهلة جدا لكون بأن في عالمنا المعاصر هذا لا توجد قارة من قارات العالم الستة تعاني من الأزمات والحروب كما أفريقيا .حيث الانقلابات العسكرية والإبادات الجماعية والفساد فكل قارات العالم على الاقل لا توجد بها مثل هذه النسبة كبيرة من الدكتاتوريين كما في أفريقيا والذين يحاولون الهروب من المحكمة هم قادة معينين من السودان و تشاد وكينيا وزمبابوي ويوغندا وارتيريا ورواندا وغيرها من البلدان الطاردة لشعوبها والقاتلة لأحلام شبابها فدولة تشاد التي رئيسها يصرخ في وجه المحكمة هو ذاته قبل خمسة اعوام كان ضد الرئيس العاجي الأسبق ” لوران غابغو” الذي اطيح به بثورة عسكرية بتاييد من دبي وكما ان هذا الدبي هو ذاته من يصفق لمحاكمة الرئيس التشادي السابق حسين هبري الذي قتل الألاف من التشاديين علي أسس عرقية عنصرية والآن يقدم للمحاكمة في السنغال . ولكن الرئيس إدريس دبي الذي يحكم تشاد منذ عقدين ونصف بالحديد والنار يحاول الابتعاد عن المحكمة خوفا من محلاقته في حال قرر الشعب التشادي الخروج عليه .
أما زمبابوي الذي يحكمها أحد العجزة المخربين السيد موغابي هو أيضا يحكم منذ ثلاثة عقود ويحاول رئيسها الهروب . والسودان رئيسه مطلوب بالفعل مع جل قادة النظام الذي يحكم منذ عقدين ونصف . فحالة الازدواجية والنفاق تتجسدان في نظام البشير المجرم لأنه كثيرا ما صفق للمحكمة وهلل وكبر لها في محاكمة الرئيس الصربي الأسبق سلودوفان ميلازوفيتش الذي حكم عليه بالمؤبد بتهمه الإبادة الجماعية لشعب البوسنة والهيرسك بعد مجازر سبرانيتشا . فإذن لما البكاء الأن . أليست هذه هي النرجسية والبرانويا الكاملة .؟!
وكذلك إريتريا الذي يسجل معدلات مهولة في انتهاكات حقوق الانسان والفساد والتشريد علي يد نظام اسياس افورقي الذي يحكم منذ عقود بيد من حديد اضطر نحو ستة ملايين اريتري علي الهرب من بلادهم زمات نصفهم لقي حتفه في البحار والمحيطات والصحاري بين سيناء واسرائيل و يوغندا الذي يحكمها موسيفيني هو من طارد وحاكم قادة نظام ايدي امين دادا بتهم الابادة الجماعية اذن لما الصراخ والاهانة للمحكمة وكينيا رئيسها مطلوب من المحكمة ومثل أمامها من قبل بتهمة الإبادة الجماعية ارتكبه الرئيس اهورو كينياتا ورفاقه عقب الانتخابات التي شهدتها البلاد في العام 2007م وايضا الرئيس الرواندي السيد بول كاغمي الذي طالما صفق وهلل وكبر للمحكمة عقب الإبادة الجماعية التي تعرضت لها جزء من شعبه وفرح لمحاكمة أولائك المجرمين .الآن يحاول الهروب من المحكمة بادعاء أنها تستهدف القادة الأفارقة .
في الحقيقة وحسب سيرة هذه المحكمة هي بتاتا لم تستهدف شخص واحد من دون أدلة دامغة . وبعد تحقيقات مطولة عبر ملاقاة الجناة والضحايا .
فإذا كانت المحكمة لا تملك آليات قوية تمكنها من القبض على المجرمين لا يمكن وصمها بالانحياز . فالحكمة لا تطارد إلا من ثبتت التهم ضدهم ويطالب بالمثول أمامها وليس الحكم عليهم بل تقول اذا كان المتهم برئ يجب أن يحضر للدفاع عن نفسه .

فهنا يمكن القول فأولا علي الشعوب الأفارقة الضغط علي المحكمة والأمم المتحدة بان لا يتركا فرصة الانسحاب من هذه المحكمة لأى حاكم أو دولة من أفريقيا . لأن المنفذ الوحيد لهم نحو العدالة هي هذه المحكمة ففي تقديري يجب علي المجتمع الدولي تقوية منظمات المجتمع المدني في أفريقيا ودعمها ودعم المحامون الأفارقة مادياومعنويا وتدريبهم وجعلهم مستقلين بكل قوة لكي يتمكنوا من ملاحقة كل من يحاول العبث بالعدالة فالحكمة يجب أن تبقي في أفريقيا ويجب تقويتها أكثر . الحكام الافارقة هم أكثر الحكام فشلا وقتلا وفسادا في العالم . أجمع فهم لا يناقشون في اجتماعهم قضايا جوهرية تهم القارة التي تعاني من مشاكل مهولة . فقضايا الفساد والمحسوبية والقبلية والهجرة الجماعية للشباب من بلدانهم الأفريقية ليست أولوية لدي قادتهم ولا قضايا التصحر والمجاعات والقتل ليست من اهتمامهم ولا يعيرونها أقل اهتمام . إذن ما الفائدة من الحديث عن المحكمة.؟
فهنا يبقي علي أوروبا والولايات المتحدة عدم الشكوى من الهجرة اليهما لطالما لديهما إمكانية تقوية منظمات المجتمع المدني الأفريقية ومساعدة ودعم المحامون الأفارقة لأن السبب الرئيسي لمشكلات أفريقيا هي غياب الحكم الرشيد والعدالة والمحاسبة لذلك . يهرب الشباب منها الي أحضان المستعمر السابق الذي هو ارحم بمليار مرة من الحكومات الوطنية في أفريقيا بل البعض يطالب بعودة المستعمر لأنه أكثر عدلا وإنسانية.
أفريقيا يجب أن تبقي في المحكمة ويجب تسليط الضوء علي كل قضاياها الحيوية أما الطغاة والدكتاتوريين وملوك الفساد واباطرة الإجرام مكانهم الملاحقة والمطاردة عبر سبل العدالة الدولية التي تتمثل في هذه المحكمة وكل شعوبها يؤيدون المحكمة ويطالبون بتواجدها في أفريقيا لردع المجرمين الذين نصبوا أنفسهم حكام وقضاة وفي نفس الوقت يحاولون تمثيل دور الضحية وهذا هو ما نرفضه بشدة

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.