تغيير اسم السودان ثم تغيير اسم دارفور – مسلسل صناعة العنف

محمد بحرالدين ادريس

afendytress@yahoo.com

يحتدم الجدل اليوم في العالم بين العديد من الدول والقوميات والجماعات بسبب خلاف حول اسماء المناطق والاقاليم والأنهار والدول تحمل اسماء تاريخية متصلة بهويات معينة وترمز الي قوميات وأصول عرقية معينة وفي التاريخ الغابر نشبت الكثير من الحروبات والمناوشات بين المجتماعات البشرية بسبب اقدام بعض بتغيير الأسماء التاريخية للبلدان والمناطق ليست بالضرورة محل اتفاق بين القوميات والهويات المكونة لها خلفت خسائر فادحة على الجنس البشري .
منذ القرن التاسع عشر عاش الشعب في كمبوديا في ظل حروبات طاحنة بسبب تغيير المتواصل والمضطرب لأسم البلاد بواسطة القادة السياسية الحاكمة لمصلحة المعتقدات والهويات الخاصة بهم ، حدثت العشرات من الإنقلابات في كمبوديا الحالية بواسطة القوميات القاطنة والمتناحرة بسبب سعي كل حاكم جديد تغيير اسم البلاد وأطلاق كلمات ذات دلالات عرقية على هذا البلد الصغير ، و خلفت هذه الحروبات الألاف من القتلى والجرحي ونفوق الملايين من الماشية وتسببت بألأضطراب وعدم الإستقرار السياسي لم يتعافى منه كمبوديا الا بعد أطلاق اسم دولة كمبوديا المحايدة تحت سيادة السلطة الإنتقالية التابعة للأمم المتحدة عام 1989- 1993 م ، لقد حمل كمبوديا اسماء عدة منذ الإستقلال في اطار الصراع القائم بين الخمير الحمر والخمير والعرقيات ذات أصول الصينية والفتنامية والهندية وتشام بشأن اسم الدولة الذي اطلق عليها الخمير الساعين لإستعادة مجدهم بعد إستيلاءهم على الحكم سنة 1970م بجمهورية الخمير ثم ما لبث ان تحول الأسم الي ( مملكة الخمير الحمر ) كمبوشيا الديمقراطية في عهد الخمير الحمر 1975 – 1979م ثم اطلق عليها دولة كمبوتشا الشعبية على اعقاب سقوط حكم الخمير الحمر على ايدي الجماعات العرقية المدعومة من الفيتنام والقريبة من القومية الفتنامية سنة 1979 – 1989م ، ولم يمضي الأسم الأخير كثيرا سرعان ما اندلعت الحرب بين القوميات المتناحرة والمعترضين على هذا الأسم ادى الي تقسيم البلاد الي كنتونات عرقية الي ان تدخل الأمم المتحدة لنزع فتيل الأزمة والاتفاق على الأسم الحالي الذي تعود دلالتها الي عرقية كمبوجاس التي قطنت هذه المنطقة واسست مملكة كمبوجا وتعني أرض كمبوديا .
في القرن العشرين وعلى مرمي حجر من السودان نشبت الحرب بين الشعوب القاطنة في بلاد الحبشة (اثيوبيا وإريتريا حالياً ) إستمرت رحاها حوالي ثلاثين عاما بسبب اعتراض التقرنجا والتقري والسحو والبلين والهداربا والأوغادين ومجموعات أخري على أسم الحبشة الأسم التاريخي للمنطقة الواقعة على الساحل الغربي للبحر الأحمر – ضمن قضايا اخري لا يتسع الحيز لذكرها – لإعتقادهم بأن أسم الحبشة ترمز لقومية الحبش (الأمهرة) ولا يمت للقوميات الأخري بأي صلة ، لقد خلفت هذه الحرب خسائر بشرية ومادية كبيرة وتسببت بتقطيع الأوصال بين العرقيات التي عاشت في الوئام في ظل دولة الحبشة التاريخية ولم تضع الحرب أوزارها ألا بعد أنفصال إريتريا عن أثيوبيا عام 1993 ، ولا تزال أعراض هذه الحرب متفاقمة وتأثيراتها ماثلة امامنا والسودان من أكثر بلدان العالم تضررا بهذا النزاع التاريخي بسبب أمتدادات التاريخ والجغرافية ، بيما لا نزال الحرب تجري رحاها في أقليم أوغادين بين شعب أوغادين ودولة أثيوبيا بسبب رغبة الأول في الإستقلال عن الثاني والعيش تحت كنف دولة أوغادين وبأسمها بدلا من أثيوبيا ان استطاع سبيلا ، ولا يمكن تفسير الصراعات في الحبشة القديمة خارج سياق التنافس العرقي والثقافي والديني وممانعة العيش تحت كنف دولة الحبشة التي تشير اسمها على عرقيات بعينها حسب رأي العديد من النخب السياسية والثقافية في البلدين المنفصلين .
