البرلمان السودانى (الدمية) يغلظ عقوبة الشغب خوفا من انتفاضة الجوعى القادمة !!

abubaker-algadi+ كان الاحرى بالبرلمان السودانى ان يستجوب كلا من وزير الداخلية ، و رئيس جهاز الامن والمخابرات حول احداث ازالة قرية مولى من الخريطة ، وضمان حماية المدنيين فى الجنينة ، و ضمان التحقيق العادل ، الشفاف و المحايد .

+ تعديلات قانون العقوبات تمت بطيقة غير مهنية ، والعقوبات المغلظة داعشية ترمى الى ارهاب الشعب !!

اجرى البرلمان السودانى ، فى جلسته المنعقدة بتاريخ ٢٠/ يناير /٢٠١٦ تعديلات جوهرية لقانون العقوبات ١٩٩١ تتعلق بالحقوق الاساسية والحريات ، وحق التجمع ، والتظاهر ، و تسيير المواكب … الخ ، وذلك بتشديده العقوبات على جرائم متنوعة منها جريمة (الشغب) بطريقة جنونية ، تشبه سرعة التدهور فى قيمة الجنيه السودانى ، و اخذا بفقه الاولويات ، فسوف نقتصر ملاحظاتنا فى هذا الحيز على التعديلات الماسة بالحقوق الاساسية والحريات ، و ذلك حتى لا نخلط بين الاهم ، والمهم وذلك على النحو التالى :
اولا :
١- شملت التعديلات موضع التعقيب المادة ٦٨ من القانونون الجنائى ١٩٩١ التى تعاقب على جريمة الشغب المعرفة بموجب المادة ٦٧ من ذات القانون ، وكانت العقوبة المقررة لجريمة الشغب هى السجن ٦ شهور او الجلد ٢٠ جلدة او الغرامة ،
و تفيد التقارير الصحفية المنشورة بهذه المناسبة بان العقوبة المقترحة للشغب طبقا لاول مشروع تعديل تقدمت به وزارة العدل كانت السجن لمدة سنتين ، وعندما تصعد مشروع القانون لمجلس الوزراء (الحاقد ) على الشعب ، دخلت المزايدات ، فتم رفع سقف عقوبة الشغب الى السجن المؤبد .
وحين وصل مشروع القانون الى البرلمان ، استقر الامر على ان تكون العقوبة العادية للشغب خمس سنوات ، اى مضاعفة العقوبة عشر مرات على ما كانت عليه فى قانون ١٩٩١ ( ٦ شهور ) .
٢- كما شملت التعديلات موضوع التعقيب المادة ١٨٢ عقوبات ، وهى تتعلق بحالة خاصة مغلظة من الشغب ، وهى حالة الاتلاف الجنائي اثناء الشغب بالاغراق او استعمال النار او المواد الحارقة او الناسفة ، وفى هذه الحالة المغلظة من الشغب استقر التعديل النهائي على عقوبة السجن ١٠ سنوات ، وجرت مزايدات كثيرة كانت ترمى الى تشديد العقوبة المغلظة لتكون السجن المؤبد .
ثانيا : المناخ .. والبواعث على استصدار هذا التشريع بهذا الاستعجال ، والطريقة غير المهنية:

