من أين أتي هؤلاء ؟

( من أين أتي هؤلاء ؟)
الآن يرد شاعر ما لم نعرف إسمه بعد لا فض فوه علي سؤال الطيب صالح في القصيدة التالية :

من أين أتى هؤلاء ؟

أتوا من ظهور الظلم
من أرحام القساوة والجفاء
من عمق أجحار الأفاعي
من دروب البؤس
حلوا في الخفاء

أتوا من حيث يأتي
كل قطاع الطريق
من كل القلوب البور
جاءوا من هباء

أتوا بعد التداعي
يلبسون الدين تاجاً
ويئدون الأماني والهناء

يحملون المعول الهدام
يستبيحون بلادي
وحليب الطفل
وجرعات الدواء

يسلبون النوم
من أجفان أمي
بعد أن ضاقت الدنيا
وهاجر الأبناء

أتوا من كل فج مظلم
لم يذوقوا طعم حب بلادي
لم يعيشوا عشقها
وعزة أهلها الشرفاء

أتوا كأشعب الأكول
لا يعرفون الصوم
لا يتورعون عن النهب
وعن سفك الدماء

أتوا يمتطون صهوة الحقد
وهمهم حب الأنا
وأحلام الثراء

أتوا والكل يعرف
كان ذاك اليوم شر
وكانت ليلة غبراء

فعلوا ببلادي
أضعاف ما فعل الأعادي
لا يقر الدين ما فعلوا
وثور وحراء

أتجول فى شوارع بلدتي
لا أجد غير البؤس
وغير نظرة الغرباء
ومدارسي صارت مراتع
للثعابين المميتة
للعقارب
لكل أسباب الفناء

أتوا يقودهم
إبتسام الثعلب المكار
والفكرة المجنونة
الحمقاء

جاءوا يرومون الحياة
وطيبها
وإشتروا الدنيا
فبئس شراء

أتوا وكان
طليعة حكمهم كذبًا
فكيف لأمتي
بمخادعين رجاء

وجعي ومأساتي
وقمة محنتي
أن البلاد يقودها الدهماء

صاروا يفرقون الناس
هذا معنا
وهذا ضدنا
وهذا أخانا
وهذا شيخنا
فأراهم الله لعنات
وشر جزاء

جاءوا
تنادوا مصبحين
كأصحاب الجنة
هيا إلى التمكين
لا تطعموا المسكين
نهبوا بإسم الدين
وإحتكروا الهواء

لا يعرفون الحب للأوطان
والتعظيم
كل ولاءهم لمرشد التنظيم
فساء ولاء

توارت الأحلام
والحب الأصيل
وإنزوت الأماني
وغادر الزمن الجميل
وإنتحر الوفاء

يا رفاقى
قد مللت الصمت
مللت التباكي
وقد قرب الرحيل
فكيف نفارق الدنيا
ونمضي جبناء

يا صديقى لا تسألني
لا تسألني
فأنا قد مات فني
وطلقت الغناء

وتسأل أيها الراحل
من أين أتوا
ومن هم ?
هم الضلال
يلبس جلباباً
ويطلق لحية
وينتعل الحذاء
الوطن الجريح

أيها الكابوس غادر مهجتي سارع وودع
ما بالك تكتم أنفاسي
وفى أعماق قلبي تتموضع
فأنا منذ أن غادر الافرنج
أبكي أتوجع

تهطل أمطاري
تجرى أنهاري
تمور بحاري
تزهر ودياني
وأنعامي ترتع

أملك كل أسباب الغنى
والأراضي والمنى
لا تقل لى من أنا
فأنا السودان
مليون مربع

باعني الساسة
فى سوق النخاسة
ألهبوا ظهرى
وسرقوا حلمي
وكان سوط النخاس أوجع

وقفوا يتفرجون
على جرحى يدمي
وأوصالى تقطع
يملأون كؤوسهم من نزفي
وكان الكأس مترع

وطنوا الأسقام فى أعضائي
لا يفيد الطب فيها
ولا زراعة الأعضاء تنفع
زرعوا فى أوصالي أورام
لا ينجح الجراح في إستئصالها
ولا يساعد مبضع

طعنونى في وجودي
حتى إنثنى عودي
وكان الخنجر مسمومًا
بالكذب والوعود
وكان مقبض الخنجر
بالتضليل مزدان مرصع

سمموا بدني
وزادوا حزني
لم تطرف لهم عين
ولم يغض لهم مضجع

كمموا فمي
أهدروا دمي
قطعوا كبدي
وباعوا رئتي
خسر البيع
فكيف الروح للاوطان ترجع

ما طلب أبنائى النجوم
وكل مرامهم
أن تزدهى الخرطوم
أن يأكل المحروم
أن ينصف المظلوم
أن يسعد المهموم
ومرام الأم
أن تطعم الأطفال وترضع

شربوا حليب أطفالي
أكلوا طعام أمي
لبسوا كسوة أهلي
صادروا فكري
وداري تتصدع ..

هذه المقالة كُتبت في التصنيف شعر. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.