معلومات هامة وتاريخية عن مثلث حليب وشلاتين

د. سلمان محمد أحمد سلمان

1

نشرتْ الأستاذة أسماء الحسيني مقالاً في عددٍ من المواقع الالكترونية السودانية والصحف المصرية يوم السبت 11 يناير عام 2014، بعنوان “حلايب .. قميص عثمان للهروب من استحقاقات الخرطوم الداخلية.” وقد أشارت الأستاذة أسماء إلى تصريح السيد الرشيد هارون الوزير السوداني برئاسة الجمهورية خلال ندوة للاتحاد العام للطلاب السودانيين بأن حلايب سودانية 100%، وأن بلاده ستلجأ للمجتمع الدولي لحلِّها. وادّعت الأستاذة أن تلك التصريحات أثارت ردود فعلٍ غاضبة فى القاهرة، وتساءلت إن كان تصريح المسؤول السوداني فعلاً منفرداً وعملاً عفوياً أم هو عملٌ مخطّطٌ لإثارة أزمة مع مصر وجرِّها إلى معركة تكون فيها فى عداءٍ مع الشعب السوداني كله وإظهارها بمظهر المعتدي، للتغطية على القضايا الحقيقية الشائكة المتفجّرة على صعيد الداخل السوداني وفى علاقات البلدين. أجابت الأستاذة أسماء على تساؤلاتها بقولها إن الواقع يؤكد أن القضية الآن بين البلدين لاعلاقة لها بقضية حلايب على الإطلاق، وأشارت إلى أن السلطة الحاكمة فى الخرطوم درجت على جعل قضية حلايب “قميص عثمان” تشهره كلما أرادت تعكير صفو العلاقات مع مصر أو الضغط على القاهرة، أو لصرف انتباه الداخل السوداني عن القضايا الحقيقية ومحاولة خلق حالة توحّد مع الشعب الساخط عليها حول أى قضية، ولو بالعداء لمصر لبعض الوقت، إلى حين خلق قضايا أخرى انصرافية.

2

وقد سارت كل الصحف المصرية خلال الأسبوعين الماضيين على ذلك المنوال، وامتلأت بالمقالات والتصريحات النارية والهجوم على السودان بسبب إثارة بعض الكتاب والسياسيين السودانيين لقضية الاحتلال المصري لحلايب منذ عام 1992. وقد كانت بعض كتابات الصحفيين والسياسيين المصريين في غاية من السخف والاستفزاز. فقد كتب السيد عباس الطرابيلى في صحيفة الوفد مقالاً بعنوان “والنبي اشرب «شوية مريسة» حتي لا تفيق مما تقول ولا تفهم” ادعى فيه أن حلايب وشلاتين وأبو رماد أرض مصرية باعتراف كل المواثيق والمعاهدات. قال الكاتب “تركنا إدارة هذه المنطقة- مجرد إدارة محلية- بحكم قربها من الخرطوم. فلما أساءت الخرطوم هذه الإدارة وتركت سكانها يعيشون علي الفطرة بلا أي خدمات تحركت مصر واستردت هذه الأرض وأعادتها إلي حضن الوطن المصري. وكان لي شرف فضح كل الممارسات السودانية وأهمية استعادة حلايب. وقمت بحملة كبيرة- هنا في الوفد- حتي اتصل بي الدبلوماسي الثعلب مصري الهوي والهوية د.أسامة الباز وأخبرني بأن الجيش المصري قام بواجبه واسترد هذه الأرض المصرية.” واستمر الكاتب في السير على ذلك

الطريق الاستفزازي وطالب حكومته باستعادة ميناء سواكن، بل وكل السودان الذي هو في رأيه أراضي مصرية.

الجدير بالذكر أن الكاتب قياديٌ بحزب الوفد المصري الذي أوردت وكالات الأنباء أن حكومة الإنقاذ منحته مليون فدان من الأراضي الزراعية الخصبة في المديرية الشمالية بغرض استثمارها لحل الضائقة الاقتصادية والمعيشية في مصر.