ان هذا التشريع المعيب شكلا و مضمونا ، لم يات من فراغ ، و انما هو نتيجة مباشرة لهبة / انتفاضة اهل الجنينة / عاصمة ولاية غرب دارفور ، التى تعاطف اهلها مع مواطنى قرية مولي المنكوبة التى تعرضت للابادة .. والمسح من الخريطة بالحريق الكامل / الشامل ، والي هذه الخلفية عن احداث الجنينة ننقلها برواية ( المركز الافريقى لدراسات العدل والسلام ) ، وذلك حسب الايجاز التالى :
أ- في يومي ٩/ و ١٠ يناير الجارى قامت قوات الدعم السريع بحرق قرية مولي الواقفة ١٥ كيلو جنوب مدينة الجنينة ، كما قامت بخطف اربعة اشخاص من اهالى نفس القرية لازالوا مفقودين .
ب – فى يوم ١٠ يناير قامت قوات الاحتياط المركزى وجهاز الامن والمخابرات باطلاق الذخيرة الحية على محتجين غاضبين تجمعوا امام مبانى حكومة ولاية غرب دارفور بالجنينة ، غالبيتهم من اهالى قرية مولي التى تم حرقها ، الذين اتوا الى مقر حكومة الولاية طالبين الحماية من اعتداءات قوات الدعم السريع الهمجية . وقد اسفر اطلاق النار الحى المذكور عن مقتل سبعة اشخاص بينهم صبي عمره ١٦سنة ، وجرح ١٠ أشخاص آخرين !!
ج – فى يوم ١١ يناير اطلقت قوات الامن والمخابرات الذخيرة الحية لتفريق المواطنين الذين تجمعوا بمقابر الجنينة لتشيع قتلى اليوم السابق الذين ماتوا بسبب الرصاص الحى لقوات الامن والمخابرات .
د – فى يوم ١١ يناير قامت قوات الجيش ، والامن والمخابرات بمنع فريق من التحقيق تابع لليونوميد من دخول منطقة قرية مولى لزيارة قرية مولي المنكوبة واجراء التحقيق المحايد اللازم .

