أدوات التغيير( 2): حروب الجيل الرابع

osmannawayلقد انتشر استعمال المصطلح” حروب الجيل الرابع ” بعد بداية موجة الحرب على الإرهاب منذ هجمات مركز التجارية العالمية بداية الألفية الثانية. ولكن المنطقة العربية بدأت استعمال المصطلح بكثافة، خاصة في مصر بعد إسقاط حكومة الإخوان المسلمين، وبداية إعادة نظر شاملة في مخرجات ثورة 25 يناير. فقد كتب وزير الاعلام المصري الأسبق أسامة هيكل كتابا بعنوان حروب الجيل الرابع، معلنا أن ما تم في مصر من ثورة، كان مجرد جزء من حرب مخططة ضد بلاده والمنطقة العربية باستراتيجيات الجيل الرابع للحروب.

غير أن اول استخدام اكاديمي لمفهوم حروب الجيل الرابع بدأ بعد نهاية الحرب الباردة، حيث نشر عبر مجلة البحرية الأمريكية في 1989 في مقال بعنوان : الوجه المتغير للحرب : مقدمة لحروب الجيل الرابع. ومنذ السبعينات بدات عملية تقسيم الحروب في شكل أجيال. فالجيل الأول هو الحرب التقليدية المبنية على المواجهة بين الأعداء عبر الصفوف المنتظمة في معركة مباشرة والتحام بين الجيوش واستخدام القوة النارية الكثيفة مع اعتماد تام على انضباط الجنود. ثم الجيل الثاني هو بداية استخدام القوة النارية والمدفعية الثقيلة ولكن بشكل غير مباشر في كسر تحصينات العدو أو مراكز امداده. ثم الجيل الثالث المبنى على المباغتة والسرعة والاختراق والالتفاف على خطوط العدو هو ما استخدمه الإلمان في الحرب العالمية الأولى والثانية وهو يعتمد على تجنب المواجهات المباشرة وتجاوز خطوط العدو باستخدام استراتيجية الدفاع من العمق.

اما حروب الجيل الرابع، فهي مرحلة جديدة من الحروب فرضتها طبيعة الدول الفاشلة والمفككة وانتشار الإرهاب مع انتهاء القطبية للعالمية وتشتت سيطرة القوى الكبرى على العالم. وهي حروب تسعى لإضعاف الدول من خلال استخدام مكوناتها الهشة ضدها، سواءا ضعفها الاقتصادي وعجزها عن تلبية حاجات المواطن، أو تنوعها الداخلي وتفكك قواها السياسية أو ضعف قوتها المركزية. وبالتالي لا تكون الحرب على المستوى العسكري فقط بل تتعداه إلى مستويات اقتصادية وسياسية بالدرجة الأولى وثقافية واجتماعية أيضا تؤدي في النهاية لإضعاف الدولة وادخالها في دوامة نزاعات داخلية ذات طابع تقليدي، حروب مباشرة لكن مع أعداء غير منظمين ولا يمكن استئصالهم مباشرة.

ويعتقد المصريون أن الدول الكبرى وخاصة أمريكا وعبر دولة مثل قطر استخدمت تقنيات الجيل الرابع، لتفجير الشارع المصري وتقوية الإخوان المسلمين، وبالتالي إدخال مصر في حالة من عدم الاستقرار والفوضى واجبارها على خوض حرب داخلية، وهو ما يجري الآن في سيناء مثلا. وربما هذا تفسير يتبناه الكثيرون الان في الوطن العربي، لفهم حالة انعدام الاستقرار في المنطقة. لكن يتجاهلون حقيقة أن اي انتصار في حرب يتطلب ضعف العدو ووجود ثغرات داخله، وإذا سلمنا بنظرية نجاح حروب الجيل الرابع في تغيير وجه المنطقة، فان ذلك إنما يعتمد على استبداد وعنف الأنظمة وقابليتها للسقوط نسبة لكره شعوبها لها.

وفي المقابل فإن المنظرين للحروب الجيل الرابع وبينهم الكولونيل توماس هام، يعتقدون أن حروب الجيل الرابع، هي تقنية قديمة ومتعددة الأوجه والاستخدام. فهي حروب تحدث بين مجموعات صغيرة وغير منظمة بشكل واضح ضد دول أيضا وليس فقط بين دولة وأخرى. بل هي الحروب التي تستخدمها مجموعات معينة للضغط على الدول، وقد تستخدم آليات دبلوماسية وسياسية، بل حتى غير عنيفة. فهو يضمن آليات اللاعنف التي بدأها غاندي واستخدامها مارتن لوثر كينج ليقضي على النظام العنصري في امريكا، يضمنها في آليات حرب الجيل الرابع. والتي تستخدم الجانب الأخلاقي لأخضاع الدول، ودون الحاجة إلى أي وسائل عسكرية. ولكنه أيضا يضمن قوي مثل حزب الله اللبناني الذي صنع حالة خاصة وصنع قوة اقتصادية، دينية وعسكرية واجتماعية في أن معا في صراعه مع دولة كبري مثل إسرائيل وانتصر عليها.

إذن حروب الجيل الرابع، والتى يعتقد أنها تجري الآن على مستويات واسعة من العالم هي حروب تتجاوز الجيوش إلى السياسة والاقتصاد والإعلام والثقافة وحتى استخدام اللاعنف كوسيلة لاخضاع العدو. وبقدر تعقيد وضعنا السوداني يتوجب علينا النظر خارج الصندوق والتفكير بأساليب غير تقليدية، لكي ننتج حلول غير تقليدية ومواكبة لما يجري في العالم. لأن التغيير هو الحقيقة الوحيدة في الحياة وعجزنا أمام تغيير الوضع السوداني، هو انعكاس لعجز القوى السياسية عن فهم آليات وأدوات التغيير التي يستخدمها العالم اليوم، بل تلك التي يستخدمها العدو الأساسي، اي النظام. لان نظام الاسلاميين في السودان وللأسف هو أكثر قربا من العالم ومن الأحداث وأكثر قدرة على تلقي دعم استراتيجي من أحد أقوى التنظيمات الدولية وأكثرها نفوذا في العالم اليوم وهو تنظيم الإخوان المسلمين. ودون وعي لكيفية سير الأمور في الإقليم من حولنا وعالمنا اليوم ستظل القوي السياسية السودانية تستخدم أدوات صراع عفا عليها الزمن ويتجاوزها التاريخ لن تمكنها ابدا من تحقيق أي تقدم أو تغيير في حال السودان بل سيمكن النظام من توطيد أركانه بسهولة ويسر على حساب ضياع تام للبلاد ومستقبل الشعب السوداني.
osman.habila@gmail.com

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.