دارفور: بعد مائة عام داخل الدولة ” السودانية” … ماذا يحاك لها ؟

احمد حسين ادمAhmed Hussain Adam, Darfuri scholar and Visiting Fellow at Cornell University’s Institute for African Development
علينا جميعا، بادئ ذي بدء، رصد الأحداث و الفظائع التي ترتكب في دارفور هذه الأيام و الربط بينها لقراءة سياقاتها الكلية و مالاتها، و ذلك حتي يتسنى لنا اجتراح فعل وطني جمعي ينتزع القضية السودانية في دارفور من العصبة الحاكمة التي تنوي بها شرا مستطيرا يتجاوز حدودها. بل ان احداث الراهن المأسوية في الإقليم مدبرة بواسطة النظام لغايات محددة، خاصة في هذا التوقيت المفصلي من تاريخ السودان و دارفور، حيث حلت الذكري آلستين لاستقلال السودان في الاول من يناير ٢٠١٦ كما اننا نستشرف الذكري المائة لضم دارفور للسودان الحديث (١٩١٦-٢٠١٦)، و ذلك بعدما قتلت القوات البريطانية الغازية السلطان علي دينار -اخر سلاطين سلطنة دارفور في السادس من نوفمبر ١٩١٦.

الذكري المائة “لضم” دارفور الي ما يسمي آنذاك “السودان البريطاني المصري” نسبة الي (بريطانيا و مصر)- الدولتان اللتان استعمرتا السودان آنذاك ، و هو بالطبع السودان الحالي الذي ورثه السودانيون من الاستعمار ، بما في ذلك جنوب السودان قبل انفصاله في عام ٢٠١١. هذه الذكري ربما لا يتذكرها بعض الناس او يعيروها اهتماما، غير انها ذِكْرِي ذات مغزي استراتيجي في تاريخ نشأة الكيان السوداني المعاصر ، خاصة بعد ستين عاما من فشل الدولة الوطنية و غياب مشروع وطني يحول السودان الي دولة لكل مواطنيها.

علي انه ينبغي الا يظنن ظان اننا قصدنا بعبارة “ضم ” دارفور الي السودان بانها لم تكن جزء من الكيان السوداني او غريبة عن نسيجه و تكوينه التاريخي، من المعروف ان الإطار الجغرافي للسودان الحديث كان قد تاسس علي إرث سلطنتي الفونج (١٥٠٤-١٨٢١) والفور (١٦٥٠-١٩١٦) ، بكلمة اخري، يمكن القول ان سلطنة الفونج و سلطنة دارفور كانتا تحكمان وتمارسان سيادتهما علي نطاق جغرافي كبير داخل ما يعرف بسودان اليوم ، و ذلك حتي مجيء الحكم التركي المصري الذي اسقط سلطنة الفونج في عام ١٨٢١. بيد ان الأتراك لم يتمكنوا من اخضاع سلطنة دارفور الا في العام ١٨٧٤. و الجدير بالذكر ايضا ان السلطان محمد تيراب الذي حكم سلطنة دارفور في الحقبة من ١٧٥٢ و حتي ١٧٨٧ كانت جيوشه قد توغلت حتي مدينة أمدرمان . كما ان دارفور كانت قد لعبت دورا طليعيا مع بقية أقاليم السودان في صناعة و انجاح الثورة المهدية، اضافة الي مقاومة الاستعمار البريطاني حتي نال السودان استقلاله في الاول من يناير ١٩٥٦.

ما استعرضناه من تواريخ واحداث مفصلية من تاريخ دارفور يؤكد علي عمق ومساهمة دارفور في تأسيس الكيان السوداني الحالي علي مستويه التاريخي و المجتمعي . لكن علي الرغم من كل ذلك لا يجد اَهل دارفور من العصبة الحاكمة الا النكران و القتل و الحرمان من حقوق المواطنة.

لا شك أن هنالك انفصاليين واصحاب اجندات أمنية عنصرية داخل النظام يسعون جاهدين “لتيئييس” و دفع سكان دارفور للسير في اتجاه الانفصال ! و من المفارقات المحزنة ان هذا النظام يتعامل مع دارفور كخطر ومهدد أمني كما كان يفعل المستعمرون و الغزاة الأوائل الذين حكموا السودان !

