وعي الطلبة

التنوع في إطار الوحدة… والوعي الإرتدادي.
م.عادل خلف الله.
طبيعة الصراع الدائر في بلادنا منذ أن نالت استقلاها وحتي الان ،تركز حول المضامين الإقتصادية والاجتماعية لما بعد الاستقلال ،وكيف توطن الديمقراطية وتنمو مؤسساتها وتزدهر، وكيف نمتن الوحدة الوطنية ونصون السيادة والاستقلال، وكيف يتفاعل ويسهم السودان في محيطه العربي والإفريقي والإنساني …
هذا هو محتوي مهام وأولويات ما بعد الإستقلال وحقيقة الصراع …وهو ما عاشته البلدان التي عانت من الظاهرة الإستعمارية ..
التنوع بمختلف عناوينه ليس بزة السودان وحده، هو القاعدة على نطاق بلدان العالم، وما عداه الإستثناء الذي يعضد القاعدة …
كيف يعبر التنوع عن نفسه في اطار الوحدة … ؟
تلك هي القضية، لذلك تعد التعددية الفكرية والسياسية، في إطار الديمقراطية ضرورة وطنية وإحدى ركائز النهوض الوطني.
وبالمقابل فإن النظرة الأحادية الإلغائية والتوجهات الإنعزالية والتفتيتية لا تقلان خطرا، على حاضر ومستقبل السودان من النظام الدكتاتوري…
بغض النظر عن طنطنة الشعارات ودوي المسميات …كون أن السودان بلدا غني بالتنويعات، حضارية كانت أو ثقافية أو دينية….، فهذا لا يعني أن حقيقة الصراع الدائر فيه هو بين مكونات ومقومات بنائه الوطني أولا، كما وأن ذلك لا يلغي حقيقة أن هنالك قاسما مشتركا عاما ،في اطار التنوع ،ثانيا، وأن القاسم العام لا يلغي التنويعات الأخرى، كما وأنه لا يمكن إلغاء القاسم العام
باسم التنوع وخصوصية أي منها…وهو ما عبر عن نفسه ب(التنوع في إطار الوحدة ) كركيزة للنهوض الوطني ومصل مناعته الوطنية.ولقد أدرك المستعمر ذلك وعزف على وتر فرق تسد(dvied to rule)وتفتقت عبقريتة، خدمة لمصالحه الستراتيجية،بما عرف بقانون المناطق المغلقة، واتباع سياسة إقتصادية لا تحقق نموا متوازنا اقتصاديا واجتماعيا، في واقع لم تتبلور بعد قسمات اندماجه الوطني بشكل جلي وحاسم …
بمعني أن المشروع الاستعماري في السودان استهدف في جانب من خطته تعطيل عوامل
التفاعل والتدامج الوطني ليضمن استمراريته، .
أنظمة الحكم الوطني لم تذهب هي الأخرى بعيدا عن ذلك التوجه وإنما عززته.
الشواهد على ذلك عديدة منها أولا:
السير في ذات الطريق الاقتصادي، غير المتوازن والمعبر عن القوى الإقتصادية والاجتماعية التي ارتكز عليها المشروع الكولياني.
ثانيا: العجز عن توطين الديمقراطية وتعزيزها بالمحتوي الاجتماعي والتنموي الشامل والمتوازن.
ثالثا: الحلول السلمية الديمقراطية التنموية لقضايا النضال الوطني سيما في الجنوب والمناطق الاكثر تخلفا.
رابعا: التعامل برد فعل سلطوي مع افرازات النهج الاستعماري ،بسياسة الأسلمة والتعريب في مقابل معطيات نهج وقانون المناطق المغلقة.
خامسا: تبني العنف سواء من مواقع السلطة والمعارضة، في قضايا النضال الوطني سواء للمحافظة علي السلطة أو الوصول إليها…
ولقد دفعت حقب النظم الدكتاتورية ،التي تسيدت المشهد على غالب سني ما بعد الإستقلال السياسي الاوضاع إلى أعلى درجات التأزم واللعب على حبال التنوع، بالاستخدام السلطوي الإنعزالي الإلغائي، وتفوقت في ذلك حتي علي المستعمر …
