المشهد السياسي : السبيل نحو التغيير

صديق محمد عثمان
– حسنا فعل قادة المعارضة بقيادتهم مراسم تشييع الطالب الشهيد محمد الصادق الذي سقط بجامعة ام درمان الأهلية نهار امس الأربعاء ٢٧ ابريل ٢٠١٦ كآخر شهيد في احداث العنف التي تشهدها الجامعات.

– لابد ان قيادة المعارضة للجماهير الغاضبة ساهم بقدر كبير في تأطير الحدث الجلل في إطار الفعل العاقل وانتهى به الى فعل منظم يبدأ من المستشفى وينتهي بمكان دفن الشهيد مهما شهد من هتاف وتعبئة ولكنها تعبيئة راسية باتجاه تصويب الغضب نحو الهدف وهو منهج النظام الجاهل، فوجود قيادات ذات خبرة سياسية يجعل الجماهير تتطلع نحو الأعلى وتصوب بصرها نحو افق سياسي بدلا عن افراغ شحنات الغضب افقيا في كل ما قد تقع عليه يدها.

– العاقلون في الحكومة – ان كان ثمة- سيدركون ان المعارضة قامت نهار امس بدورها تماما في سلوك حضاري يستحق الثناء ويستدعي ان يبادلونها التحية باحسن منها. ولكن الجهات التي تقف وراء احداث العنف في الجامعات وفي اماكن اخرى من الوطن لن تسمح بذلك وسترى في مجرد بيانات المعارضة ودعواتها للتعبير عن الغضب وقيادتها الجماهير تعديا سافر على سلطانها الذي تحاول ترسيخه بالقوة منذ ربع قرن فلا يترسخ الا في أذهانها الخاوية من فعل نافع.

– والموقف الذي وقفته المعارضة امس سيفرض عليها الا تتراجع عن قيادة الجماهير وترشيد غضبها وتعبئته في اطر تفضي الى التغيير. ولكن ذلك ليس بالتمني فقد انتهت مهمة البيانات وخطب التعبيية بانتهاء مراسم تشييع الشهيد محمد الصادق ولسوف ينتظر الناس من المعارضة برنامج عمل تنفيذي بآجال ومواقيت زمانية ومكانية وأدبيات تلبية وأدعية في مسيرة الإحرام نحو ميقات عرفة التغيير.

– والسائر نحو ميقات معلوم لابد له من زاد ليس مقتصرا على الانشغال بعوائق المسير فتلك وسائل لا تغني عن الزاد وخير الزاد التقوى، خير الزاد اتقاء الانشغال بالاخر والاستغراق التام بإعداد المركبة وتخفيف الأحمال وتركيز البصر نحو افق التغيير العاقل وتوخي صحبة الطريق واستخلاف الجار ذي القربى.

– والجار ذي القربى ليس سوى بعض أطراف النظام الذي تسعى المعارضة الى استبداله، فان كانت المعارضة عاقلة ستدرك انها تسعى الى استبدال المنهج وليس الأشخاص وان من يقبل بخطأ منهج النظام من اهله لا تملك هي ان تفحص إيمانه وتصدر له شهادة أهلية.

– بالمقابل فانه ليس عذرا شرعيا للذين أعلنوا نيتهم سابقا من قادة النظام السير نحو التغيير ان يتحججوا بان الطريق غير آمن او ان الصحبة غير مأمونة، كالذي تخيفه أصوات التلبية فيعود من الميقات المكاني قبل بلوغ سفح عرفة، ويصور له فقهه القاصر بانه يجوز له ان ينفرد بميقاته الزماني والمكاني للتغيير بل ويصطنع لنفسه أدعية تلبية غير تلك التي تنادي بها قوى المعارضة، وسيبرز من فقهاء السلطان من يفتي بان ذبح هدي بالغ محله يجزي مولانا السلطان عن مزاحمة الرجرجة والدهماء من حجاج التغيير!!

– اما ان يبلغ موسم التغيير تمامه من خلال جهود المنظمين وعزائم المؤمنين به، او يتحول هذا الموسم الى ما نراه في سوريا فيسقط بذلك التكليف.

– الجماهير غاضبة وليست في حاجة لقادة المعارضة لتعبئة مشاعرها عبر وسايط الاتصال من المنافي ولكنها بحاجة الى من يقود حركتها وينظم صفها ويصوب مسيرتها ويوظف غضبها في فعل موجب، وقمة الفعل الموجب في هذه المنعطفات إنجاز العمل السياسي الدقيق الذي يفحص ادوات ووسائل وهياكل وخطط التغيير، ويباشر الاتصالات السياسية التي ينبغي ان يكون مهمتها الاولى كسب المزيد من الانصار للتغيير العاقل من قادة النظام نفسه لان ذلك من شانه ان يقلل من فداحة التضحيات المطلوبة للتغيير.

– ان عملا سياسيا كثيفا قد بذل في سبيل الوصول الى اعلان الحوار الوطني، وظلت قطاعات مقدرة في المعارضة تراهن على مقدرتها في دفع النظام الى سبيل التغيير والتسوية السياسية المرجوة ، ورغم مماحكات النظام بدءا بإغراق خطاب الدعوة للحوار بلغة اندغام قاصرة وانشغال النظام ببناء الحصون التي تقيه نتايج الحوار فقد ظلت قوى المعارضة المحاورة تتقدم بثقة وتحاصر جيوش اللاعقل داخل النظام وتتحمل في سبيل ذلك الكثير من العنت، ومن علامات نضج العمل السياسي ان تتكامل جهود المحاورين للنظام مع الممانعين في الوصول نحو هدف واحد. وسيكون من علامات عدم النضج ان تتعارض هذه الجهود او يظن المحاورون للنظام ان الممانعين يخربون عليهم مجهوداتهم وبذلك يندفع بعضهم الى حصون غلاة قادة النظام التي يتحصنون فيها من دعوات التغيير. او يظن الممانعون ان لهم حقا إلهيا في ادعاء الحصرية واحتكار صكوك الغفران وبذلك يقفون على بوابات التغيير يفحصون نوايا الساعين اليه.

– ان القوى التي ظلت تعرقل الحوار داخل النظام وتسعى الى تصعيد الاحداث والمواجهة، تستند الى معادلة علاقتها بقوة عسكرية غير نظامية ولا تضبطها ضوابط القوى النظامية الراسخة وليس ادل على ذلك من ان قادة النظام أنفسهم كانوا ضمن ضحايا احداث العنف الاخيرة كما حدث في الضعين مؤخراً وتصريحات والي شرق دارفور في الصحف بانه مستهدف من قبل هذه الجماعات.

– اذا لم يدرك جميع دعاة التغيير بان ثمة قوى اخرى لديها المقدرة على اختطاف التغيير مدعومة بأجواء إقليمية مؤاتية فسوف ينتهي المشهد الوطني الحالي بمنصة يقف عليها جنرال اخر ويزينها دعاة ليبرالية غثة وعلمانية جاهلة واسلامية تسلم ذقنها للسلطان. وبعض اصحاب الأصوات العالية الان في التحشيد والتصعيد والتعبئة سيكونون أوائل من يصدر بيانات التبرير وفتاوى استدراك غياب ادوات التغيير رغم اكتمال اشراطه.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.