إستفتاء دارفور في طريقه لصناعة دولة وليَّدة عظيَّمة وبـ(الأرقام) ..!!

بقلم: كامل كاريزما

لمَّ تكّن الرغبة فى إنفصال إقليم دارفور عن السودان رغبة وليدة اللحظة ولمّ تأتي على غرار التجربة الجنوبية”south Sudan” التى باءت بالفشل ولكنها رغبة شعبوية”Populist” ذات بُعد تاريخي طويل .

فقد تصاعدت حِدَّة وقسوة المظاهرات المطالبة بالإستقلال وبلغت ذروتها بِمجارز ولاية غرب دارفور في حاضرتها الـ(جنينة) التى أودت بحياة أكثر من 30 مُواطن برءي أعزَّل بلا جدوى يُذكر من قِبَل المليشيات المُؤتمر الوطنِى، فقط رفعوا الشعارات مثل “الشعب يريد تحسين الأوضاع المعيشية”، و”شعب بلا خبز بلا ماء بلا أمن يا والي”.

وبعد أسبوع من تلك المظاهرات التى راح ضحيتها عشرات من المواطنيين الأبرياء العزَّل في مدنية “الجنينة”، طالبت كُل الشعب الدارفوري ممثلاً في ولاياته الـ(5) بإنفصال حقيقي في أرض الواقع كي يرتاحوا ويسريحوا من قتل وتشريد الـ”دائم” والبطش والقمع الـ”مُستمر” والنُزوح واللُجؤ الـ”يومي”، وكانت تلك المُطالبة تمّت عبر المواقع التواصُل الإجتماعى والخلاوي والمدارس والمساجد ٠٠٠الخ .

ورغم أنَّ دعوة الإنفصال ليست جديدة فإن الأزمة الأمنية التي تُمر بها السُّودان وسّعت دائرة الداعين لها، بعد أصبحت ثُلُث سُكان السُّودان في المُدن والأرياف غير آمنيين بإضافة إلى مناطق النزاع المُشتعلة:”النيل الأزرق، جنوب كردفان، جبال النوبة، الأنقسنا، دارفور، أرض المحس والسكوت، شرق السودان” .

ويشعُّر الكثير مِنْ سكان دارفور بأنَّ المنطقة كانت يجب على المركز”Center” أنَّ تتعامل معاها بشكل أفضل بدلاً من إنفصال”الإجباري” ولكن على ما يبدُّون في أراءهِمْ ومُقترحاتِهمْ وبصريح العِبارة:”وقعت الفاس بالرؤوسِهم” أي كمّا يقول المثل الشعبي في دارفور:”الطير أكل البِذرة خلاااااص” .

ويتمَّتع الإقليم دارفور الذي يُبلغ عدد سكانه ما يقارب 7.5 ملايين نسمة حسب آخر إحصاء للسُكان في السودان، بأوسع تدابير للحُكم الذاتي بين أقاليم السُّودان، ويأتي ترتيبه الأول من حيث المساحة، تقدر مساحته بخُمس مساحة السودان، وتحد الإقليم ثلاث دول:”من الشمال ليبيا ومن الغرب تشاد ومن الجنوب الغربي أفريقيا الوسطى”، وأيَّضًا فضلاً عن متاخمته لبعض الأقاليم السُّودانِية التجارية مثل بحر الغزال وكردفان سوف يكون أكبر مجمع تجاري لتلك الأقاليم المجاورة، وتبلغ مساحته حوالي (510888) كيلومترا مربعًا، ويضم 5 ولايات(شمال دارفور، جنوب دارفور، غرب دارفور، وسط دارفور، شرق دارفور) .

ويتحدث سكان الإقليم لغات خاصة تجعلهم يشعرون بهوية مختلفة عن باقي أنحاء السُّودان، والعامية الدارفورية تعتبر هي اللغة الرسمية في الإقليم، كما يتحدثها أيضًا مناطق عدة أخرى في السُّودان، إضافة إلى تلك اللغات التى ذكرتها .

وتعَّد دارفور من أكثر المناطق المتطورة إقتصادياً في السودان وإحدى أهم المناطق الزرعية، فهي تقدّم نحو ثلُث الإنتاج الزرعي السودانى وتعدّ مدن “الفاشر – نيالا – الجنينة” من أهم المدن التجارية في السودان، وإحدى أهم نقاط الإتصال مع العالم الخارجي عبر مطارتها الدولية الحديثة .

