عائلة محمد أحمد المهدي ” عربية ” أم ” نوبية ” !!؟

يقلم : محمد بحرالدين إدريس
afendytress@yahoo.com
أولا قبل ولوجنا تفاصيل هذا المقال يجب ان نشير الى ان عروبة العديد من القبائل السودانية أمر لا غبار فيه وهذا الإنتماء تأصله حقائق تاريخية وتثبته عوامل الثقافة واللغة التي غاصت في أعماق الجسد السوداني ، ومحاولة دحض وتفنيد الأصول العربية لبعض القبائل في هذا البلد المتعدد الأعراق والثقافات بمثابة “جدل بيزنتي “ودوران في حلقة مفرغة لا محالة يصاب صاحبه بدوار الرأس ويسقط في جب عميق قبل بلوغه الحقيقة وتنطوي على تعميم مخل لا يستند الى رؤية موضوعية ، ومن الأهمية بمكان القول ان موضوع هذا المقال لا يمت بصلة بالمجموعات العربية في السودان ولا محاولة لتقليل من شأن أفراد أو عائلات أو قبائل ولا نيل من عائلة البطل الإمام المهدي أو تقليل من شأن النوبين بقدر ما إنها محاولة لسبر أغوار الإنتماء العربي لعائلة محمد أحمد المهدي بعد ان فاحت رائحة العروبة من لسان حفيدة المهدي السيدة وصال المهدي وإدعاءها أحسن العرب في معرض دفاعها المستميت عن تغيير مسار التاريخ وضرب بأسم السودان على عرض الحائط لصلته بالسواد حسب زعمها ، وبعد ان التمست’ شخصياً على لسان السيد الصادق المهدي في أكثر من مناسبة ميوله للإنتماء العروبي وولعه بالعروبة وبل تأكيده على عروبة عائلة المهدي رغم مخطوطات تاريخية ومناهج تعليمية التي حسمت هذا الأمر بنوبية هذه العائلة وإنتماءها إلى قبيلة الدناقلة أحد فروع النوبيين وموطنها الأصلي جزيرة لبب في شمال السودان .
في سبتمبر ايلول عام 2010م جمعتني جلسة منزلية هادئة بالسيد / الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي في منزله الكائن بحي مدينة نصر بالقاهرة برفقة نشطاء العمل السياسي وتطرقنا خلالها الي مذكرة الدائرة التمهيدية الاولي التابعة للمحكمة الجنائية الدولية القاضية بتوقيف البشير وأثرها على المشهد السوداني الملتهب ، وفي غمرة إنهماكنا في الحديث عرج بنا السيد الإمام الي القضية الفلسطينية معتبراً مذكرة توقيف البشير سياسية وإلا لماذا لم تصدر المحكمة الجنائية الدولية قرارات مماثلة ضد ما سماها بقادة الكيان الإسرائلي الملطخة أيديهم بدماء العرب ثم أضاف بأن الغرب يتعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي بإزدواجية معايير وويتبع سياسة الكيل بمكيالين ، مقترحاً تأسيس محكمة هجين تتألف من قضاة عرب وأفارقة مشهود لهم بالنزاحة للنظر في جرائم دارفور ” منو جاب سيرة عرب هنا “، لم يستطيع الإمام إخفاء تعاطفه مع إبتلاءات الشعب الفلسطيني أكثر من محن أبناء وطنه في أقليم دارفور ، أصابني هذا الحديث في المقتل وأثار إندهاشي لما لهذا الحديث من فضاحة ولا مسؤلية وهروب الى الأمام وإدخال ألام ومحن أهل دارفور في سوق مزايدات سياسية مقابل تسويق قضية العرب الأول بدافع الشعور بالإنتماء العربي وعلى لسان سياسي سوداني يحظى بالتأيد كبير في الأقليم المتفجر.
في الأسبوع الفارط قرأت حوار أجراها الإهرام المسائي المصرية مع السيد الصادق المهدي حول سد النهضة الأثيوبية الذي أثير حوله الكثير من اللغط والإلتباس وأثر هذا السد على مستقبل مصر والسودان ودلالات الموقف السوداني الرسمي المتأرجح بين أثيوبيا ومصر، في معرض رده على الأسئلة خلع السيد الأمام جلبابه السوداني النوبي وإرتد عباءة عربية خالصة ونقية من الشوائب وقال ” نحن كعرب قصرنا في حق أفريقيا وتركنا افريقيا للإمبرالية والغرب ليستفيدوا من موارد هذه القارة ولابد نحن كعرب نغيًر إستراتيجيتنا تجاه أفريقيا ” وأضاف ” هناك إتهام دائم من أفارقة بأننا كعرب نستعلى عليهم ويتم إستغلال هذا الأمر من قبل الصهاينة ” ربما لم يتوقع الصحفى المحترم هذه الإجابة في ظل حسبان المثقفين العرب أفريقية السودان وإعتبار عروبة السودان مجرد مجاملات !! ” ثم طرح سؤال أخر ” هل نتعامل مع أفريقيا كبقرة حلوب ؟ ” لم يرفض المهدي تقاسم حليب أفريقيا الساخن مع العرب عندما رد لهذا السؤال ب” نعم !! دون ان يرمش له جفن ، وقفت برحة من الوقت عند كلمة ” نعم ” وهي تعني إيجاب وقبول المهدي في التعامل مع أفريقيا كبقرة حلوب في وقت الذي لا يغيب عن فطنة سيادته تعامل مصر الرسمية والشعبية مع السودان كبقرة أفريقية حلوب ، ولولا معرفتي بالسيد الصادق وولعه بالعروبه ومجاهرته بالأنتماء العربي لقلت انه يتبع القول المأثور ” عندما تكون في روما تصًرف كما يتصرف الرومان !! ” ولكن لا شك ان المهدي يعني ما يقوله ، ولا يمكن إعتبار هذا نوع من سياقات كلامية إلا محاولة مكشوفة للتلوين بالعروبة وهي بالواقع ترقي الى مراتب الهلوسة والأوهام وخداع الذات وغرق في أوحال التناقضات ، وفي الختام إقترح المهدي إنشاء تحالف عربي سوداني مصري لمواجهة أثار سد النهضة ” جنس إقتراحات ” !! ٌ
في ديسمبر كانون الأول عام 2010م ألقت السيدة وصال المهدي قنبلة موقوتة على المشهد السوداني البئيس في ظل أجواء مشحونة قابلة للإشتعال وطالبت بتغيير أسم السودان الى سنار بحجة دلالة أسم السودان على السواد ، وبذلك تحولت السيدة وصال الى أول شخصية سودانية بارزة تجاهر علنية بقلبنة صفحات الماضي وتغيير مسار التاريخ ، لقد أضافت السيدة غنية جديدة لم يسبقه أحد من أسلافها أو نظرائها بقولها ” أننا السودانيين أحسن العرب وأكثرهم عروبةً ” ً!! هذا الإدعاء ينضوي تحته ويخفي ضمنه أزمة الإنتماء عند هذه العائلة و خلع وتحجيم إنتماءها النوبي .
أوردنا الأمثلة والمواقف أعلاه لقطع الطريق أمام أي تفنيد حول حقيقة إدعاء هذه العائلة العروبة ودليل مادي على سعي كبار أفراد عائلة المهدي إثبات النسب العربي والإنتماء للعروبة ، وما ذكرنا إلا لماماً من سلسلة الإدعاءات طويلة ما فتئت تشغل بالي منذ فترة ، وواحدة من أهم أسباب الإدعاء بالعروبة لدي أسر وبيوتات سياسية كبيرة نابعة من شروط إقتصادية وثقافية سائدة اليوم في السودان حيث تهيمن العربية لغةً وثقافةً على جميع أرجاء السودان هيمنة باطشة وتسيطر سيطرة شبه كاملة على أوجه الحياة المعرفي والإقتصادي والفني والثقافي والسياسي في حين ان الثقافات الأخرى شبه مهمشة وخاضعة للإستبداد العربي الثقافي واللغوي ، إذ يعتقد المتلونون وأصحاب النفوس الضعيفة الإنتماء للعرب مفتاح لكسب المال وتمتع بالإمتيازات والسلطة الأمر الذي حدا بهؤلاء نكران أصولهم وإنسلاخ من جلدهم بدلا من إفتخار به ثم إرتداء ثوب العروبة وتقمص شخصية عربية لا تشوبه الشائبة ، وتعتبر هذه العائلة واحدة من العوائل التي تدعي الإنتماء العروبي ، ولا يمكن فهم وتفسير هذا الإدعاء بمعزل عن أمراض الوعي والزيف والعقد النفسية التي تسيطر على كتلة لا تستهان بها من أفراد وجماعات وقبائل في السودان ، وهنا لابد ان ننوه على ان الخوض في ماهية هذه الأسرة والبحث عن مدلولات إنتماءها العربي أمر مشروع كونها عائلة سياسية وحكمت هذا البلد لأكثر من ثلاثة مرات منذ فتح الخرطوم تحت قيادة الجد الأكبر محمد أحمد المهدي ولا زالت أطماع العودة الى دواليب السلطة تجري في عروق هذه الأسرة مما يفتح الباب على مصراعيها بقوة لنقد وتمحيص توجهاتها الفكرية وخلفياتها السياسية وجذورها الهوياتية ، والمطلوب من هذه العائلة ان تكون منفتحة على قبول النقد وعدم تواري وراء الحجاب ووضع عراقيل أمام النقد البناء .