وقد ذهب الأستاذ محمد إبراهيم الدسوقي أبعد من هذا عندما حذّر السودانيين الذين يثيرون قضية حلايب “بأن المصريين لن يفرطوا في ذرة واحدة من التراب الوطني، وأن خلفهم قوات مسلحة قادرة وقت اللزوم علي ردع من يفكر في المساس بسيادة الوطن وأراضيه.”

3

أما الدكتور أيمن سلامة،أستاذ القانون الدولي العام، فقد ذكر أن “ادعاء السودان بأنها مارست سيادتها علي مثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد منذ العام 1902 يعد سبباً كافيا لاكتساب السودان السيادة علي الإقليم، هو ادعاء مرفوض، فاكتساب السيادة الفعلية علي الإقليم يجب أن تباشر بطريقة سلمية هادئة، ودونما احتجاج أو منازعة من قبل الغير.” وأضاف السيد سلامة “إن السلوك اللاحق لمصر تجاه الإجراءات التنفيذية التي اتخذتها السودان في مثلث حلايب ولأول مرة عام 1958م، يكشف عن أن مصر لم تقبل هذه الإجراءات السودانية، حيث قدمت الخارجية المصرية احتجاجا رسميا لحكومة السودان وصدرت العديد من البيانات عن الحكومة المصرية ترفض مثل هذا الإجراء.”

4

تعكس هذه الكتابات جهلاً فاضحاً بالتاريخ وتطوّرات النزاع القانونية والسياسية حول منطقة حلايب. كما تعكس عدم الإلمام التام بما يعني احتلال حلايب لكل الشعب السوداني، حتى لأولئك الذين ما يزالون مرتبطين سياسياً بمصر.

فالسيد سلامة ينكر الحقيقة الثابتة وهي أن حلايب ظلّت تحت الإدارة السودانية لأكثر من نصف قرن (من عام 1902 وحتى عام 1958 ) بطريقةٍ سلمية وهادئة ودون احتجاجٍ مصري. ولم تقم مصر خلال هذه الفترة إطلاقاً في الاحتجاج على الإدارة السودانية رغم أنها كانت شريكاً (على الأقل من الناحية النظرية) في الإدارة الاستعمارية للسودان حتى الاستقلال في عام 1956.

كما فات على الأستاذ سلامة أن مصر كانت ثاني دولة تعترف باستقلال السودان في الفاتح من يناير عام 5691، وأنها في ذلك اليوم اعترفت بسيادة السودان على كامل أراضيه بما فيها حلايب. ولم تتطرّق مذكرة اعترافها لأي نزاعٍ أو مطالباتٍ مصرية في حلايب.

وقد فشل السيد سلامة أيضاً في التطرّق لحقيقة أن الحكومة المصرية كانت من أوائل الدول التي تبنّت قرار منظمة الوحدة الأفريقية الخاص بقدسيّة الحدود الموروثة من الاستعمار. وقد قبلت مصر وضع حلايب كجزءٍ من الدولة السودانية لكل الفترة الاستعمارية (1902 – 1955) ولمدة أكثر من عامين بعد استقلال السودان (1956 – 1958). ولم تُثِر مصر مسألة حلايب إلا في نهاية شهر يناير عام 1958، ثم تراجعت واعترفت مرة ثانية بتبعيّة حلايب للسودان في شهر فبراير من نفس العام،كما سنوضّح أدناه.

