قراءة موضوعية في نتائج شهادة الأساس 2016

((بسم الله الرحمن الرحيم))
~~~~~~~~~~~~~~~
قراءة موضوعية في نتائج شهادة الأساس 2016
الدرجة الكاملة !
فرحة منقوصة .. تسليع للمعرفة
~~~~~~~~~~~~~~~
نتائج إمتحانات شهادة الأساس ، التي أعلنت في ولايات السودان المختلفة – هي إمتحانات غير موحدة – و منح العشرات فيها الدرجة الكاملة (280) مثلا ولاية الجزيرة عدد (94) طالبا وطالبة احرزوا الدرجة الكاملة — و تسابقت المدارس الخاصة ﻹعلان نتائجها في الصحف و تهنئة المتفوقين . و من حق الأسر و أبنائها أن يفرحوا بالنجاح و التفوق – و هو الفرح الوحيد الذي تبقى لنا وما زال له طعم و لون و رائحة – و من حق المدارس التى جلس فيها أولئك الصغار أن تباهي بجهدها و عبقرية تلاميذها — و بذات القدر من حقنا كقادة تعليم وكمراقبين أن نقوم بقراءة تلك النتائج و الدرجات على ضوء التقويم والتقييم الموضوعي وفقا لمفاهيم الكتابة و فنون التعبير و النقد . و علم النفس التربوي وعلم الأجتماع و ما قالته التجارب في مسيرة الحياة – إحقاقا للحقيقة وما توجبه أخلاقيات المهنة وإخلاصا للوطن – في هذا المجال .
~~~~~~~~~~~~~~~
☆أولاً :
*****
نقول إن منح الدرجة الكاملة لتلاميذ في شهادة مرحلة الأساس فيه خطورة بالغة على مستقبلهم العلمي و الأكاديمي و النفسي ، لأنها تعطي التلميذ إنطباعاً بأنه بلغ حدود العلم و المعرفة ، وقال تعالى :
((وما أوتيتم من العلم إلا قليلا))
فربما يتملك الطالب الزهو و الغرور ، و هو في هذه المرحلة المبكرة من حياته ، و هذه الدرجة ( المصنوعة ) ، يمكن أن يعجز التلميذ من تحقيقها لو أخضع لأي إمتحان آخر .
~~~~~~~~~~~~~~
☆ثانياً :
*******
بمنحنا الدرجة الكاملة لهؤلاء الصغار نحملهم مسئولية جسيمة و هي الحفاظ على الدرجات الكاملة في مقبل الأيام ، و هو أمر غير متصور على الأقل للجميع و بذلك نعرضهم لصدمات نفسية ، و أحاسيس مؤلمة هم في غنى عنها . و ستتشكل لديهم حالة ذهنية ( عظمة متوهمة ) ،
وإذا لم يحرزوا الدرجات الكاملة في مقبل الأيام سيعتقدون أنهم ظلموا من معلميهم ، و أنهم مقصودون ، و تبدأ عمليات التبرير للفشل و الهروب من مواجهة الواقع و الكذب .
~~~~~~~~~~~~~~~
☆ثالثاً :
*******
ستحاول الأسرة ، و الأقران و الأصحاب و الأقرباء و محيط التلميذ محاسبته مستقبلاً على ضوء الدرجة الكاملة التي منحت له و هو مقبل على المرحلة الثانوية ، و هي مرحلة جديدة و مختلفة تماما عن سابقتها حيث يدرس فيها 17 مادة متنوعة بدلاً عن 7 مواد ، فيصعب عليه مهما كانت قدراته ومستوى ذكائه أن يحرز في الـ 17 مادة الدرجة الكاملة ، فتبدأ الضغوط النفسية و الأجتماعية تحاصره من كل جانب ،
فلماذا لا تجنب الوزارة بخبرتها و خبرائها هؤلاء الصغار كل تلك المعاناة و الصراع النفسي المتوقع ؟
~~~~~~~~~~~~~~~
☆رابعاً :
********
إعطاء الدرجة الكاملة هو مدخل لخديعة النفس و الآخرين ، و إضعاف لثقة الأسر و المهتمين بالتعليم في شهاداتنا الأكاديمية ، فهؤلاء التلاميذ جلسوا لإمتحان التعبير ( الأنشاء ) في اللغة العربية و الأنجليزية ، باﻹضافة الى مقالة تاريخية و هي جزئية في الأمتحانات درجتها تقديرية ، ((أي لا يمنح الطالب الدرجة الكاملة في تعبير اللغة العربية حتى لو كان سيبويه وكذلك في تعبير اللغة الإنجليزية حتى لو كان شكسبير وايضا المقالة التاريخية ولو كان نعوم شقير))
وهذا يعني أن مجموع المنافسة هو (277) درجة
فكيف لمعلم يعرف أن التعبير الأبداعي ليس له سقف و يعطي ممتحَن فيه الدرجة الكاملة ؟
وكيف يحث تلاميذه بعد ذلك ليتحدوا أنفسهم والمستحيل ؟
و كيف يحثهم ليشقوا طريقهم لإرتياد آفاق المستقبل بمدارجه المليئة بالأبداع الأدبي و العلمي ، و العالم يدهشنا في كل دقيقة بالأبتكارات العلمية و الأبداعات الأدبية للعباقرة ؟
