قدمت في ندوة الجامعة الأمريكية بالقاهرة ورقة بعنوان الجذور السياسية لمظالم وقضايا شرق السودان

مقدم الورقة
الأستاذ/ سيد علي أبوامنه
رئيس جبهة بجا للتحرير والعدالة
ورئيس تحالف الجبهة الشعبية المتحدة للتحرير والعدالة
مقدمة
اقليم شرق السودان, هو الاقليم الذي يقع شمال شرقي السودان, وليس الى الشرق فقط, ومن هنا تبدأ القضية, من التسمية يبدأ التزوير, وهو من أغنى الاقاليم في السودان بل في الاقليم كله، وظلت مواردة غير الناضية تشكل مطمعا خلابا منذ الفراعنة والبطالمة والرومان والفينيق والأكسوميين وأبناء عمومتنا المرويين والعرب والمماليك والأمم والامبراطوريات والدول الحديثة, ولا تزال مواردة وثرواتها يكمن أغلبها في باطن الأرض – هذا غير أهميته الاستراتيجية للعالم.
وفي دراسة مطولة سابقة عملناها وجدنا ان حوالي أكثر من 60 % من المشروعات الزراعية
, و أغلب ثروات ومعادن ظاهر الأرض وباطنها, والسلاسل الجبلية, والثروات البحرية المادية والاستراتيجية, ومجاري وأحواض المياه السطحية والمخزونة بباطن الأرض, الخزان الأرضي النوبي، والثروات الغابية والحيوانية, وغبر ذلك مما لا يتسع المقام لذكره – كلها موجودة في اقليم البجا – شمال شرقي السودان, و باختصار يمكننا أن نقول ان فيه أكثر من 65 % من المقومات الاقتصادية والاستراتيجية والتاريخية الحضارية للدولة السودانية, وكل ذلك كان السبب الحقيقي وراء ما تعرض له الاقليم في الماضي وما يتعرض له اليوم.

قضية شرق السودان, من أكبر القضايا وأهمها على الاطلاق, وتأتي أهميتها من عدة جوانب
أولاً لأنها ترتبط بانسان ومجموعة سكانية تتم ابادتها بشكل ممنهج وبطيئ غير منظور, الا لمن يعيش داخل الاقليم.
ثانيا لأنها تتم في اقليم يقع في منطقة حساسة واستراتيجية بالنسبة لكل العالم مما لها من تأثير على الأمن العالمي والاستقرار الاقليمي, وارتباط ذلك بمصالح كل العالم تقريبا.
ثالثا لأن كل ذلك يتم في ظروف يعلو فيها صوت البندقية حيث ظلت الحرب مشتعلة في أغلب أطراف السودان منذ ما قبل الاستقلال, منذ تمرد توريت 55 وحتى اليوم, مما يغطي على مسامع العالم الذي تم برمجة اذانه لتلقف صوت البنادق والمجاز الدموية فقط، وليس أصوات الشعوب التي يتم محوها ببطئ و ذلك من خلال سياسات وبرامج وخطط مدروسة تهدف الي محو هذا الانسان ومحو ثقافته بغرض تفريغ الاقليم من السكان لأسباب سياسية، تعود في جذورها لدوافع عنصرية، ترتبط بحدة الجرف الذي وصل اليه التنافس الجماعاتي في السودان, مما أوصله لما نسميه ( مرحلة الانسداد القصوى ) فيما يتعلق بميزان القوي, وسيطرة العرق الواحد الذي تختلف واجهاته الأيديولوجية الزرائعية, ولكنه يعود في المحصلة لرؤية أحادية تنظر للسودان باعتباره الخرطوم, ولقواه الخرطومية باعتبارها ( قوى قومية) – حتى قبل تبلور نسق اجتماعي قومي أو ثقافة سياسية قومية على الأقل – وتحاول الحفاظ على ميزان القوى الحالي , وفي سبيل ذلك تقوم بابادة كل المكونات السودانية بشتى الوسائل القتل المباشر والتجويع والافقار والتجهيل.

