الجيل الثاني من العباقرة الذين تربُّوا في مدرسة لحس الكوع

بقلم مهدي زين
—————
ما أَشْنَأَ أن يكون لسان المرء أمام عقله ، وهكذا عودنا المؤتمر الوطني ، فأصبح في كل يوم يُدْهِشنا بنابغة وعبقري يفري فرياً لم يحدثنا الزمان بمثله ، فها هو سعادة المساعد ابراهيم صابونة يُعَيِّرُنا بأننا كنّا نتقاسم الصابونة قبل أن يطل علينا فجر الإنقاذ والسعادة ، وهو حديث في خلاصته يَنُمُّ عن جهل فاضح بخصائص هذا الشعب الكريم الذي يتقاسم كل شيئ حتى الملح ولقمة الطعام ( يقسموا اللقمة بيناتهم حتى ان كان مصيرهم جوع ) فهم أشعريون ، يقتسمون طعامهم بالسَّويّة ، محمد صلى الله عليه وسلم منهم وهم منه .

وأعجب من اقتسام الصابونة يا إبراهيم ما حدثني به صديق لي من قرية في ولاية كسلا تتاخم الحدود الأريترية ،
انعدم فيها الغاز الاّ من بيت رجل واحد كان يمتلك أسطوانة احتياطية ، ففتح بيته لأهل القرية يقاسمونه أنبوبة الغاز حتى آخر نفس فيها !!!

الغريب في الأمر يا إبراهيم ليس الصابونة ولا أنبوبة الغاز ولكن الغريب حقيقة أن تصل الي هذه المرتبة في الحزب والدولة وأنت لا تعرف خصائص الشعب الذي تحكمه ، وهي خصائص تعرفها دول الجوار ، ويعرفها كل غريب اختار السودان له سكناً أو وطناً !!!

اقتسام الصابونة ، واقتسام الملح ولقمة الطعام وأنبوبة الغاز والنبقة ، تاج شرف يزين جباه هذا الشعب الأبي ، ولا ينتقص من قدره ، ولكنه يعيب ويُشين الحكومات التي عجزت عن توفير هذه الأساسيات ، وخاصة حكومتكم التي ظلت على سُدَّة الحكم لأكثر من ربع قرن من الزمان ومازالت تنافس على صابونة ، وتتحدث عن صفوف الخبز في ذلك الزمان الغابر وتتعامى عن صفوف أنابيب الغاز التي دخلت موسوعة غينيس !!!

هل خطر ببالكم يوماً يا سعادة المساعد أن تقتسموا الرفاهية والنعيم الذي ترفلون فيه مع هذا الشعب الذي يقتسم الصابونة والرغيفة وأنبوبة الغاز ؟ هل خطر ببالكم يوماً أن تقتسموا عائدات البترول وأطنان الذهب المقنطرة مع هذا الشعب لتخففوا عنه وطأة الحياة المعيشية ، ورسوم التعليم ، وتكاليف العلاج ، ورسوم المياه والكهرباء ، وأجرة المواصلات ؟

هل خطر ببالكم يوماً أن تعاهدوا الله أن لا تركبوا الفارهات ، ولا تسكنوا القصور الشاهقات ، وأن تأكلوا مما يأكل الناس وتشربوا مما يشربون ؟ هل خطر ببالكم يوماً أن تقتسموا مع هذا الشعب الصابونة حتى لا يبقى بيت بلا صابون ؟ هل خطر ببالكم يوماً أن تخدموا هذا الشعب بتواضع وبلا إهانات ، وبلا رواتب ومخصصات حتى لا تجد الصابونة من يقتسمها ، ويرفل الشعب جميعاً معكم في النعيم يا إبراهيم ؟
لا صابونة عندك تهديها ولا مال
فليسعد القول إن لم يسعد الحال !!!

نعترف يا إبراهيم أننا قتلنا ديمقراطيتنا الوليدة بأيدينا ، وكتمنا أنفاسها بمظهاراتنا العبثية ومذكرات الجيش الفوضوية ، ومهَّدنا الطريق بأيدينا لانقلابكم ، وعجزنا عن تطبيق ميثاق الدفاع عن الديمقراطية ، ولو استقبلنا اليوم ما استدبرنا من أمرنا لتمنينا أن نعود الي حفرتنا التي كنّا ننعم فيها ونقتسم فيها الصابونة بحرية .

