زعيم «العدل والمساواة» لـ«الغد»: قوات الحركة نفذت (وثبة الصحراء ) لانقاذ قائدها فظن الليبيون كل من يحمل سلاحا من العدل والمساواة

***الذين خرجا من الحركة هما منصور أرباب و حذيفة محي الدين. و الأول رئيس الثاني الذي انضم إلى الحركة في خواتيم عام 2011 و هو بالسعودية. ثم أدخل السجن و بقي فيه حيناً من الزمان لأسباب يعلمها هو. و لما طُرد من السعودية استقبلناه خير استقبال، و رفعناه مكاناً عليّاً في قيادة الحركة باعتباره من القلائل الذين يمثلون الإقليم الأوسط، و لكنه تعجّل أمره إلى المؤتمر الوطني ليرضى.

تفاصيل معقدة للحرب الدائرة في إقليم دارفور، غرب السودان، منذ بدأ النزاع «الحديث» في فبراير/شباط 2003، حيث يعود IMG-20160210-WA0024-300x300تاريخ هذا الصراع الدامي إلى عام 1989، وبحسب بيانات الأمم المتحدة في يوليو/تموز 2014، فإن 7.5 مليون نسمة تعيش في مساحة جغرافية، توازي فرنسا أو إسبانيا تقريبا، شُرد منهم نحو 3 ملايين بينهم 400 ألف نزحوا خلال الأشهر الستة الأولى من 2014 فقط، بينما قتل منذ 2003، نحو 300 ألف شخص.

يحد الإقليم، الذي يشكل خمس مساحة السودان، من جهاته الثلاث 4 دول: ليبيا شمال غرب، وتشاد غربا، وأفريقيا الوسطى جنوب غرب، وجنوب السودان جنوبا، وتعد منطقة جبال مُرة أراضٍ خصبة كانت تشكل الزراعة أهم أنشطته قبل الحرب، بالإضافة إلى أنه أصبح مصدر السودان الوحيد تقريبا للنفط، عقب انفصال جنوب السودان، بثلاثة أرباع منابع النفط، في يوليو/تموز 2011، ويعتمد الجيش السوداني على ميليشيا «جنجاويد» القبلية الموالية له، ضد مسلحي حركة العدل والمساوة وجيش تحرير السودان.

أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في مارس/آذار 2009، مذكرة اعتقال بح

ق البشير على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، وطالبت الدول الموقعة على نظام روما بتسليمه للعدالة، فردّ بطرد منظمات الإغاثة الإنسانية العاملة في الإقليم.

في 11 فبراير/شباط الجاري، قرر مجلس الأمن الدولي بالإجماع، تمديد القرار 2265 الذي اتخذه عام 2005، بشأن ارتكاب جرائم في دارفور وتمديد مهمة لجنة خبراء الأسلحة والعقوبات المفروضة على الحكومة السودانية والمسلحين ممن ثبت تورطهم في تلك الجرائم، وعلى رأسهم الفريق عمر البشير، وقال المجلس في بيانه: «إن الأوضاع في السودان لا تزال تهدد السلم والأمن الدوليين، وعلى الخرطوم إزالة العراقيل المفروضة على عمل فريق الخبراء، وإتاحة دخول أعضائه بكامل الحرية إلى جميع مناطق وأنحاء دارفور».

لم يكن لمأساة دارفور آثار محلية فقط بل إقليمية، فانتشار الأسلحة في الإقليم كان مصدرا لنزاعات داخلية وفي دول الجوار أيضا، وتسبب في أزمات سياسية بين الخرطوم ودول عدة، بينها ليبيا على سبيل المثال بعدما اتهم البشير القذافي بمنح مؤسس حركة العدل والمساواة خليل إبراهيم، حق اللجوء في طرابلس، على الرغم من تأكيد الحركة أنه كان رهن الإقامة الجبرية هناك.

في سبتمبر/أيلول 2011، عاد إبراهيم إلى دارفور، وترافق ذلك مع تصاعد في أعمال ا

لعنف في الإقليم، وبعد استهدافه من الجيش السوداني في ديسمبر/كانون الأول من نفس العام ومقتله، تزعم شقيقه جبريل إبراهيم الحركة الأقوى والأكثر تسلحا في السودان، وكان لنا معه هذا الحوار، عقب إعلان الخرطوم رسميا إجراء استفتاء لدمج الولايات الخمس في الإقليم أم لا.