و نحن نسبر غور ممارسات النظام في دارفور، من المهم ان نربط سياقات الأحداث التالية: مذبحة الجنينة التي ارتكبتها قوات امن النظام ومليشيات الجنجويد في العاشر من الجاري ، والتي قد تجاوز ضحاياها الخمسين ما بين قتيل وجريح من المدنيين العزل؛ نائب الرئيس السوداني حسبو عبدالرحمن وفي خطاب علني هدد واصدر تعليماته للنازحين في دارفور باخلاء معسكراتهم بغية ازالتها خلال أسابيع معدودة ، وذلك في مخالفة صارخة للقوانين و المعاهدات الدولية ذات الصِّلة، وهو امر رفضه النازحون بالإجماع . و لعله من سخرية القدر ان يأمرهم باخلاء المعسكرات في ظل ألقتل المستمر والتشريد والاحتلال والحصار المطبق علي الاراضي والمناطق الأصلية لهؤلاء النازحين بواسطة المجموعات الوافدة من دول الجوار التي يستقدمها النظام لتنفيذ استراتيجيته الامنية والعسكرية بهدف التغيير الديمغرافي لدارفور .

كذلك أعلن النظام انه سينظم استفتاءاً حول الوضع الاداري لدارفور في شهر ابريل القادم ( الإبقاء علي الخمس ولايات الحالية أو العودة الي نظام الإقليم الواحد) ، ضمن التحولات الحالية ايضاً تمكين النظام للجنجويد (مليشيا الدعم السريع ) من السيطرة الكاملة علي دارفور لتقتل بدم بارد و لتنهب و لتغتصب ليل نهار، اذ تمثلت آخر جرائمها في حملة الارض المحروقة الحالية التي تشنها علي جبل مرة في دارفور.

فضلا عما ذكرنا عن ضرورة الربط بين سياسات وممارسات النظام في دارفور ، فالواجب يحتم علينا الا ننشغل فقط بالاحداث المتفرقة التي يصنعها لتشتيت افكارنا و طاقاتنا و فعلنا الاستراتيجي الجمعي. ان استفتاء دارفور، مذبحة الجنينة الاخيرة، سيطرة المليشيات علي دارفور التي أصبحت مستعمرة تحت سلطتها ، الاستهداف العنصري الدموي لطلاب دارفور في الجامعات السودانية، فرض واقع التغيير الديمغرافي ، خطة طرد قوات حفظ السلام الافريقية و الاممية “اليوناميد” من دارفور في ابريل القادم ، ومحاولات تفكيك المعسكرات، هذه كلها احداث وعناوين وحلقات متصلة ومرتبطة عضويا بالمرحلة الجديدة لاستراتيجية النظام في دارفور وهي قطعا سيكون لها تداعيات خطيرة علي السودان بأسره !

فالثابت انه لا ترتجي من استفتاء دارفور المزمع تنظيمه في ابريل اي مصلحة لدارفور او السودان، كما ان غرض الاستفتاء ليس تنفيذا لبند اتفاق سلام مبرم ، كما انه قطعا لا يمثل إشارة لمنحي او اتجاه ديمقراطي جديد للنظام الديكتاتوري في الخرطوم ، فهو قد اثبت قطيعته الكاملة مع كل هذه الاستحقاقات و الثوابت الديمقراطية.

الواقع ان هنالك أهدافا محددة يريد النظام تحقيقها من فرض ما يسمي الاستفتاء حول الوضع الإدراي لدارفور: النظام يريد اكمال خطته في تدمير وضرب النسيج الاجتماعي والاثني في الاقليم باشعال مزيد من الفتن و الحروب بين أهل الاقليم . نظام البشير يخشي وحدة اَهل دارفور، لذلك لا يريد عودة دارفور لوضعها القديم ككيان اداري وسياسي يجسد وحدة الهوية والوجدان و التاريخ و التعايش المشترك بين كافة مكونات الإقليم. البشير يريد اضفاء شرعية زائفة لواقع السيطرة و التقسيم الاثني الحالي الذي فتت و قسم به دارفور الي خمس ولايات إيغالا في سياسة “فرق تسد” . كما أن النظام يعمل علي قطع الطريق امام اتجاهات التصالح و التفاهمات الجارية بين سكان الإقليم بعد المراجعات الجادة التي اجرتها بعض المجموعات الاثنية التي كانت حليفة للنظام، حيث اكتشفت استغلال النظام لها و دوره القذر في صراعاتها و حروبها البينية.

دارفور تشهد مرحلة جديدة من الابادة ، و ان أولوية الاقليم ليست في اجراء استفتاء مهرجاني مزيف مفروض من السلطة يضاف الي سجلها في تزوير الاستحقاقات الديمقراطية السابقة. حقا ان أولويات دارفور القصوي هي إيقاف الابادة وتحقيق العدالة و السلام الشامل العادل الذي يمكن أهل الإقليم من المساهمة شركاءهم في الاقاليم الاخري من تشكيل مستقبل السودان الجديد.