درسنا في منهج التاريخ في جميع مراحل التعليمية ” ولا أدري ما اذا كان قد تعرض للقص في زمننا هذا ” ان المهدي ينتمي إلى فبيلة الدناقلة أحد فروع النوبيين وموطنه الأصلي جزيرة لبب في شمال السودان ، وقد رسخت في أذهان أجيال متتالية بأن المهدي وعائلته نوبيين ودناقلة ، ولكن ماذا تغيًر ولماذا جلد الذات وسلخ الجلد وخلع الإنتماء النوبي ولبس ثوب العروبة ، وعلى أساس أية حقيقة وضمن أية أطر تفصيل هذ الثوب الجديد مع العلم ان الهوية لا يمكن إختيارها كما يختار المرء ألوان الزي وأنواع الأكل وإقتران بالزوجة أو زوج إنما الأصل العرقي موروث إنساني غير قابل للتحول وينتمي الفرد عليه بالميلاد لا بالتجنيس كما هو حال في إكتساب المواطنة ، ويتشكل ضمنه الشعور بالإنتماء والحس بالأصالة والثقة بالذات ، ويقيني ان الصادق المهدي يتمتع بعبقرية ونباهة يجعله على إلمام بخصائص وشروط وأصول الهوية سواء من ناحية علمية أو دينية ولا يفوت عنه هذه الخاصية المعلوماتية ، والتناقض الذي يقحمنا قسرا للخوض في فك طلاسمه هو كان لهذه العائلة سلطة ومنعة وقوة إقتصادية وصلاحيات تجعلها قادرة على تغيير هذا المنهج وطمر سطور التي تظهر ضمنها نوبية المهدي وإبدالها بعروبته ، ولكن أياً من هذا لم يحدث حتى تسربت السلطة والصلاحيات من بين أيديها خلسة ، إذا ما الدافع وراء هذا الإدعاء والمبالغة في تكراره وعلى ألسنة وشخوص متعددة من عائلة المهدي .

أفتونا بربكم إلى أي عرق ينتمي آل المهدي ، عربياً أم نوبياً دنقلاوياً ؟ ، وما هي دلالات هذا الإدعاء الذي لا ينتهي صداه وبلغ حد الفوضى ووصل مرحلة الغلو ومحاربة الإرث التاريخي للسودان والدعوة بتغيير إسمها الراسخ في القدم ؟ ، أفتونا بربكم يا أهل المعرفة ماذا وراء الهروب من القطيع وخلع الإنتماء النوبي بكل تاريخه وإرثه الحضاري والإنساني واللهاث وراء العرب والإرتماء في أحضان العروبة والإنغماس في محيط إجتماعي يضع المهدي و أسرته والسودانيين جميعاً في ذيله ويمنح أدني مراتب السلًم الإجتماعي . رحم الله المفكر والبطل الأفريقي جوليس جريري لقد عرف مبكراً عاهة هذا البلد وأسباب تأخره عندما قال متحسراً ” بإمكان السودان ان تقود أفريقيا ولكنها إختارت ان تكون في ذيل العرب ” !! .

وفي الختام لا يسعني إلا ان أتقدم بأطيب التهاني والتبريكات إلى الأمام الصادق المهدي بمناسبة عيد ميلاده ” الثمانين ” ونقول كل ما نتمناه من عمنا الصادق وعائلته الكريمة العودة الى الجذور كما عاد الفتي الأبنوسي من بلاد العم سام بعد ان تيقًن له زيف الإنتماء للثقافة البيضاء وقد عاد هذا الفتي الي جذوره من باب كتابه الذائع الصيت ” ” العودة الى الجذور ” فهل تعود عائلة المهدي الى جذورها النوبية أم تدفن رأسها في الرمال وتهرب من القطيع وتجري وراء غزلان شاردة .

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.