وفي عصرنا الحالي لا يزال الخلاف يدب بين أيران ودول العربية في شأن تسمية المسطح المائي الذي يقع الي الشرق من الشبه الجزيرة العربية والى الغرب من إيران يسميها العرب بالخليج العربي بينما يسميها إيران بالخليج الفارسي ، ومرد هذا الخلاف يعود الى القرن الماضي عندما اعترضت الدول الخليج العربية اسم الخليخ الفارسي على هذا المسطح المائي ذات أهمية عالمية ، وقد أتخذت الدول الخليج العربية عدة اجراءات أهمها تعميم اسم الخليج العربي في جميع المناهج التعليمة وايقاف التعامل مع المؤسسات الإعلامية والصحف والمجلات التي تعتمد اسم الخليج الفارسي في كتاباتها وبحوثها ، ودعت جميع الدول العربية الي اتخاذ إجراءات ماثلة ، فيما اتخذت إيران خطوات أكثر تشدداً حيث منعت بيع واعطاء التصاريح لجميع المؤسسات العلمية والأعلامية التي تعتمد اطلس يظهر فيها اسم الخليج العربي واعتبرت اسم الخليج الفارسي جزء لا يتجزأ من هوية البلاد ، ويعكس هذا النزاع صراعاً قوميا وعرقبا وسياسيا ذو مضامين إستراتيجية وتشكل حجر عثرة امام العلاقات العربية الإيرانية .
هكذا يعلمنا التاريخ وامتداداته الجغرافية والسياسية القريبة والبعيدة كيف ان تغيير أسماء المناطق والبلدان والأقاليم إستجابةً للرغبات العنصرية في اطار صراعات ذات تابع التنافسي القومي الهوياتي العرقي تسببت بصعوبات وألام قاسية على حياة الجنس البشري في بلدان متعددة من العالم ، ويبدو ان السودان في طريقها للعبور الى باب جديد من أبواب العنف اللا متناهية وابتكار نوع اخر من أسباب العنف الدموي بعد ان ألتحم تاريخها بالعنف بشتى أنواعه وإشكاله وبأسباب مختلفة وهذا العنف الدموي لعب دور حاسم في توتير العلاقات الأجتماعية بين الشعوب السودانية و أجهض حركية الحياة وتتطورها وحول الدولة السودانية الى شاشة تلفاز لوحي كبير تعرض مسلسل الموت والدماء لشعوب العالم تماماُ مثلما تعرض شركات الإنتاج أفلام ومسلسلات العنف الترفيهي لجذب المشاهد على الشاشات إتقن الشعب السوداني مختلف أنواع العنف – العنف المجتمعي والعنف الجسدي والجنسي والنفسي وروحي وسيكلوجي والمادي – وابتكر الكثير من أسباب العنف طارة بسبب العقيدة وطارة بسبب السلطة والسياسة وطارة اخرى بسبب العرق واللون والثقافة ، وها نحن على أبواب اخر ما توصلنا عليه من أبتكاراتنا ذات مظاهر دموية ، الولوج الى العنف بسبب تغيير الأسم التاريخي لبلدنا وأسماء التاريخية لأقاليمنا ، ودائما ما تكون النخب السياسية والمثقفين وراء إبتكار سناريوهات العنف وانتاج مسلسلات الأكثر دموية للمشاهد تؤدي الى تأليب المجتمع ودغدغة مشاعر الناس .