5

برز الخلاف حول تبعيّة مثلث حلايب لأولِّ مرّة في 29 يناير عام 1958 حين أرسلت الحكومة المصرية مذكرة تحتجّ فيها على نيّة السودان عقد انتخابات في منطقة حلايب باعتبار أنها تتبع لمصر بموجب اتفاقية الحكم الثنائي لعام 1899. وقد قامت مصر بإرسال فرقةٍ عسكريةٍ إلى منطقة حلايب بعد إرسال تلك المذكرة. وأعقبتْ مصرُ تلك المذكرة بمذكرةٍ أخرى في 9 فبراير عام 1958 تُعلن فيها نيّتها إجراء استفتاء الوحدة مع سوريا في تلك المنطقة أيضاً. أعلن السودان رسمياً في 13 فبراير عام 1958 رفضه التام للمذكرة المصرية وللاستفتاء الذي قرّرت مصر إجراءه في حلايب. وأعلن السودان أن المنطقة أراضي سودانية بمقتضى تعديلات اتفاقية الحكم الثنائي والتفاهمات التي تلتها، وبحكم الإجراءات العملية والإدارية التي قام بها السودان في المنطقة خلال فترة الحكم الثنائي وسنوات الحكم المدني الأول (أي بين الأعوام 1902 وحتى عام 1958). في 18 فبراير عام 1958 غادر السيد محمد أحمد محجوب وزير الخارجية الخرطوم إلى القاهرة لمناقشة مشكلة حلايب مع الحكومة المصرية. عند وصوله القاهرة عرضت عليه الحكومة المصرية مقترح ألاّ تُجرى انتخابات سودانية أو استفتاء مصري في حلايب، ولكنّ الحكومة السودانية رفضت هذا الحل الوسط وأصرّت على تبعيّة حلايب للسودان دون شرطٍ أو قيد. ورغم الاجتماعات المطوّلة التي عقدها السيد المحجوب مع الرئيس جمال عبد الناصر، فقد فشل الطرفان في حلّ النزاع من خلال التفاوض. وفي 20 فبراير عام 1958 رفع السودان شكوى رسمية لمجلس الأمن الدولي. اجتمع المجلس في 21 فبراير، ووقتها تراجعت مصر، بناءاً على بيانٍ تلاه مندوبها السيد عمر لطفي، عن قرارها بعقد الاستفتاء، وسمحت في نفس الوقت للسودان بإجراء انتخاباته في حلايب. كما أعلنت مصر سحب فرقتها العسكرية من المنطقة. عليه فقد قرّر مجلس الأمن حفظ شكوى السودان والاجتماع لاحقاً بناءاً على طلب أيٍ من الطرفين وموافقة أعضاء المجلس.

وقد تمّ سحب الوحدة المصرية بالكامل من حلايب، وتمّ أيضاً إجراء الانتخابات السودانية في موعدها وفي كل أرجاء حلايب، ولم يتم إجراء الاستفتاء المصري هناك. وقد ظلّت حلايب سودانيةً وباعترافٍ مصريٍ كامل حتى

عام 1992 حين قامت مصر باحتلالها، متنصّلةً عن كل وعودها والتزاماتها القانونية والأخلاقية وعلاقات الود والإخاء مع السودان.

تُرى هل يجهل الكتّاب والقانونيون والسياسيون المصريون فعلاً هذه الحقائق؟

6

وإذا كانت الأستاذة أسماء الحسيني تعتقد أن حكومة السودان محتاجةٌ لإثارة قضية حلايب للتغطية على مشاكلها الداخلية من اقتصادية وسياسية، و”للهروب من استحقاقاتها الداخلية”، فماذا عن الحكومة المصرية نفسها؟ ألا يُشكّل هذا الهجوم الشرس المتواصل على السودان هروباً لنظام الفريق السيسي من استحقاقاته الداخلية أيضاً؟

صحيحٌ أن السودان يمر بظروفٍ اقتصاديةٍ سيئة. ولكن اقتصاد مصر ليس أحسن حالاً من السودان. الفارق الوحيد والكبير بين الوضعين هو الدعم المالي السعودي والخليجي غير المحدود للاقتصاد المصري بعد انقلاب الفريق السيسي (والذي ما تزال الأستاذة أسماء تطلق عليه اسم ثورة)، وافتقاد السودان لذلك الدعم المالي.