وقد توصلت الحركات الموقعة”إتفاقيات ديكورية” في البرلمان السلطان الزمان”البشير” إلى إتفاق حول صيغة وموعد الإستفتاء على الإستقلال عن السودان، وبهذا يكون حزبًا اﻷغلبية في البرلمان البشيري قد تجاوزا خلافاتهما خلال اﻷشهر السابقة، والتي كادت تهدّد التحالف بينهما في الحكومة الكيزانية.

ومن المقرر حسب الخطة المُعلنة أنَّ يتم الإستفتاء في شهر يوم إبريل/نسيان 2016، وسوف يحتوي الإستفتاء على سؤالين: أولهما هو “هل توافق على أنَّ تصبح دارفور دولة؟”، وفي حال الإجابة بـ “نعم” على هذا السؤال يأتي السؤال الثاني، وهو “هل تريد أنَّ تصبح دارفور دولة مستقلة؟”.

وجاءت ردود اﻷفعال اﻷولى من الشعب الدارفوري بالقبول القاطع، حيث أكد المُواطن في كُل بقاع وأصقاع دارفور أنه سوف يستقبل هذا الإستفتاء بكُل الطرق، كما أكد أنه لن توجد مفاوضات أو نقاشات حول هذا الموضوع مع أي جهة مانعة، بينما قام القطب الثاني في السياسة السُّودانية، وهى الحركات الثورية”الصورية” بالإصطفاف مع الحكومة رغم دعوتها إلى نظام”بشكلاً أو آخر” من أجل منح وضع مالي وصلاحيات أكبر لإقليم “دارفور”، في الوقت الذي تشير فيه إستطلاعات الرأي في إقليم “دارفور” سواء تلك التي أجرتها الحكومة الإقليمية أو الحكومة المركزية إلى الموافقة على عقد الإستفتاء بنسبة 95% تقريبًا من الذين تم إستطلاع أرائهم، لكن نسبة الموافقة تختلف حسب كل جهة، بينما تقول الحكومة المركزية إنَّ نسبة الموافقة على إستقلال “دارفور” لا تتجاوز 20%، تقول السلطات المحلية في دارفور إنَّ هذه النسبة تصل إلى 100% .

ومن جانبها رصدت اللجان الشعبية ملايين الجنيهات من أجل التحضير للإستفتاء، لكن هذا المبلغ قابل للزيادة، كما بدأ العمل في إجراء تعداد سكاني لحصر عدد سكان الإقليم الذين يحقّ لهم التصويت، ومن جانب آخر، تم إرسال وفد إلى جنوب السودان للتعرف على تجارب الحكومة الجنوبية في إجراء الإستفتاءات، ويدور الجدل حول إستخدام صناديق زجاجية أو كرتونية، ويبلغ سعر الصندوق الزجاجي “20$” بينما يبلغ سعر الصندوق الكرتوني أقل بكثير ، وهذا الأخير هو ما تم إستخدامه في إستفتاء “جنوب السودان” .

ولم تصدر عن حكومة الخرطوم تصريحات رسمية عن الخطوات التي يمكن أن تتّخذها من أجل منع عقد الإستفتاء، لكن وحسب الدستور يمكن للحكومة تجميد الجهات الداعية إلى الإستفتاء، والخطوة اﻷكثر صعوبة هي إلغاء وضع دارفور كإقليم له صلاحيات مستقلة مثل باقي الأقاليم، وإحالة هذه الصلاحيات إلى الحكومة المركزية إلى أجل غير محدّد، لكن أيّاً من هذه الخطوات يعتبر مخاطرة سياسية في الوقت الحاضر، حيث سيكون الرابح منها هو الفريق الداعي إلى الإنفصال .

وفيما يتعلق بالشق الإقتصادي، تروّج الجبهة الداعية إلى إنفصال إقليم دارفور إلى أنَّ الدولة المزمعة ستصبح سويسرا الثانية من حيث الرفاهية ومستوى الدخل والمعيشة، ويستند القائلون بهذا إلى مساهمة إقليم دارفور بجانب وافر من الميزانية العامة الدارفورية، في حين يتلقّى الإقليم نفس المعدّل من اﻷموال اللازمة للخدمات الصحية والإجتماعية والتعليمية .

ويمكن لـ “دارفور” إستخدام الجنيه كعملة معتمدة مثل السودان “الشمالي والجنوبي”، لكن لن يكون من حق أي منها التدخل في السياسات المصرفية والإقتصادية لمنطقة، وعلى المدى القريب في حال الإنفصال عن السودان سوف تصبح الزراعة والسياحة هي المصادر الرئيسية للدخل في دارفور .

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.