كيف ترون قرار الاستفتاء على وحدة إقليم دارفور المزمع عقده في أبريل/نيسان؟

قرار البشير الأخير بإجراء استفتاء لوحدة الإقليم… كيف ترون هذا القرار و ما هي أسباب رفضكم له؟
قصد البشير بهذا القرار اضفاء شكل من أشكال الشرعية الزائفة على تقسيم الإقليم إلى ولايات صغيرة، و على أسس عرقية، حتى تكون معتمدة باستمرار على المركز في كل صغيرة و كبيرة، و لا تستطيع المطالبة بحقوقها السياسية و الاقتصادية. كما أراد بها استباق نتائج الحوار الوطني الحقيقي الذي قد يعيد تقسيم السودان إلى أقاليمه الستة القديمة؛ فسعى بهذا الاستفتاء لأن يقول لبقية أقاليم السودان أن أهل دارفور إختاروا الولايات، و لا يمكن حكم البلاد بأكثر من نظام إداري، و بالتالي علينا اعتماد نظام الولايات في الأقاليم الأخرى أسوة بدارفور و توحيداً للنظام الإداري في البلاد.

ما دلالة توقيت اتخاذ الخرطوم لقرار تقسيم أو وحدة الإقليم؟
لا أرى سبباً مقنعاً لهذا التوقيت غير استباق نتائج الحوار، و فرض أمر واقع في طاولة مفاوضات السلام، و استغلال الظرف الأمني القاهر الذي يستطيع فيه الوصول إلى النتائج التي يرجوها من غير رقيب و لا حسيب إلا الله.

من سيضمن إجراء استفتاء في أجواء مواتية دون تزوير أو تشكيك؟
في ظل الأنظمة القمعية كالذي في الخرطوم، من الترف الحديث عن حرية الإختيار و الشفافية و النزاهة. النظام حدد بغيته مسبقاً، و يريد فقط اضفاء شرعية مصطنعة عليه. كيف نتحدث عن أجواء مواتية لإجراء استفتاء و قد تمّ تهجير أكثر من مائة ألف مدني أعزل من دياره خلال أقل من شهر واحد منذ يناير 2016 بسبب القصف الجوي و المدفعي من قوات النظام و مليشياته على قراهم في جبل مرة و ما حوله؟!

هل تعتقدون اندلاع اعمال عنف؟
الاستفزاز الشديد من قبل قوات النظام و مليشياته، و محاولة إجبار المواطنين على المشاركة في الاستفتاء الزائف قد يولد العنف، و لكني أتوقع المقاومة الحقيقية للاستفتاء بالمقاطعة الشاملة له أكثر من اللجوء إلى العنف.

ما هو البديل الذي ستطرحه الحركة في حال تم تقسيم الإقليم بموجب الاستفتاء؟
الإقليم مقسّم الآن إلى ولايات على أسس عرقية من دون استشارة مواطنيه الذين ألفوا و تعايشوا في إقليمهم الواحد منذ أكثر من خمسة قرون. و يريد النظام بإجراء هذا الاستفتاء تزوير إرادتهم و اضفاء شرعية زائفة على هذا التقسيم لعلمه المسبق بأن أهل الإقليم ضده تماماً. و الحركة لن تعترف بهذا التقسيم، و ستعيد طرح الوضع الإداري للإقليم على طاولة المفاوضات كأن الذي يجري لم يحدث. و من جانب آخر يزول أثر هذا الاستفتاء بزوال النظام.

هل سينتهي الصراع الذي قتل مئات الآلاف في دارفور إذا انفصل الإقليم عن السودان؟
لن ينفصل الإقليم عن السودان لأنه هو السودان نفسه. و ليس لأهل دارفور أية نزعة انفصالية، لأن دماءهم قد إختلطت بدماء بقية أهل السودان. و الذين يعيشون من أبناء دارفور في باقي أنحاء السودان لا يقلّون عدداً عن أبنائه المقيمين فيه. و جميعهم لا يرون أن في البلاد من هو أحق بها منهم حتى يتنازلوا عنها لغيرهم. الصراع هدفه رفع الظلم الذي يؤدي إلى الفرقة و الانفصال و ليس هدفه الانفصال.