إن الوضع في مصر والمظاهرات الأسبوعية في القاهرة والمدن المصرية الأخرى وأرقام القتلى المتزايدة وهجمات الحركات الإسلامية المتشدّدة المتكررة في سيناء تجعل الحالة الأمنية في مصر لا تختلف كثيراً عن الوضع في مناطق الحروب في السودان في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان.

كما أن حالة الحريات العامة في البلدين لا تختلف عن بعضها البعض. فقد استهجن العالم كله منظر محاكمة طفلاتٍ مصرياتٍ لا تتعدّى أعمارهن الخمسة عشر عاماً والحكم عليهن بالسجن لأكثر من عشرة أعوام بسبب الاشتراك في مظاهرة. لقد أصبح الاشتراك في مصر في مظاهرة سلمية جريمة تقود إلى السجن لأعوام. وقد شملت المحاكمات والسجون قادة الثورة الحقيقية التي انطلقت في يناير عام 2011 وأسقطت نظام مبارك. وتمتلئ السجون المصرية الآن بالمعتقلين السياسيين. وقد أوقفت السلطات المصرية القنوات المصرية والبرامج التلفزيونية المنتقدة لحكومة الفريق السيسي.

لماذا إذن لا تُمثّل إثارة القاهرة قضية حلايب والردود القاسية على السودان في مثل هذه الظروف المصرية هروباً من الاستحقاقات الداخلية لحكومة الفريق السيسي أيضاً؟

7

في إثارة قضية حلايب والإساءة إلى الشعب السوداني واستفزازه والهجوم الشرس عليه ينسى الكُتّاب والساسة المصريون أن السودان قدّم للشعب المصري أكبر خدمةٍ يقدّمها شعبٌ إلى شعبٍ آخر في التاريخ البشري أجمع.

في 8 نوفمبر عام 1959، أي بعد أقل من عامين من اندلاع نزاع حلايب وحسمه، قام السودان بتقديم أضخم تنازلاتٍ و ززتضحياتٍ في تاريخ البشرية تقدّمها أي دولةٍ لدولةٍ ثانية في مشروعٍ مائيٍ يخص تلك الدولة الثانية وحدها. ففي ذلك اليوم وقّع السيد زكريا محي الدين واللواء محمد طلعت فريد على اتفاقية مياه النيل لعام 1959. وافقت الحكومة السودانية بمقتضى تلك الاتفاقية على قيام السد العالي وعلى إغراق مدينة وادي حلفا ومعها 27 قرية شمال وجنوب المدينة تحت بحيرة السد، وعلى التهجير القسري لحوالى خمسين ألف من السودانيين النوبيين، وعلى إغراق منازلهم ومزارعهم ومتاجرهم وقبور أحبائهم وضرائح أوليائهم وجزءاً كبيراً من تراثهم وتاريخهم. كما غرقت في بحيرة السد مع كل ذلك قرابة 200,000 فدان من الأراضي الزراعية الخصبة (وأراضي أخرى كان يمكن استصلاحها)، وحوالى مليون شجرة نخيل وحوامض في قمة عطائها. وافق السودان أيضاً أن تمتد البحيرة لمسافة 150 كيلومتر داخل أراضيه، وأن تندثر تحت تلك البحيرة وإلى الأبد آثارٌ تاريخيةٌ لحضاراتٍ نمت واستطالت في فجر البشرية وشملت مملكتُها مصرَ نفسَها، وهي آثارٌ لا يمكن أن تُقدّرَ بثمن. واندثرت مع كل ذلك معادنٌ لم يكن أحد قد قدّر كميتها وقيمتها. ويدور الحديث منذ فترةٍ في السودان عن كمياتٍ ضخمةٍ من الذهب والحديد دُفِنتْ تحت البحيرة. كما دُفِنتْ تحت البحيرة شلالات سمنه التي كان يمكن أن تولّد قدراً كبيراً من الكهرباء للسودان يفوق 650 ميقاواط. وقد كلّف ترحيل وإعادة توطين أهالي منطقة وادي حلفا الخزينة السودانية مبلغ 37 مليون جنيه، بينما كان التعويض الذي دفعته مصر للسودان مبلغ 15 مليون جنيه فقط. قدّم السودان كل تلك التضحيات والتنازلات الجسام حتى يتسنّى لمصر أن تبني السد العالي وتنال كلَّ فوائده وحدها. لم ينل السودان حتى كيلواط واحد من أكثر من 2500 ميقاواط من الكهرباء ولّدها السد العالي لمصر.