وإن يعجب الناس من حديث الصابونة يا إبراهيم ، فعجبٌ قول أسامة فيصل ، أمين أمانة أوروبا والأمريكتين بالمؤتمر الوطني الذي صاح قائلاً ( عن أية حرب تتحدث أمريكا وتطالب بإيقافها في السودان كشرط لتحسين العلاقات ؟ ما يحدث في السودان ليس حرباً وإنّما هجمات لمتمردين وإرهابيين رفضوا الديمقراطية وحملوا السلاح ضد المواطنين ، فهل ما حدث في فرنسا من هجمات ارهابية تعتبر حرباً ؟!! إننا نرحب بأي عمل من شأنه إصلاح العلاقات مع أمريكا ونطالب بتنسيق الجهود بين المجموعات الأهلية والشعبية التي تتوجه الي أمريكا لإصلاح العلاقات ، ونؤكد أن المشكلات حول السودان كشفت عن قدرة الحكومة على الإمساك بزمام الأمور ، وتُوجد حالة من الإندهاش بالخارج من قدرة الحكومة على قلب الطاولة وسط الأزمات ) !!

جاء هذا العبقري بما لم يأتِ به الأوئل !! تسمع مسمى الوظيفة أمين أمانة أوروبا والأمريكتين فيتبادر الي ذهنك أنَّ المتحدث هو ذو القرنين ، ثم تسمع لما يقول فتتوارى خجلاً مما يقول أجهل الجاهلين !!!

كل هذا الذي يدور في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق ليس حرباً !! كل هذا لا يعدو أن يكون هجمات إرهابية يقوم بها دواعش الحركات المسلحة !! كل هذه الطائرات التي تقذف ، وكل هذه الأسلحة التي تقعقع ، وكل هذه الجيوش والمليشيات والأجهزة الأمنية التي تفتك ، وكل هذه الميزانيات الهائلة التي تُصرف ، وكل هذه الأعداد الهائلة من الموتى ، وكل هذه القرى المحترقة ، وكل هذه الأمهات الأرامل ، وكل هؤلاء الأطفال اليتامى ، وكل هؤلاء الشيوخ المشردين في معسكرات النازحين ، وكل هؤلاء اللاجئين الي دول العالم ، وكل هذه الصور البشعة للجرحى والقتلى التي تملأ الأسافير والشاشات ، ثم عن أية حرب تتحدث أمريكا !!!!!

أمريكا فعلاً دولة غبية لا تُفرِّق بين الحرب والهجمات الإرهابية ويمكن أن يخدعها ببساطة مثل هذا العبقري الخِبّ وأمثاله الأخباب ، فَقد وصف كمال اسماعيل وزير الدولة بالخارجية وأحد عباقرة هذا النظام قبل يومين ، وصف القائم بالأعمال الأمريكي بأنه رجل محدود الذكاء ودرجة أدائه أدنى من المتوسط وعليه أن يراجع دفاتره !!
لماذا يا تُرى كلّفت أمريكا الغبية هذه نفسها عناء بناء أكبر سفارة لها في المنطقة في قلب الخرطوم بلاد العباقرة وزوَّدتها بموظفين محدودي الذكاء ؟

أمريكا هذه غبية فعلاً ، وذكاؤها محدود ، ولا تعرف إن كان في السودان ديمقراطية أم لا ، ولا تعرف من هم الذين رفضوا الديمقراطية وحملوا السلاح ضد المواطنين في السودان خلال ربع القرن المنصرم ، وأمريكا الغبية هذه يمكن إقناعها ببساطة أنَّ ما يجري في السودان ليس حرباً أهلية بل هجمات إرهابية أشبه بهجمات فرنسا يقوم بها داعشيون ينتمون للحركات المسلحة التي رفضت الديمقراطية السودانية ، ولا قضية لهم الاَّ قتل المواطنين الأبرياء العُزَّل !!!

أمريكا الغبية هذه يمكن خداعها بسهولة بهذه الحجج القوية خاصة وأنها مندهشة هذه الأيام هي والعالم أجمع من المقدرة الفائقة لحكومة السودان التي استطاعت قلب الطاولة وسط الأزمات التي تحيط بها !!! لا أدري على من قلبت الطاولة التي تبدو الآن هي تحتها ولكنها حال الذين لا يستحون ويعرفون كيف يُقلِّبون الأمور حتى يجيئ الحق ويظهر أمر الله وهم كارهون !!!

هنيئاً للإنقاذ هذا الجيل الثاني من العباقرة الذين تربُّوا في مدرسة لحس الكوع ، وهنيئاً للإنقاذ خمسين سنة قادمة يقودها فيها هذا الجيل الفائق الذكاء !!!!!
Mahdi Zain

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.