بالطبع لا يمكن القول بأن كل ما حدث لانسان البجا في الشرق هو بفعل فاعل, ولكن فيما عدا التغييرات المناخية والجفاف ( وان كان للسياسات الحكومية دور نسبي في ذلك) الا انها لم تكن جميعها كذلك, وفيما عدا ذلك فاننا وبعد رصد طويل المدى ومتابعة لتلك السياسات, وصلنا الى قناعة ان الاقليم لا يعاني من التهميش فقط, – لأن المهمش يستطيع أن يتقدم بحدود قدراته الطبيعية – انما يعاني مما نسمية (( بالتهشيم)), وهو تلك السياسات المركزية المرتجلة الخاطئة – والأخرى (المخطط لها سلفاً والموضوعة بعناية بالغة) و التي تهدف لتكسير كل الأبنية السياسية والاقتصادية والمجتمعية الديمغرافية, والحضارية الثقافية بالاقليم, وبقية الأقاليم الأخرى مثل دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق, وهي ذات السياسات التي تتمحور حول (فرض حل قسري للتباين في السودان بالتعريب والأسلمة)، بدلا عن الاعتراف و الاهتمام بالتنوع و العمل على الاستفادة من خيراته في استقرار البلاد, وفكرٌ كهذا لا يأتي الا من مرتكزات عنصرية تنطلق من مفهوم اقصاء الاخر، و من نخبة مستعدة لإبادة كل السودانيين لتبقى على سدة الحكم ولتحافظ على الميزان الحالى للقوى حتى لو مات أغلب السودانيين, أو حتى لو تقطعت كل أطراف السودان, وهذا هو ما دفع أخواننا الجنوبيين للمطالبة بحق تقرير المصير و لنيل استقلالهم الذي احترمناه واحتملناه على آلامه لأنه في النهاية هو خيارهم, كما انه حقٌ مكفول في كل الوثائق الاممية, وبالطبع ان استمرار هذه السياسات سيدفع بقية الجماعات السكّانيّة لانتحاء ذات النحو مالم يُسارع السودانيون لخلق ( أرضية قانونية) تلزم الجميع بالتعايش.
كما إننا أيضا لا نُعرِّف المشكلة السودانية بأنها ( الفشل في ادارة التنوع ) كما يسارع الجميع على إجترار ذلك التعريف المُخل، لأنه لا أحد حاول أن يُدير ذلك وفشل – انما نُعرفها ب( الرفض المركزي التام لهذا التنوع والعمل على محو كل مظاهره )، و نرجع ذلك بدلاً لكلمة الفشل ل( التغييب المتعمد للارادة السياسية الوطنية – أو المركزية لأدارة هذا التنوع ).

وهذه السياسات منها ما هو موروث منذ حقبة الاستعمار البريطاني, مثل الحدود والمشروعات الزراعية والتغييرات الطفيفة في التركيبة السكانية واستمر حتى الان, ومنها ما هو جديد في فترات ما عرف بالحكم الوطني, و منها ما يرجع لأسباب الفشل الادارى والنظام المركزي القابض, ومنها ما يحدث للأسباب التي ذكرناها (سياسات المحو البطئ).
و لمعرفة ذلك ما علينا سوى النظر بتمعن للأسباب الحقيقية وراء المشكلات المعروفة في الاقليم, ومنها (الفقر) كمثال.

ماهو الفقر وما هو النظام

النظام السوداني في تقديرنا هو كل الحكومات التي عرفت بالحكومات االوطنية, التي تعاقبت على الحكم منذ ما عرف بالاستقلال, وما هي بالأصل الا حلقات متعددة – من سلسلة واحدة – يختبئ أغلبها داخل أيدولوجيا زرائعية, تطوق جميعها بفعلها السياسي الوصولي – في غالبه – عمليات النماء الاقتصادي والتطور الوطني والقومي للبلاد.

الفقر رغم عدم وجود تعريف علمي محدد و متفق عليه – الا انه يمكن القول عن أسبابه انه ظاهرة تنجم عن السلوك البشري و عن تأثيرات التفاعل البشري و العلاقات بين البشر, ويرتبط دائما بال ( لامساواة) وباختلال ميزان العدل, والحكم الظالم وغياب العدل الاجتماعي, التمييزات الاقتصادية و الاجتماعية, و بسياسات النظام في تركيز السلطة والثروة والخدمات، و ليس ظاهرة طبيعية في البشر بمعنى انه لا يرتبط بأي عوامل جينيّة بيولوجية أو ثقافية او مجتمعية, وفي السودان يكاد ينحصر مصدره في (عدم توفر ارادة مركزية لمكافحة الفقر بالأطراف) بل و نشره المتعمد, في بعض الحالات عبر سياسات مقصود منها الافقار (impoverishment), والاضعاف والتجهيل بغرض السيطرة، إذا نحن لا نتحدث هنا عن فقر، إنما إفقار.