هل فشل اتفاق الدوحة في حل النزاع في دارفور؟
منذ التوقيع على ما يسمى بوثيقة الدوحة، و وفق إحصائيات و أرقام الأمم المتحدة و المنظمات الدولية الأخرى،تم تهجير أكثر من مليون و نصف المليون مواطن مدني من ديارهم و قراهم بسبب هجمات مليشيات النظام القبلية و القصف الجوي العشوائي، و تم حرق مئات القرى، و إفقار شريحة كبيرة من المواطنين بواسطة هذه المليشيات التي إستولت من الناحية العملية على الإقليم و أحالته إلى جحيم لا يطاق لغيرها. بقي النازحون و اللاجئون في معسكراتهم لأن الأمن لم يتوفر في مواطنهم الأصلية، و لم تتوفر فيها مقومات الحياة الأساسية، و لأنهم لم يحصلوا على دولار واحد كتعويض للمتضررين، و رحى الحرب تدور على أشدها الآن في منطقة جبل مرة. عليك بعد هذا أن تحكم إن كانت وثيقة الدوحة قد حلت مشكلة النزاع في دارفور.

صف لنا الأوضاع الإنسانية في الإقليم؟
الوضع الإنساني في الإقليم في غاية السوء. يعيش أكثر من مليوني شخص في معسكرات للنزوح يتقي فيها الناس حرور الشمس و زمهرير الشتاء و المطر بخيام مصنوعة من الخيش القديم و الملابس البالية، و يعتمدون على المنظمات الإنسانية في طعامهم و بخاصة في سني القحط مثل هذه السنة. و حتى يضيف النظام الملح على جرح النازحين، قام بطرد منظمات الإغاثة الأساسية، و قيّد حركة بقيتها و كمّم أفواهها حتى لا تستطيع نقل الأوضاع إلى الاعلام الدولي لتستفز جهات الخير على المساهمة. فالأوضاع الإنسانية في الإقليم عموماً في غاية السوء و بخاصة في معسكرات النازحين الذين لا يستطيعون الخروج من معسكراتهم للزراعة أو الاحتطاب بسبب مليشيات النظام التي تقتل رجالهم و تنتهك أعراض نسائهم و تنهب أموالهم.

– ما رأيكم في مساعدة الدول العربية لأهالي دارفور؟ هل هي كافية أم أنها في حاجة إلى مزيد؟
يبدو أن معظم الدول العربية انطلت عليها دعاية النظام بأن الصراع في إقليم دارفور صراع بين عرب و زرقة، و أنه يقاتل في دارفور ليحافظ على عروبته و إسلامه. و لذلك إختارت الأنظمة العربية جانب النظام، و لم يعيروا المواطن في دارفور أدنى اهتمام إلا بعض الاستثناءات البسيطة و على رأسها جهود قطر في هذا الجانب. و عندما يرى الإنسان في دارفور أن مجموعة محدودة من الدول العربية تتبرع لدعم النازحين و اللاجئين في سوريا بملياري دولار في جلسة واحدة تدفع على الفور مقابل 250 مليون دولار إلتزم بها العرب منذ سنين و لم تنفذ منه إلا القليل حتى الآن، يستيقن أن النظرة العربية لإنسان دارفور مختلف عن غيره من الشعوب العربية. أهل دارفور مسلمون مائة في المائة، و نسبة معتبرة منهم ينتسب عرقياً إلى العروبة، و الثقافة السائدة هي الثقافة العربية الإسلامية. و لكن العالم العربي أخرس إلا من أصوات الحكام.