أطلت السيدة الوصال المهدي برأسها من بيوتات السياسة في 25ديسمبر القانون الأول عام 2010م مطالبةً بتغيير أسم السودان وابداله بسنار ، وقالت السيدة وصال إنها طرحت هذا الإقتراح بسبب دلالة أسم السودان على السود ويا ليتها صمتت أضافت بلا حياء بأن السودانيين أكثر عروبة من جميع العرب ، ولا شك ان السيدة وصال لسان حال كتلة صامتة لا يستهان بها من النخب السياسية والمثقفين في المركز ، ولكن ما هو المعيار الذي استندت عليه السيدة وصال لتأكيد إنتماءها للعروبة وإدعائها أحسن العرب لما يشويه من إعتباطية والتزيف والإنتحال حتي تدعو بتغيير أسم تاريخي رسخت في مخيلة الشعوب منذ قرون عدة ، فإذا كانت هذه السيدة عربياُ رغم معرفتنا بأنها تنتمي الى قومية النوبين ومن قبيلة الدناقلة كما جأءت في المناهج التعليمية هذا شأنها لا دخل لنا بها ويحق لها ان تدعي ما تراه مناسبا ، ولكن بأي حق تدعو بتغيير مسار الحياة وهدم التاريخ وضربه على عرض الحائط ، نعم اسم السودان يرمز الى السواد وهذا هو الأصل ويجب ان يبقى كذلك ، فالهوية والأسماء في رأي لا تحددها هويات المجتمعات البشرية القادمة من الخارج بل تتحدد بإنتمائها الترابي وبلغة خاصة بهذا الأرض والسودان منطقة أفريقية تنتمي الي ارض أفريقي وليس الى أرض عربية في المشرق وفي قارة اسيا منبت العرب أجمعين وهذا أرض السود في الأساس والمحصلة تكون السودان بلد أفريقي في ارض أفريقي هويتها أفريقية وإسمها ناتج من سواد سكانها ويجب ان يتمتع جميع شعوبها بالعيش والإنتفاع من أرضها سواسياُ سواء كانوا أصليين أم قادمين من الخارج بيضاً كانو أم سوداً ويتشاركا في ادارة مواردها الوفيرة ، ولكن تغير الأسماء يعني تزوير التاريخ والقفز فوق الحقائق والمنطق ، لقد إكتفى الشعب السوداني من مسلسل العنف والدماء وارهقه هذه المشاهد والمناظر المرعبة غير ان السيدة وصال تريد بذلك إدخالنا الى حلقة عنف جديدة ونزاعات أخرى قائمة على الأسماء والألوان لا حيلة لنا فيه ،
والغريب ان يمتد هذا المرض النفسي الي الأقاليم والولايات ويصيب مجموعات أخرى من السياسين والمثقفين ويحذون حذو السيدة وصال ، وان يمتد الحديث عن تغيير أسم السودان الي تغيير أسماء الأقاليم والمناطق والأرياف وعلى لسان أبناء الهامش حيث دفع السياسي الدارفوري مهدي عبدالله الأسبوع الفائت على طاولة ما يسمى بالحوار الوطني بمقترح تغيير اسم أقليم دارفور بسبب رمزيتها التاريخية لقبيلة الفور مطالباً بإختيار أسم جديد ، وبذلك يبدو ان الحلقة أقتربت ان تكتمل – تكتمل حلقة التزييف وهدم التاريخ – فأقليم دارفور الجريح الذي عانى من ويلات الحرب وافرازات النزاعات العرقية والقبلية ليس بحاجة الي سب المزيد من الزيت على ألسنة اللهب المشتعلة منذ سنوات بل في حاجة الي مواجهة عاصفة العنف ومحاصرة أثاره . ان ما يميز الساسة السودانين سوءاً عن ساسة العالم هو العقل وطريقة التفكير والسلوك ، فالساسة في السودان تسيطر عليهم عقلية العنف والدماء ونزعة الجريمة والقسوة في الطباع والتعصب العنصري والعرقي والثقافي والميل الى أكل السحت والفساد بينما يختفي في تفكيرهم الجمعي ثقافة السلام والمرونة ومفهوم التسامح وقبول الأخر بأبعاده الإنسانية وقيم بناء المستقبل وتطوير البنية الإجتماعية والتحتية والأصلاح المجتمعي ، لقد فشل رجال الساسة في السودان محاصرة العنف الإجتماعي وتجفيف مصادره وتخليص إمتداداته لذلك لم يتمكن السودان من التقدم خطوة واحدة في مسار الحضارة الإنسانية وسوف تظل السودان تدفع فواتير غالية حتي تستطيع الوقوف على رجليها طالما أمثال مهدي عبدالله ووصال المهدي يقودون حركة التاريخ ومستقبل الأمة السودانية رهن إشارتهم ، ان المشهد السوداني البئيس يكفيه إشتعالاً لقد آن الأوان ان ندوس مكابح حركة العنف هذه ونفكر بعقلية تتميز بالمرونة لا القسوة ونعيش في السلام لا العنف وقد ملت شعوب العالم من مشاهدة أفلام العنف والموت التي نصدًرها يومياً الي العالم عبر قنوات فضائية متعولمة ، متي تصلحون وتنفعون قومكم وبلدكم يا أيها الساسة السودانيين ، صدق من قال – في الهواء الطلق يشعل الفتي النار لتدفئة أيديه من السقيع ولكن الهواء دائما ماهراً لسب الزيت على ألسنة اللهب لتلتهم الفتي ويحوله الي رماداً – !!!!
 كاتب سوداني مقيم بالقاهرة

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.