وان الذي بين محمد حسنين هيكل والصادق المهدي لمختلف جداً .

ثروت قاسم
Facebook.com/tharwat.gasim
Tharwat20042004@gmail.com
في يوم الاربعاء 17 فبراير 2016 إستأذن ( الأستاذ ) في الانصراف … هذه المرة بصفة نهائية ودائمة . لا يجادل حتى رئيس قبائل المكابرين ان ( الأستاذ ) كان الصحفي العربي رقم واحد طيلة الخمسين سنة الماضية . تشهد بذلك إنجازاته الباذخة ، التي تغنى بها كبار الصحفيين في رياح الدنيا الاربعة . ولا تنتقص من هذه الإنجازات كتابات ( الأستاذ ) السلبية والعنصرية عن بلاد السودان ، واهل بلاد السودان ، خصوصاً في تقييمه السالب لاول ثورة في سلسلة ثورات الربيع العربي بعد الحرب العالمية الثانية ، التي تفجرت في بلاد السودان في يوم الاربعاء 21 اكتوبر 1964 ، وتعييره العنصري للرئيس السادات باصول والدته السودانية في كتابه ( خريف الغضب ) ، وشطحاته غير الموفقة والمغلوطة عن ملابسات إغتيال الإمام الهادي المهدي . ومما يؤكد موت الثقافة في السودان ، شأنها شأن بقية المعارف الإنسانية ، إنعدام أي تغطية موضوعية وموسعة في الصحف السودانية حول رحيل ( الأستاذ ) .

كتب الكثيرون عن ( الأستاذ ) ، ومما لفت النظر في هذه الكتابات بشكل خاص ، ما ذكره الدكتور سعد الدين ابراهيم في صحيفة المصري اليوم ، عدد يوم السبت 27 فبراير 2016 ، بأنه فوجئ بوجود ( الأستاذ ) بين طلبته في المدرج الجامعي في الجامعة الامريكية في القاهرة طيلة العام الدراسي 1978/1979 ، فى مادة المجتمع المصرى ، التى كان يقوم الدكتور سعد الدين ابراهيم بتدريسها لطلبة الماجستير .

يؤكد الدكتور سعد الدين ابراهيم ان ( الأستاذ ) كان هو ، بين طلابه ، الأكثر انضباطاً ومواظبة ، وتأدية لواجباته فى تلك المادة، فى ذلك العام الدراسى . من ذلك أنه كان أول الطلبة حضوراً إلى قاعة المُحاضرات، وآخرهم انصرافاً. وكان هو الأكثر تأدية للواجب الأسبوعى، حيث كان يقرأ المادة مقدماً، ويُعد عليها مُلخصاً، ثم سؤالاً واحداً على الأقل عما لم يفهمه أو ما لم يتفق معه مما قرأه، ثم سؤالاً، أو نقطة موجهة لزُملائه لكى يفتتح بها حواراً أو نقاشاً جماعياً.

وبينما كان الفرد من الطلبة المُنتظمين يتغيب ثلاث أو أربع مرات فى المتوسط خلال العام الدراسى، لم يتخلف ( الاستاذ ) إلا مرتين، استأذن فى التغيب فيهما مقدماً، المرة الأولى لسفره إلى إيران لمُقابلة صحفية مع زعيم الثورة الإسلامية، الإمام روح الله الخومينى. والثانية لحضور أحد مؤتمرات القمة العربية، لمشاورات حول تداعيات تلك الثورة، على الشاطئ الآخر من الخليج الفارسى.

كان ( الأستاذ ) تلميذاً حتى اخر العمر.

وللأمانة والتاريخ، وحتى لا نبخس الناس اشياءهم ، نذكر بحكاية من السودان عن تلميذ إلى نهاية العمر ، مثل ( الأستاذ ).

التلميذ هو السيد الإمام.

يمتثل السيد الإمام للتوجيه الرباني في اول آية نطق بها معصوم للمعصوم:

إقرأ !

فترى السيد الامام يقرأ ويقرأ ، ثم يقرأ ويقرأ ، ثم يقرأ ويقرأ …

يبدأ السيد الإمام يومه بالقراءة ، وينهيه وفي يده كتاب . فالكتاب خير جليس للسيد الامام ، خصوصاً إذا كان موضوع الكتاب من الجديد ، الذي يزاوج بين الواجب والواقع ، ويعالج تداعيات وتحديات العصر .