ان حلقات المؤامرة متصلة ببعضها، و لذلك ليس غريباً ان يربط نائب الرئيس حسبو عبدالرحمن “ممثل الجنجويد” في رئاسة البشير بين استيفاء شروط الاستفتاء وتفكيك معسكرات النزوح ، نائب البشير ابتز النازحين بصلف فأمرهم بمغادرة معسكرات النزوح والعودة الي مناطقهم الأصلية قبل شهر من الاستفتاء إن هم أرادوا المشاركة فيه. ان محاولات تفكيك المعسكرات تجري علي قدم وساق، فالنظام يمارس الاغتصاب ، التجويع ،الإعتقال والقتل لاجبار النازحين لاخلاء المعسكرات. البشير و عصبته يرتعدون من معسكرات النزوح فهم يَرَوْن فيها شواهد حية لجريمة الابادة الجماعية التي ظلوا يرتكبونها منذ عام ٢٠٠٣. و لا شك ان بعبع المحكمة الجنائية الدولية قد تمكن من راس النظام ، و لذلك أمر نائبه حسبو عبدالرحمن بتولي مهمة تفكيك معسكرات النازحين بكافة الوسائل لطمس ادلة جريمة الابادة .

لا شك ان دارفور الان تبدوا سجنا كبيرا، بل مستعمرة تحكمها كتائب الامن ومليشيات الجنجويد (الدعم السريع) بالحديد و النار. فمذبحة الجنينة ليست حدثا استثنائياً او عابراً، فالآن الإقليم في حالة احتقان غير مسبوقة، اذ ان اجزاء كبيرة من أراضي السكان الأصليين انتزعتها المليشيات التي جلبها النظام من دول الجوار لدعم مليشياته واحداث التغيير الديمغرافي في الاقليم ، إنه من المخزي ان تُمارس المليشيات جريمة “السخرة” في دارفور في القرن الحادي و العشرين – من المعروف ان بعض المواطنين في الإقليم يجبرون علي اقتسام حصاد زرعهم مع قادة المليشيات مقابل الامن و الحماية!

ما يحدث في دارفور الان ينذر بخطر عظيم ليس عليها وحدها، بل علي الكيان السوداني كله. اننا نثمن الاستنكار الواسع للسودانيين للمذبحة البشعة في الجنينة، لكننا في ذات الوقت ندين المواقف المخزية و الانتهازية لابناء دارفور المشاركين في النظام و الذين تنكروا لدماء اهلهم من اجل المناصب و المال . كما نرحب باجماع السودانيين ضد ما يسمي “استفتاء دارفور” و” تفكيك المعسكرات” والاستهداف العنصري الدموي ضد طلاب دارفور في الجامعات. و ذلك في وقت يعتقد النظام ان الظروف مؤاتية لتنفيذ وفرض مخططاته الشريرة في دارفور وغيرها، انطلاقا من تقديراته بان موازين القوي علي الارض قد تغيرت لصالحه، و إحساسا من قادته بان المجتمع الدولي كذلك مشغول بأزمات وأوالويات إقليمية ودولية اخري .

و حتي لا تتحقق اجندات النظام الكارثية فان السودانين جميعا مطالبون بالتقاط زمام المبادرة بالتصدي لازمة السودان في دارفور قبل فوات الاوان ، اذ يجب ان يكون التصدي لهذه الأزمة همآ و “بنداً” وطنياً قومياً ، و لا بد من حملة وحراك وطني جمعي ضد الاستفتاء ومخطط تفكيك معسكرات النازحين.

دارفور التي كانت احدي مهود الكيان الوطني القديمة لن تحقق لانفصالي النظام مبتغاهم الشرير. اَهل دارفور كافة بمختلف مكوناتهم و خلفياتهم في حاجة ملحة لوقفة تقييمية جادة ، خاصة بعد انقضاء اكثر من ثلاث عشرة سنة من الابادة والعنف، عليهم التواضع علي ميثاق وطني و خارطة طريق لوضع حد لمؤامرات النظام وعملائه وإيقاف الابادة الجماعية. و بمزيد من التضام الاجتماعي ووحدة قواها النشطة، فان دارفور ستكون علي موعد جديد مع التاريخ لتصنع المستقبل و المشروع الوطني المستنير للسودان جنباً الي جنب مع بقية السودانيين كما فعلت علي مر حقب التأريخ .

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.