ثالثا : استنادا الى ما ورد بالبندين اولا وثانيا اعلاه نخلص الى النتائج التالية:-

١- ان هذه التعديلات التعسفية لعقوبة جريمة الشغب ، وتعريفها طبقا للمادة ٦٧ عقوبات ، (يعد مرتكبا جريمة الشغب من يشارك فى اى تجمهر من خمسة اشخاص فاكثر …الخ ).. الهدف منها هو منع (التجمهر مطلقا) ، وبالتالي مصادرة الحقوق الاساسية للشعب ، لان من يريد ان يخرج فى موكب سلمى فان الحكومة لا تصرح له ، فالمظاهرة الوحيدة التى يصرح بها فى السودان هى تلك التى تؤيد قضية فلسطين ، او الاخوان المسلمين / حماس فى فلسطين ، وحتى هذه ستكون قيد النظر الان بعد ان قررت حكومة الخرطوم داخليا التطبيع مع اسرائيل .
٢- ان حكومة الانقاذ ، واجهزتها الامنية ، وقوات الدعم السريع ، حين تتجه الى تغليظ عقوبة الشغب ، فانها تريد ان تغطى عورتها المكشوفة امام اهالي قرية مولى ، ومدينة الجنينة ، وامام الشعب السوداني، وتريد ان تلقي اللوم على الضحية ، تهربا من جرائمها الشنيعة المتتالية ايام : ٩ ، و ١٠ ، و ١١ من شهر يناير فى قرية مولى / ضواحى مدينة الجنينة ، وفى مدينة الجنينة نفسها ، والمشار اليها فى البند ثانيا اعلاه مما يغنى عن التكرار
ان هذا البرلمان السوداني حين يتجاهل تظلمات اهالى قرية مولى ، ومدينة الجنينة ، ويتبنى رؤية قوات الدعم السريع ، فانه يبرهن على انه لا يمثل ضمير الامة السودانية ، وغير معنى بسيادة حكم القانون ، ولا عجب ، فهو برلمان لم ينتخبه الشعب السودانى (١١٪ فقط شارك فى الانتخابات ) ، فقد كان الاولى بهذا بالبرلمان ان يعطي الاولوية لحماية المدنيين العزل من بطش جهاز الامن والمخابرات وقوات الدعم السريع والاحتياطى المركزى ، التى اطلقت الرصاص الحى على المدنيين العزل المستظلمين من بطش قوات الدعم السريع فى قرية مولي / ضواحى مدينة الجنينة ، فقد كان واجب البرلمان استدعاء وزير الداخلية ، ومدير الامن والمخابرات ، واستجوابهم حول الاستخدام المفرط للرصاص الحى ، وحماية المدنيين من جرائم قوات الدعم السريع سيئة السمعة ، وتامين تحقيق عادل ، شفاف ، ومحايد بواسطة النيابة ، والسماح لقوات الينوميد بالقيام بوجباتها تجاه حماية المدنيين ، وكتابة تقرير محايد بعيدا عن الاجراءات التى تقوم بها حكومة السودان .
٣- لقد قدم البرلمان الدليل القاطع على انه (دمية ) فى يد السلطة التنفيذية ، وجهاز الامن والمخابرات ، القراءة السياسية السليمة تقول : اليوم فى السودان يوجد كيان واحد يهيمن على جميع اجهزة الدولة ، هو جهاز الامن ، وقوات الدعم السريع التابعة له ، فالسلطة التشريعية تغزمت ، واصبحت مؤسسة تتلقى الاوامر ، ولها ترزية جاهزون لتفصيل القوانين حسب الطلب .
٤ – ان اكبر دليل على ما نقول اعلاه ، هو ان البرلمان قد اجاز التعديلات على قانون العقوبات ، بطريقة غير مهنية ، دون ان يستوفى هذا التشريع المراحل التشريعية المعتادة ، ( قراءة اولى ، وقراءة ثانية ، احالة مشروع القانون الى اللجنة المختصة داخل البرلمان للدراسة المتانية ، طرح مشروع القانون للراي العام ، وللصحافة / السلطة الرابعة ، واقامة ورش العمل ، والندوات والحوارات بشان مشروع القانون ، ملاحظات نقابة المحامين … الخ ، ثم اجازته فى مرحلة القراءة الثالثة ) .. واضح ان البرلمان قد تلقى تعليمات باجازة هذه التعديلات قبل ان يفض دورته فى يوم ٢٠ يناير ٢٠١٦ ، فيلاحظ ان القانون قد استغرق ١٠ ايام فقط ، فقد وقعت احداث مدينة الجنينة يوم ١٠ يناير ، واجيزت التعديلات يوم ٢٠/ يناير .. تصوروا خلال ١٠ ايام فقط اعد النائب العام / وزير العدل مشروع القانون ، ثم اخذ مشروع القانون دورته فى مجلس الوزراء ، ثم اخذ دورته التشريعية كاملة فى البرلمان !! لاحظوا اننا امام تعديل قانون العقوبات ، وهو اخطر قانون اتحادى يطبق على مدار الثانية فى كل ارجاء البلاد ، والتعديلات تتعلق بالحريات ، والحقوق الاساسية ، فالمسالة ببساطة لا توجد مؤسسات مستقلة ، ولا فصل سلطات ، وان السلطة التشريعية قزم صغير ، وخاتم فى صباع السلطة التنفيذية وجهاز الامن .