وهو في سجون الطاغية نميري ، قرأ السيد الإمام اكثر من ثلاثة الف من عيون الكتب .

يجسد هذا التلميذ الآية 78 في سورة النحل :

( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ) .

فالإنسان يولد وهو لا يعلم شيئا، ثم لا يزال يتعلم حتى يوارى في رمسه . ويقول السيد الإمام إن أفضل ما صُرفت فيه الأوقات هو تعلم العلم . ولن يشبع إنسان من تعلم العلم حتى يكون منتهاه الجنة. فليغتنم العاقل صحته وفراغه في تعلم العلم ، ولا يكن من المغبونين.
ويتكرر نفس المعنى في الحديث النبوي الشريف ( اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد ) .
تحدثك العصفورة ، إنه قبل تفجير الثورة المعلوماتية ، وظهور السيديهات والاقراص المدمجة ، كانت شنطة كتب السيد الإمام في اسفاره ، تزن أضعاف شنطة ملابسه . وحدثتنا عصفورة ثانية إن الصاحب بن عباد كان يملك مكتبة ضخمة يحملها معه فوق ظهور أربعين جملاً ، هكذا قالت العصفورة ، أينما ذهب في سفره . لو عاش الصاحب بن عباد في زمن ( الأستاذ ) والسيد الإمام ، لكفاه قرص مدمج واحد في جيبه !

وقال احدهم :

إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ ، وَفِي يَدِ السيد الإمام كتاب ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يُكمل قراءة كتابه ، لفعل .

يقرأ السيد الإمام في يومه وليله ، محاكياً تلميذاً إمتحانه باكر ، مع الفارق ان امتحان التلميذ وبالتالي قراءته تنتهي بإنتهاء يوم باكر ، أما يوم باكر السيد الإمام فيحاكي غودو ، الذي لا يظهر ابداً ، في سرمدية ابدية ما لها من قرار .
يعيش السيد الإمام ليقرأ ، ويقرأ ليعيش .

قال كافكا: أنا خائف ، إذن أنا موجود..

قال بايرون: أنا أحب ، إذن أنا موجود..

قال ديكارت : أنا أفكّر ، إذن أنا موجود ..

قال بيكاسو: أنا أحلم ، إذن أنا موجود..

قال أنيس منصور: لا اعرف ، إذن أنا موجود …
ويقول السيد الامام : أنا اقرأ ، إذن انا موجود .
يقرأ السيد الإمام لشمائل النور ، وهويدة سر الختم ، كما يحفظ ويستدل باشعار روضة الحاج وداليا الياس .

قالت :

وشوف الناس الديمة تصلي وليها دقون

وتسرق وتنهب وعادي تخون

كانها يوم ما عايشة معانا

وعاشقة السلطة عشق مجنون

أعطني شعراً يعبر عن حقائق المأزق السوداني ، أصدق من هذه الكلمات .

تطلب االمُبدعات من الشاعرات والكاتبات السودانيات من السيد الامام ان يكتب مقدمات لكتبهن ودواوين شعرهن ، كما يقوم بإستعراض هذه الكتب وتلك الدواوين في اللقاءات الأدبية والشعرية . لا يفعل السيد الامام ذلك من باب رد الظلم عن المرأة السودانية التي لا تكسر الراس ، وإنما لان الثمرة تستحق القراءة والاشادة والتقديم .

السيد الإمام يقرأ دواوين الشعر للشعراء الشباب ، ويقدمها للناس في المنتديات الشعرية ، ناقداً وشارحاً ومشجعاً وداعماً . أعطني سياسياً واحداً في هذه البلاد الحدادي ، وكانت مدادي ، يتعامل مع الشعر ويقرضه ويسوقه للناس ليوقظ أحاسيسهم ويبعث فيهم الأمل لغد مشرق في هذا البلد الجميل .

السيد الإمام يجاهد بالشعر والنثر والفعل ليخرج الناس من حيرة صديقه الشاعر العبقري عالم عباس ، الذي تسآل يوماً :

هل التي تعممت أرجلنا

أم رؤوسنا اتخذت أحذية

القميص ما نلبس أم كفن؟

وطن .. وطن . كان لنا وطن !

السيد الإمام و( الأستاذ ) … كل واحد منهما تلميذ إلى نهاية العمر .

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.