استهلت ذلك الحقبة النوفمبرية(٥٨_١٩٦٤)بالحل العسكري لقضية السودان في جنوبه تحت رايات الأسلمة والتعريب …فيما عمدت الحقبة المايوية(٦٩_١٩٨٤)في إحدى مراحلها علي تصوير الصراع وكأنه بين الجنوب والشمال ،وعمد الاعلام المايوي علي تهديد الشمال بالجنوب وتخويفهما معا باسم الجيش …فيما وضع تحالفها مع الإخوان المسلمين بقيادة الترابي، بعدما عرف بالمصالحة الوطنية ١٩٧٨ الأساس المادي لتصوير الصراع وكأنه بين الجنوب المسيحي، والشمال المسلم، والذي دفعت علي نهجه الحقبة الدكتاتورية الثالثة(١٩٨٩_)، الأطول عمرا والأخطر تهديدا لمقومات التنوع والوحدة، إلى فصل الجنوب عن الشمال ووضع الحبل على جرار التشطير والتشظي …
تناغمت بعض النخب الجهوية والزعامات السياسية مع التوجهات الانعزالية التي أفرزتها تلك السياسات برد الفعل المتأثر بالخصم، وتبادل وجهي العملة التصعيد والتصعيد المضاد، في محالحرف الصراع الدائر في البلاد عن مجراه ،وإفراغه من محتواه، بإضفاء طابع عنصري او جهوي او قبلي عليه…
جريمة فصل الجنوب، أكدت أن الانفصال، رغم أهوال الحرب ،والتعبئة البغيضة، ،من الأبواغ المختلفة لا يعبر عن ،ولا يحقق تطلعات الشعب في الجنوب والشمال، وفضح بمآلات ما جرى في الجنوب أكذوبة وتزيف حقيقة الصراع …
مخطط تقسم السودان قديم و معلن عنه من١٩٧٢، ولقد أسهمت قوى التزييف في الشمال والجنوب، و من مواقع السلطة والمعارضة في تنفيذ المخطط على أرض الواقع، عليه لا يمكن أن يكون التقسيم نهجا وطنيا أو ديمقراطيا ،او انتصارا للتنوع علي حساب الوحدة، اوطريقا لتحقيق الديمقراطية والعدالة والتقدم والمساواة…
انه نقيض ذلك كله ويسير مركبه البائس،المثقوب ، عكس الهواء ،وحركة التاريخ…وبعد محنة الجنوب ما عاد ينطلي على الوعي الوطني مخاطر استمرار الدكتاتورية والتسلط الاقتصادي والاجتماعي جنبا إلى جنب مخاطر الخداع لبناء الوحدة علي أسس جديدة …سواء بترنيمات جاذبيتها أو طوعيتها أو بالحق الإنساني المسمى تقرير المصير….أو تقسيم السودان الي ولايات
.
حد ة.
لقد برهنت حقبة الدكتاتورية الثالثة أنها في سبيل البقاء في السلطة والنجاة من المساءلة، على استعداد للتنازل عن كل شيء سوى التخلي عن مركز صنع القرار، وهو ما يجعل مهمة استعادة الديمقراطية والحفاظ على وحدة السودان شعبا وأرضا بوقف الحرب لبا للنضال الوطني التحرري التقدمي وابرز أولوياته…
لقد عبرت بواكير الوعي الوطني القديم والحديث، منذ تهراقا مرورا بالثورة المهدية وما تلاها من انتفاضات الي اللواء الأبيض، عن هذه الحقيقة التي ترتفع لمقام البديهيات، بل والثوابت الوطنية ،وتسامت عن القبيلة والج والدي

.كلنا سودانيون …كانت كلمة السر التي ولج من بابها النضال الوطني ليواجه بضراوة ونضال الوحدة التحدي الاستعماري والقوى الاجتماعية المنتفعة به ….
ومن يعلنون الآن الانتمائات ما دون الوطنية بغض النظر عن الأسماء والشعارات، ومن مواقع السلطة أو أي مواقع أخرى،… يعبرون عن توجهات سلطوية وطموحات نخبوية أو ذاتية كأنصع نماذج للوعي الارتدادي بحقيقة وجدلية التنوع في إطار الوحدة ،وبكونه ركيزة للسيادة وضمانة للتقدم والعدالة والمساواة.
م. عادل خلف الله
م20/11/2015

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.