ثماني سنوات ولجنة الوساطة الإفريقية

محجوب محمد صالح

على مدى أكثر من ثماني سنوات ولجنة الوساطة الإفريقية رفيعة المستوى تسعى لحلحلة الخيوط المتشابكة للأزمة الوطنية السودانية ذات التجليات العديدة دون أن تحقق تقدما يُذكر، وقد غادر أعضاؤها أديس أبابا هذا الأسبوع بعد أن فشلوا في الحصول على توقيع بعض قوى المعارضة المسلحة والسياسية على آخر خريطة طريق معدلة طرحوها على الطرفين، وكان المراقبون يؤكدون منذ لحظة طرحها أنه لا أمل في أن تحظى بقبول جماعي؛ لأن الوساطة تنازلت عن شروط للحوار الشامل واللقاء التحضيري وضعتها الوساطة سابقاً وحصلت على دعم لها من الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة.

والآن وبعد أن تعذر إقناع بعض قوى المعارضة بذلك التعديل الذي أدخلته على خريطة الطريق السابقة اعترافاً بالأمر الواقع الذي فرضته الحكومة، تسعى الوساطة إلى ممارسة ضغوط مكثفة على المعارضة لكي تحملها على تغيير موقفها وقبول المشروع الذي رفضته في أديس أبابا، والمثير للدهشة أنها تراهن على القوى السياسية التي همشتها لجنة الوساطة ولم توجه لها الدعوة للمشاركة في لقاء أديس أبابا، وتحاشت أن يكون لها دور تراهن عليه لكي تمارس الضغط على المعارضين الذين شاركوا في اجتماع أديس أبابا دون أن تتوقف لتسأل نفسها: إذا كانت هذه القوى تملك كل هذه الإمكانات لماذا لم توجه لها الوساطة الدعوة لكي تشارك في لقاء أديس أبابا؟ كما أن الوساطة تراهن أيضاً على ضغوط يمارسها المجتمع الدولي والإقليمي لإقناع المعارضة بقبول مشروع الوساطة الأخير رغم أن تدخل جهود المجتمع الدولي والإقليمي السابقة لم تحقق نجاحاً!!
الواضح أن الوساطة تبذل أقصى جهودها لكي تحقق إنجازاً يبرر استمرارها في هذه المهمة بعد مرور سنوات طويلة دون أن تحقق أي اختراق بسبب تعقيدات الأزمة السودانية ومحاولاتها الدائبة ليس لحلها كأزمة واحدة ذات تجليات مختلفة، ولكن كسلسلة من الأزمات تتعامل مع كل واحدة على حدة، وهذه التجزئة غير المبررة هي السبب الأساسي في فشل المهمة، ومع الأسف فإنها ما زالت تسير على ذات الطريق.

المحاولة الأخيرة لإلحاق المعارضين بالحوار ارتكزت على أساس خاطئ لأنها افترضت أن عليها أن تؤيد الموقف الحكومي لا أن تسعى لتعديله ولو قليلاً، وأن تقبل وجهة النظر الحكومية حتى ولو جاءت متعارضة مع قناعات اللجنة نفسها التي عبرت عنها في مشروعها الأول الذي يقترح لقاء تشاورياً جامعاً في أديس أبابا مقر الاتحاد الإفريقي لكي يحسم القضايا الإجرائية بما في ذلك أجندة الحوار ومواعيده وطريقة إدارته وكيفية تنفيذ مخرجاته، وهو مقترح لم تتبنه اللجنة فحسب بل حصلت على موافقة مجلس السلم الإفريقي ومجلس الأمن الدولي عليه، ولكن عندما اصطدم ذلك المقترح برفض الحكومة له وممانعتها في إجراء حوار تحضيري في أديس أبابا استدارت اللجنة مائة وثمانين درجة وقبلت الموقف الحكومي بصورة كاملة، وتخلت عن اللقاء التشاوري الجامع واستبدلته بهذا اللقاء الجزئي الذي انعقد الأسبوع الماضي في أديس أبابا وهي تدرك سلفا أنها تريد عبر ذلك الحوار أن تفرض على المعارضة أجندة جديدة، وأن من الصعب الحصول على موافقة المعارضة على هذا التغيير، وهذا هو ما حدث بالأمس.

لقد استبعدت الوساطة كل القوى السياسية الأخرى من هذا اللقاء الجزئي نزولاً عند رغبة الحزب الحاكم ثم عادت الآن لتجري اتصالات مع القوى التي لم توجه لها الدعوة لاجتماع في أديس أبابا لكي تقبل خريطة الطريق الجديدة التي رفضتها بالأمس، بل وستستعين أيضاً بقوى إقليمية ودولية لممارسة المزيد من الضغوط على المعارضة دون أن تحاول مجرد محاولة الاستعانة بهذه القوى الإقليمية والدولية للضغط على الحزب الحاكم لكي يبدي أي قدر من المرونة يسمح بانطلاق الحوار المقترح! اللجنة لا يبدو أنها تدرك أن مثل هذا الموقف سيضعف وضعها كوسيط محايد وسيسمها بالانحياز أو بتغيير المواقف لإرضاء أحد أطراف الصراع!! الوسيط الحاذق هو من يحاول في مثل هذا الموقف الضغط على الطرفين لتقديم تنازلات متبادلة ولا يراهن على إرغام طرف واحد على الخضوع!

العرب

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.