و لتوضيح الفكرة يمكننا أن ننظر لعدة أمثلة أهمها :-

• المشروعات الزراعية, والاستمرار فيها على فشلها, وتجاهل اصلاحها, و أهداف انشائها وعلاقة تلك الأهداف بالانسان المحلي وبالبيئة الصحراوية ذات المراز والبؤر الخصبة, وعلاقتها أيضا بالمدى الطويل, والتنمية المستدامة, احتلالها للمراعي, مما صادر المراعي التاريخية لمجتمع الاقليم الرعوي والمعتمد بشكل شبه مطلق على الحيوان ومنتجاته لقرون لا يعلم منتهاها إلا الله, عدم شمول هذه المشروعات للشق الاخر من الزراعة، المفهوم الزراعي المتكامل أي جانب الانتاج الحيواني, وعلاقة تلك المشروعات الإستعماريّة في تغيير الطبيعة الانتاجية لمجتمع الاقليم, و فشل المشروعات وارتباط ذلك بالمناخ وعمليات النتح و التمثيل الغذائى وعلاقة ذلك بالأمطار و بالجفاف، ثم علاقة الأمر بنفوق الحيوان، و تحول الناس الى التحطيب والفحم وقطع الغطاء النباتي، و من ثم علاقة ذلك بالتصحر الذي إرتبط أيضاً بنشر المسكيت واحتلاله للارض وتجفيفه للمياه الجوفيّة وقتله للحيوان.

• رغم قرب موقع الاقليم من المركز, وارتباطه بكل مصالح البلاد و المركز الاقتصادية و الأمنيّة، و رغم حيوية كل مناطقه, الا انه عُزِل تماماً عن الخدمات، و رغم مرور نهر النيل بمناطق الاقليم, حيث يمر النيل داخل المناطق الغربية للاقليم في منطقة أتبهر – التي لثغتها اللغة العربية الى عطبرة, الا انه حُرِم من المياه، مما يؤكد الارادة الواضحة للحكومات المتعاقبة في عزل انسان الاقليم عن الخدمات والمياه والصحة.
مع العلم ان هذه الحكومات استطاعت توصيل خط البترول سابقاً ( البايبلاين )، وخط البترول الحديث من أقصى الجنوب الى أقصى الشمال, و بنت طريق أسفلتي يمتص الميناء والذهب من أقصى جنوب مصر والبحر الأحمر للخرطوم، و عجزت عن مداواة مريض بجاوي واحد في سباسب الشرق. مع توفر امكانات كبيرة استخدمتها كل الحكومات المتعاقبة فى حروبها للحفاظ على الميزان المختل, بدلا من توطين الخدمات في الأطراف التي يعمل النظام لمحو سكانها.

• أوضاع الصحة الانجابية المتدنية جدا, بالمقارنة مع المنظمات الحكومية التي تشجع عمليات تحديد النسل في الاقليم, ومحاربة عمليات التثقيف الصحي, والتوعية باغلاق المراكز وعرقلة جهود المنظمات و طردها (مع عدم وجود اي حجة منطقية أو هدف مقنع من ذلك) سوى الحرص على تعطيل حتى الجهود غير الحكومية لانتشال هذا المجتمع المنحدر في الطريق الى الانقراض، و هذا هو الهدف الأساس للنظام ( إبادة هذا الشعب )..
إضافة للتغييب المتعمد لأبسط الخدمات الصحية, والصحة الأولية, والاسعافات (التى تُرص في المدن), بينما تنقل الحوامل على ظهور البعير ويتم توليدهن بالحبل, تحت حر الشمس في و هج الرمال، لتموت الأم ويموت الوليد.

• اصرار قوانين النظام على عدم اعتماد الملكية العرفية للأراضي, وعدم اعتماد القوانين العرفية (السالف/القلد) وهي القوانين العرفية التقليدية التي يذعن لها البجا أكثر من الدين ومن القوانين الوضعية, مع عدم اعتمادها فعلاً في التشريع و صياغة القوانين, وتركيز

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.