قراءة الدوافع الحقيقية التى حملت الحكومة السودانيّة لوقف اجراءات محاكمة ال ٢٧ المتهمين بالردة :

فى الاسبوعabubaker-algadi الماضى استخدم وزير العدل والنائب العام السودانى سلطته بوقف اجراءات الدعوى الجنائية ، وسحبها من امام القضاء ، و ذلك فى قضية ال ٢٧ قرءانى المتهمين بالردة لكونهم يعتمدون القرآن وحده ،وبالتالي ينكرون السنة ، ان قضية القرآنيين هى قضية حريات ، وحقوق اساسية ، وهى قضية انتهاك للدستور السودانى ، ولفصل الحريات والحقوق الاساسية المضمنة فيه ، لاسيما حرية الفكر ، والتعبير ، والضمير . قبل الخوض فى اسنكناه الدوافع التى حملت النائب العام السودانى لوقف اجراءات الدعوى الجزائية ضد القرءانيين ، فاننا نشيد بهذا القرار لانه يوقف تراكم الضرر الكبير الذى لحق بالمتهمين ال ٢٧ وعائلاتهم واقاربهم ، لان اسوأ موقف يواجهه الانسان هو ان يتهم فى دينه ، و تنتهك حقوقه الاساسية التى كفلها الدستور .

قراءتنا ان دوافع نظام الخرطوم للاقدام على خطوة وقف الاجراءات ضد القرآنيين وسحب القضية من امام القضاء تتمثل فى الاتى :

أ – على الرغم من ان المتهمين القرآنيين ، اجتماعيا يعتبرون من العناصر المه

مشة ، الا ان قضيتهم تحولت بسرعة شديدة الى قضية راى عام ، و ذلك لارتباط التهمة ( بالردة ) ، والردة شان خطير من المستحيل ان يصمت الشارع السودانى عليه ، وفى ذاكرة الشعب السودانى تهاون الشارع ، وموقفه السلبي من اعدام الشهيد محمود محمد طه ، والنقد الذاتى الذي وجهه الشعب السودانى لنفسه فى هذا الشان هو ( انه شارك بشكل او بآخر ) فى اعدام الشهيد محمود ، و لو (بمؤامرة الصمت ) ، فخروج مظاهرة من الجامعة الي دوار الاتحاد الاشتراكى انذاك كان يمكن ان تنقذ حياة الشهيد محمود، فالنائب العام بفطنته يعلم ان الشارع السودانى ليس على استعداد لقبول تجربة اعدام ٢٧ نفس بشرية بسبب قناعاتهم الفكرية فقط ، دون ان يحملوا سلاحا او استخدام القوة والعنف باى شكل من الاشكال .
ب – تزامن محاكمة القرآنيين مع فعاليات ( الحوار الوطنى فى قاعة الصداقة ) ، ان صدور حكم بادانة القرآنيين بالردة و الحكم عليهم بالاعدام حتما سيفسد اجواء الحوار الوطني ، و يضع المجتمع السودانى فى اجواء الدولة الدينية التى تهدد الحريات وتعيد السودان الى القرون الوسطى وعهود الظلام .
ج – ليس لنظام الانقاذ ( غبينة سياسية ) ضد هؤلاء القرءانيين ، ان المتهمين ال ٢٧ لا يشكلون خطرا سياسيا على النظام ، ليست خلفهم دولة تدعمهم ماليا او توفر لهم اى غطاء معنوى ، و دعوتهم نفسها ليست فى حالة انتعاش وانتشار افقى او راسي ، فالدول عبر التاريخ لا تقدم على قتل المفكرين ، والمجدفين واصحاب الرأي ، الا اذا شكلوا خطرا سياسيا.
د – من الناحية الموضوعية ، فان القضية / التهمة نفسها ضعيفة ، و سوف نقدم الادلة على ذلك ، و لكن الذى اود ان اقولة ، هو ان مجرد استمرار اجراءات محاكمة القرآنيين بالردة يعود على الحكومة باضرار بليغة ، فى حين ان القضية نفسها ضعيفة ، بمعنى ان القرآنيين يمتلكون حججا من القرءان والسيرة و تاريخ الفكر الاسلامى تصلح فى مجملها ان تكون شبهة قوية تحول دون حتى مجرد تقديمهم للمحاكمة بتهمة الردة ، ناهيك عن ادانتهم بالردة ، لذلك فان الحكمة تقول : لماذا تعرض حكومة الخرطوم نفسها لمخاطر جمة يمكن ان تهدد وجودها فى سبيل قضية ضعيفة موضوعيا ؟!
و هذه بعض الشواهد التى تؤكد على ضعف ادلة تهمة الردة ضد القرآنيين ال ٢٧ المتهمين بالردة :-

* ثابت ان النبي (ص) قد نهى عن تدوين الحديث ، وقال محتجا ، و مستنكرا على الذين بدأوا فى تدوين الحديث فى حياته : ( اكتاب بعد كتاب الله ؟!!) ، لذلك احجم الصحابة عليهم الرضوان ، و التابعون .. الخ عن تدوين الحديث ، ولم يبدا علم الحديث وتدوينه الا بعد ٢٨٠ سنة من وفاة النبي ( ص) . فلم يجرؤ العرب على تدوين الحديث استنادا الي هذا النهى الصريح الثابت ، وغير المتنازع عليه ، و يعتقد القومجى جورج طرابيشي ان علم الحديث انشاه العجم بعد ان فاتهم دور المساهمة فى تاسيس علوم القرأن و التفسير ، والسيرة .
** منطق القرآنيين ، ليس رؤية ساذجة ، و فطيرة ، فاذا كنا لا نتفق معهم فيما ذهبوا اليه ، الا انه لا يعقل ان نكفرهم ، ونخرجهم من الملة . ان هذه الفرقة التى نشات فى باكستان وبنغلادش والهند ، قد حازت على اتباع فى مصر ، لهم وزنهم ، مثل : الشيخ محمد عبده بثقله التنويرى والتجديدى ، والشيخ محمود شلتوت شيخ الازهر ، والشيخ مرتضى المراغى شيخ الازهر فى الاربعينات ، والدكتور احمد صبحى منصور / شيخ بالازهر و الدكتور مصطفى محمود صاحب التفسير العصرى للقرآن ، ورحلتى من الشك الى الايمان .
انا هنا لا ادافع عن فكرة القرآنيين ، ولست من المؤمنين بها ، ولكنى من الدافعين بقوة عن حقهم فى البقاء ، و الحياة ، و ارفض تماما مصادرة حقوقهم الاساسية ، فى التعبير ، والفكر ، وحرية الضمير ، و خلاصة ما ارمى اليه هو بيان ان لديهم من الادلة والاسانيد ، والمنطق ، ما يشكل شبهة كافية تحود دون احالة للمحاكمة ، و ذلك ( لعدم وجود بينة مبدئية تكفى لاحالتهم للمحاكمة بتهمة الردة ، لانه يستحيل لاى محكمة عادلة و مستقلة ان تدين القرآنيين بالردة ) .
لكل هذه الاسباب اعتقد ان النائب السودانى قد استخدم سلطته التقديرية بحكمة تدعو للاشادة حين قام بوقف اجراءات محاكمة ال ٢٧ متهما من القرآنيين بالردة ، و سحبها من امام القضاء .
ابوبكر القاضى
كاردف / ويلز
١٥ / فبراير/ ٢٠١٦

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.