من يستهدف قوات حفظ السلام الدولية و يوناميد في دارفور؟ و هل تعتبرون هذه القوات عدواً لكم؟dr aisha albasari unamid
القوات الدولية هم أدرى الناس بمن يستهدفهم، و لكنهم لا يستطيعون الإفصاح عن هذه الجهة إما لأن قادتهم باعوا ألسنتهم للنظام، أو خشية أن يطردوا فيفقدوا وظائفهم التي تدر عليهم ثروة معتبرة. و قد شهدت بذلك صاحبة الضمير الحي الدكتورة الجزائرية عائشة البصري التي كانت تعمل في وظيفة ناطقة رسمية للبعثة الأممية الإفريقية المشتركة في دارفور و فقدت وظيفتها بسبب صدعها بالحق.
فمليشيات النظام القبلية هي التي تستهدف قوات البعثة المشتركة، و تنهب أموالها و ممتلكاتها. أما بالنسبة لنا، فهؤلاء أبناء شعوب آثرت أن تهبّ لنجدتنا، و تحمي أهلنا في أحلك الظروف. فالواجب تجاههم إذا التقدير و الاحترام، و ليس معاداتهم حتى و لو قصّروا في أداء واجبهم بسبب فساد قادتهم.

ما حقيقة انقسام الحركة و تأسيس حركة “العدل و المساواة الجديدة” بقيادة حذيفة محي الدين؟ و من هو؟
لا يعد خروج شخص أو إثنين من الحركة إنشقاقاً فيها. كما لا تستطيع منع هؤلاء الأشخاص إتخاذ ما يرون من الأسماء تخدم أغراضهم الآنية. الذين خرجوا من الحركة هم منصور أرباب و حذيفة محي الدين. و الأول رئيس الثاني الذي انضم إلى الحركة في خواتيم عام 2011 و هو بالسعودية. ثم أدخل السجن و بقي فيه حيناً من الزمان لأسباب يعلمها هو. و لما طُرد من السعودية استقبلناه خير استقبال، و رفعناه مكاناً عليّاً في قيادة الحركة باعتباره من القلائل الذين يمثلون الإقليم الأوسط، و لكنه تعجّل أمره إلى المؤتمر الوطني ليرضى.

كم معتقلاً من الحركة في الخرطوم؟
للحركة أعداد معتبرة من الأسرى في أيدي النظام يزحون في الأغلال تحت ظروف غاية في السوء، ولدى الحركة من أسرى النظام عدد مقدّر أيضاً، و هم مكان تقديرنا و احترامنا.

– ما هي العلاقة التي تجمعكم بباقي الفصائل في دارفور؟
تجمعنا بحركتي تحرير السودان بقيادة كل من الأستاذ عبدالواحد محمد أحمد النور و القائد مني أركو مناوي القضية التي قامت الثورة من أجلها، بالإضافة إلى انتماء جزء من قيادات هذه الحركات و عضويتها إلى إقليم دارفور الذي انطلقت منها شرارة الثورة. كما تجمعنا بهم و بتنظيمات وطنية أخرى مسلحة و غير مسلحة، تحالفات أرحب مثل الجبهة الثورية و قوى نداء السودان.

– لماذا يخوض مسلحو الحركة قتالاً داخل الأراضي الليبية و خارج دارفور؟
حاول النظام في فبراير عام 2008 الانقضاض على النظام الحاكم في جمهورية تشاد و تنصيب حكومة موالية للخرطوم، فاستعان النظام التشادي بالحركة و نجح في تثبيت أركان حكمه. كما اضطرت قوات الحركة إلى الذهاب إلى العاصمة الليبية طرابلس لانقاذ رئيسها الشهيد الذي كان تحت الإقامة الجبرية هناك، عندما علمت الحركة أن نظام الخرطوم يسعى لإغتياله بالتنسيق مع بعض الثوار الليبيين. و نجحت الحركة بالفعل في انقاذ قائدها و العودة به إلى السودان في عملية جريئة أسميناها “وثبة الصحراء”. و بسبب هاتين العمليتين، ظنّ الناس أن كل من يحمل السلاح في الدول المجاورة و يقاتل، فهو من حركة العدل و المساواة السودانية، و الحقيقة خلاف ما يدّعون. نحن لا وجود لنا في ليبيا، و لا نقاتل مع طرف في أي من الدول المجاورة. و ما عندنا من المشاكل تكفينا عن الإشتغال بمشاكل الآخرين.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.