٥- السمة الاساسية للتعديلات التى جرت على قانون العقوبات فى يوم ٢٠/ يناير هى ( عدم المهنية) ، والعجلة لدرجة ( الكلفتة ) ، و تغييب صوت العقل .. لم ياخذ البرلمان ( المأمور ) بنصيحة وزير العدل السابق الذى نوه الى ان الشريحة التى تقع عليها العقوبات المغلظة للشغب هى الطلاب ، وبالتالى فان عقوبة ٥ او ١٠ سنوات تعنى ضياع مستقبل الطالب ، لان البرلمان غير معنى بمستقبل الطلاب ، ولا بحياتهم ، ولا بسلامة المدنيين فى قرية مولي ومدينة الجنينة . لم يراع البرلمان ان جنحة الشغب لا يرتكبها شخص واحد ، وانما تتم بعقل جماعى ، وتحت حالة نفسية اسمها ( سايكلوجية الجماهير ) الساعية للتغير ، واذا حققت الجماهيير اهدافها تصبح ثورة تعبر عن عظمة الشعب ونبله وكرامته ، فالبرلمان معنى فقط ببقاء النظام ،، ولن يبالي حتى ولو اباد جهاز الامن ثلث الشعب السوداني !! لذلك تعمد البرلمان تغليظ عقوبة التجمهر والتظاهر بهدف ادخال الرعب في النفوس على الطريقة الداعشية ، بهدف قطع طريق الانتفاضة القادمة حتما .
٦ – ان قضية ابادة وحريق قرية مولى ، واحداث الجنينة التى مرت ( بدون تحقيق مستقل) من الينوميد ، و من النيابة تعيد انتاج احداث الضعين التى مرت بدون تحقيق ، وهى حالة تؤكد غياب هيبة الدولة ، وحالة القبيلة الاقوى من الدولة ، والقبيلة المتعالية على القانون، ولا تخضع لسيادة حكم القانون .. لقد وضح للعيان ، ان قوات الدعم السريع تستطيع ان تحل البرلمان اذا ناقش بشفافية احداث قرية مولى ، بما لا يرضى قوات الدعم السريع ، كأن يستدعى وزير الداخلية مثلا ، بل تستطيع ان تعزل رئيس البرلمان وتضعه فى السجن كما فعلت من قبل مع السيد الامام حينما كان حليفا للنظام .
٧ -ان الدافع الحقيقى من وراء اصدار تشريع اتحادى يغلظ العقوبات ضد كل من يشارك فى مظاهرة ، وهو ما تسميه الحكومة ( بالشغب) ، ان الدافع هو تفادي انتفاضة الجوعى !! ان هبة اهالي قرية مولى والجنينة والتى انتقلت اثارها الى امريكا واوروبا ، والى العالم ، لازالت الفرص متاحة لان تتحول الى انتفاضة شاملة فى كل السودان ، ان جهاز الامن يعلم قبل غيره ان انتفاضة ٢٤ سبتمبر ٢٠١٣ قد انطلقت من مدينة نيالا فى ٢٠ سبتمبر ٢٠١٣ ، فالحكومة تدري سوء الاوضاع الاقتصادية ، واثار هبوط اسعار البترول لدرجة مخيفة ، جعلت دول الخليج نفسها فى حالة تقشف ، وليست فى وضع يمكنها من تقديم يد العون للسودان . ان جهاز الامن يخشى من انتفاضة (جوعى المدن) الذين يعيشون الآن على وجبة واحدة فى اليوم ، فى الوقت الذى يشاهدون التخمة لدى اهل الحزب الحاكم ، ان ثورة الجوعى قادمة ، و لن يمنعها رصاص اولاد حميدتى .. وقوات الدعم السريع ، لانها ثورة شعبية شاملة ، لقد ركب الشباب مراكب الموت املا فى الوصول الى اوروبا ، وقد اغلقت اوروبا الابواب امامهم ، الان سيخرج الشباب لاسقاط النظام ، املا فى انجاز التحول الديمقراطى ، وازالة الطفيلية الراسمالية التى قسمت البلاد ، و افقرت العباد .وهذا الطريق اصبح طريق اتجاه واحد بعد انسداد كل السبل .
٨ — اننا لا نطالب فقط بالغاء التعديلات الغير مهنية لقانون العقوبات فحسب ، وانما نطالب بالغاء قانون ١٩٩١ برمته ، وبتعديلاته ، فهو نسخة اسوء من قوانين سبتمبر ١٩٨٣ ، لان قانون ١٩٩١ هو الذي تسبب فى فصل الجنوب وتقسيم البلاد ، وهو الذي يتضمن القوانين المقيدة للحريات ، و تم حشر قانون امن الدولة فيه منذ سبتمبر ١٩٨٣ ، وحين تطالب قوى نداء السودان بالغاء القوانين المقيدة للحريات ، فان اول قانون معني بذلك هو القانون الجنائي ١٩٩١ ، وحتى لا يحدث اى فراغ تشريعى فاننا ندعوا للعودة الى قانون عقوبات ١٩٧٤ باعتباره اول قانون عقوبات سودانى صاغه سودانيون بعد خروج الاستعمار ، و اهم من ذلك انه القانون الذى تراضى عليه كل اهل السودان فى الجنوب (القديم ) والشمال ، وللذين يحلمون بالعودة الطوعية الجاذبة للجنوب ، فان العودة الى قانون ١٩٧٤ المجمع عليه هى المفتاح السحري الذي يفتح طريق الوحدة ، ويحفظ ما تبقى من وطن قابل لمزيد من الانشطار .
ابوبكر القاضى
كاردف
٢٥/ يناير ٢٠١٦
( * كاتب المقال هو رئيس المؤتمر العام لحركة العدل والمساواة السودانية ، ومستشار رئيس الحركة للشؤون العدلية وحقوق الانسان )

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.