~~~~~~~~~~~~~~~~
☆خامساً :
*********
أرى أن هذا السلوك يقدح في مصداقية المصحح و الممتحِن و يهز الثقة التى بناها جيل الرواد من المعلمين بالجهد و المثابرة و الصبر و حب المهنة . كما أن هذا السلوك يشير إلى نفاق ( مُبطن ) لجهة ما ، و نقرة سوس تؤكد أن هناك فساد في المنظومة التعليمية ، يطل في كل مرة بلون مختلف ، مرة بمدرسة ( الريان ) و مرة ( بغش الطلبة الأجانب ) … الخ .
و لن أنسى ما عشتُ ما قاله لنا معلم اللغة العربية ، و نحن بالمرحلة المتوسطة التي ألغيت ، تعليقاً على منح الشاعر المصري الكبير أحمد شوقي لقب أمير الشعراء في العصر الحديث : إن هذا الأمر فيه ظلم كبير للأجيال القادمة لإنه يحد من روح المنافسة و الأبداع و الطموح عندها ، لأن أي شاعر سيشعر أن باب الأبداع قد أغلق بتتويج شوقي أميراً على عرش مملكة الشعر ، و حين رأى المعلم الحيرة بادية على وجوهنا – فقد كنا معجبين بلقب أمير الشعراء هذا – ونحن نردد رائعته ( يا جارة الوادي ) حين رأى المعلم حيرتنا قال لنا : ستعرفوا ما قلته لكم الآن في المستقبل . و قد كان محقاً في ما ذهب إليه ، لقد عرفنا صدق مقالته ( حين أدركنا الجسر ) و لو عاش أحمد شوقي اليوم و أنصف ، لما قبل أن يتوج بذلك اللقب الذي حد من الأبداع و لترك الباب مشرعاً أمام الشعراء بلا أفق ، ثم ما هي المعايير التي بموجبها نمنح الدرجة الكاملة ، و هو أمر يضر أكثر مما ينفع هؤلاء الصغار على المدى البعيد كما أوضحنا ، و ماذا لو كتب تلاميذ في إمتحانات العام القادم ، موضوعات تعبيرية في اللغة العربية و الأنجليزية تفوق ما كتبه تلاميذ هذا العام خيالاً و لغةً و إسلوباً . هل نمنحهم ( 285 ) درجة مثلاً ؟!
~~~~~~~~~~~~~~~
إن الدرجة الكاملة تعنى أن التلميذ قد وصل قمة الجبل ، و ليس بعد القمة إلا التدحرج إلى أسفل ، لأننا نعلمهم و علمونا من قبل أن الوصول إلى القمة ليس صعباً و لكن الصعب أن تبقى في القمة ، وعلينا أن نضع أبناءنا الصغار دائماً أمام تحدي الوصول إلى القمة ، لا أن نسهل لهم الوصول إليها بهذه الطريقة التي تنقص فرحتهم بالنجاح و التفوق و تشكك في نزاهة المعلمين .
أخيراً نقول أن إعلانات النجاح و التفوق و التهاني التي تتسابق عليها المدارس الخاصة ، أصبحت أشبه بلوحات إعلانات السلع و المنتجات التجارية ، تعلق في البوابات و الطرقات العامة و في خلفيات (البصات) و السيارات بل حتى في فروع الأشجار . و أصبح النجاح و إحراز الدرجة الكاملة فرصة لتحول أولئك الأبرياء إلى وسيلة إعلانية جاذبة هم لا يدرون ما وراء ( الأكمة ) من أغراض تجارية ، و أهداف لا علاقة لها بالعلم و المعرفة و الفرح .
يقول الرواي إن مدرسة خاصة قبلت طالبة متفوقة مجاناً كحافز لها و فرحت الأسرة بذلك لأن إبنتها كفتها شر الرسوم الباهظة ، و لكن التلميذة الصغيرة عادت ذات يوم إلى أمها مكسورة الخاطر ، مهمومة ، لتعلن لأسرتها أنها كرهت هذه المدرسة التي قبلتها ( مجاناً ) و لا تريد أن تستمر فيها مطلقاً .
فما الذي حدث ، لقد أخذ المدير الطالبة المسكينة في ذلك اليوم ، و طاف بها المدرسة فصلاً فصلاً ، معلناً لهم أن المدرسة أعفت هذه التلميذة من الرسوم ، و أن عليهم أن يخبروا أهلهم و جيرانهم ليأتوا بأبنائهم المتفوقين ( للتسجيل ) فغمر الصغيرة الحرج و ذلك (التاجر) يسحبها خلفه و أحست أنها تحولت إلى وسيلة إعلانية متحركة مثلها مثل الفتيات اللاتي يعلن عن الصابون و المشروبات و الأغذية ، و تاكدت أن قبولها في هذه المؤسسة التي تسمى مجازاً مدرسة لم يكن تقديراً لنجاحها .

رصيدكم في هذه الدنيا ابنائكم
واﻹستثمار الحقيقي والذي لا يخيب هو تربية وتعليم فلذات أكبادكم
فاستعملوا عقلكم بعيدا عن عاطفتكم

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.