القوات البحرية الإيطالية تنقذ طفلة سودانية بقارب الموت

كشف الأستاذ مهدي زين لشبكة ( أوتار الأصيل ) الإخبارية تفاصيل مثيرة حول قصة الطفلة ( نفسية ) ونجاتها من مركب موت الهجرة غير الشرعية إلي أوروبا.
وقال : في هدأة ليل دامس من ليالي الأسبوع الأول من يونيو ، تسللت نفيسة الطفلة اليافعة من مخبئها ، الذي ظلت حبيسة فيه لأسابيع ، وعيناها تأتلق بالفرح وهي تسترق الخطى خلف رفيقتها العشرينية ، في طريقهما إلي عبور البحر الأبيض المتوسط على قارب الموت الذي ينتظرهما وآخرين على السواحل الليبية ، في رحلة إلي المجهول.
وتابع : نفيسة طفلة سودانية في العاشرة من عمرها.. يتيمة الأم.. ووالدها مجهول المصير ، لا أحد يعرف إن كان حياً أو ميتاً ، أو في أي بلاد من بلاد الدنيا … رتبت لها أختها في ليبيا هذه الرحلة
ورفيقاتها اللائي في عمرها لا يخرجن الي البقالة لشراء فول ، ويتُهن داخل مدارسهن بين الفصول ، وهي تكابد كل مصائب الدنيا ومخاطر السفر داخل قوارب الموت ، لتصل الي ديار تحتضنها وتُنسيها مرارة اليتم والحرمان وقساوة الدنيا.
واسترسل : كانت عيناها تسطعان كنجمتي سحر … تشخص بهما إلي السماء حيناً تناجي رباً لا ينام … ثم تغلقهما حيناً رجاءاً وأملاً أن يستوي مركبها بسلام … كان البحر مائجاً وكل شيء يطَّرب من حولها حتى كاد قلبها أن ينخلع …
لم تُخيِّب عناية السماء أملها ، وسخَّرت لها القوات البحرية الإيطالية لتنقذ قاربها من الهلاك ، ولتجد نفسها مع صديقتها بجزيرة صقلية … صرختا بكل عنفوان الفرح … وتعانقتا بشوق العائدين من حُضن الموت.
تمَّ تجهيز حافلة لهما لتقلهما وآخرين الي روما … ظلَّت نفيسة يقظة طوال رحلتها بالحافلة ، رغم التعب الذي هدَّ جسدها النحيل.
في روما التقت نفيسة بآلاف الأطفال الذين وصلوا مثلها بلا عائل يخفف عنهم لوعة الرحيل ، وتم استيعابهم في دور الرعاية الإجتماعية ، ولكنَّ صديقتها العشرينية التي تعرفت عليها داخل المخبأ في ليبيا ، وشاركتها أهوال رحلتها عبر المتوسط ، تريد أن تواصل طريق هجرتها الي السويد فقررت نفيسة ، التي تعتبر رفيقتها أماً وأختاً وصديقة ، أن تذهب معها الي آخر الدنيا.
تحاول نفيسة أن تغسل حزنها وكآبتها وذكرياتها المريرة بالتحديق في وجوه الناس ، والبنايات العالية ، والشوارع المغسولة بماء المطر
لا تريد نفيسة أن تتحدث الي أحد عن أيامها الماضية وكانت تهُزُّ رأسها رافضة أن تقول كلمة عن ماضيها … كل الذي يشدُّها هو المستقبل الذي تنظر اليه بعينين واثقتين … وكل الذي تحلم به هو أن تصل الي السويد ، وتذهب الي المدرسة ، لتصبح مهندسة أو طبيبة.
غداً يشرق الفجر الجديد … وغداً تصلين يا نفيسة بحفظ الله ورعايته الي عاصمة مملكة السويد ، أستكهولم أجمل مدن الدنيا ، والتي تتمدد ببذخ وترف فوق أربعة عشر جزيرة على بحيرة مالارين ، وتنظر بشموخ جهة الشرق الي بحر البلطيق …
هناك تحققين حلمك يا نفيسة ، و تدرسين الهندسة أو الطب ، و تحرزين أرفع الدرجات ، وتحتفي بك مملكة السويد والدنيا كلها ، و يدعوك العاهل السويدي كارل غوستاف الي مقر إقامته ، وتتناقل أخبارك كل إذاعات وفضائيات وأسافير الدنيا …
وغداً تتباهى الخرطوم بأنَّك من بناتها.. وغداً يطلب منك أن تعودي الي الخرطوم للعمل طبيبة في مستشفى الذرة
سيتعرف كثيرون اليوم في الخرطوم على صورة نفيسة الصبية ، التي ستملأ الأسافير وهي تحدق في الأفق البعيد … ثم تمضي بالناس الحياة … ويوم تنال شهادتها ستمتلئ الأسافير والفضائيات مرة أخرى بصورة فتاة بهية زاهية اللون ، مترعة بخضرة ضفاف النيلين ، يتألق القرط الطويل بجيدها مثل الشموع بليلة الميلاد ، مديدة القامة كأجمل نخلة أبنوسية ، غرسها الزمان في تلك البلاد الإسكندناڤية … لن تعرف الخرطوم ذلك الوجه حتى يُقال لها هذه نفيسة ، تلك الصبية التي كانت دنياها هاهنا !!.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.