بل لقد ذهب السودان أكثر من هذا ومنح مصر عام 1959 سلفةً مائية من نصيبه من مياه النيل لمقابلة احتياجاتها الزراعية. ولم يسترد السودان حتى اليوم نقطة واحدة من تلك السلفة المائية التي قاربت ثلاثين مليار متر مكعب من المياه.

هل جزاء ذلك الإحسان غير المسبوق في تاريخ البشرية هو احتلال مزيدٍ من الأراضي السودانية والإساءة إلى الشعب السوداني وتهديده كما يفعل بعض الكُتّاب والساسة المصريين هذه الأيام؟

8

يُصّر عددٌ من الكُتّاب والساسة المصريين أن خط 22 شمال هو الفاصل الحدودي بين السودان ومصر وأنه خطٌ أحمر ولا يمكن عبوره تحت أي حالٍ من الأحوال. وتحت هذا الزعم تصبح حلايب أراضي مصرية خالصة لأنها تقع شمال هذا الخط. لكن التاريخ برهن بوضوحٍ عدم صحة هذا الإدعاء المصري، وبفعلِ مصر نفسها.

هناك عددٌ من القرى تقع على نهر النيل شمال خط 22 شمال من بينها قرى فرس وسره ودبيره. وقد ظلّت هذه المناطق جزءاً من السودان دون أي نزاعٍ مصري. وعُرِفت تلك المناطق منذ حقبة الاستعمار الانجليزي المصري للسودان باسم “نتوء حلفا” وليس “نتوء أسوان.”

بعد توقيع اتفاقية مياه النيل وترحيل أهالي حلفا تمَّ ترحيل أهالي هذه القرى التي تقع شمال خط 22 شمال مع النوبيين السودانيين إلى منطقة خشم القربة. فإذا كان خط 22 شمال هو الخط الحدودي الفاصل بين الدولتين كما تدّعي مصر فلماذا لم تصر مصر على ترحيل هذه القرى مع القرى المصرية؟ ألا تُشكّل موافقة مصر على ترحيل سكان هذه القرى مع اخوانهم السودانيين اعترافاً بتبعية منطقتهم للسودان؟ ألا ينسف هذا الترحيل بدوره الادعاء بقدسية خط 22 شمال؟ لا أحد من قانونيي مصر أو سياسييها يتحدث عن هذه المسألة إطلاقاً.

9

بعد توقيع مصر اتفاق كامب ديفيد مع إسرائيل وإعادة صحراء سيناء لمصر تنازعت الدولتان على منطقة طابا. ولكن على عكس حلايب وافقت مصر على التحكيم الدولي. قام السودان بتشكيل فريق عملٍ من القانونيين والدبلوماسيين والباحثين السودانيين لمساعدة مصر، وفتَحَ السودانُ كلَّ سجلات دور وثائقه للشقيقة مصر. وقد كسبت مصر القضية واستعادت طابا بسبب الوثائق التي تمّ العثور عليها في السودان وبمساعدة القانونيين والدبلوماسيين والباحثين السودانيين.

لكن مصر ترفض حتى مناقشة احتلالها لمنطقة حلايب، وترفض عرض النزاع على أي جهةٍ ثالثة.

كيف يمكن لمصر أن تتفاوض على طابا مع إسرائيل (التي كانت عدوها الأول) وتوافق على التحكيم معها حول ذلك النزاع، وترفض التفاوض والتحكيم مع من تدّعي انهم أشقاء واخوة في السودان حول نزاع حلايب؟

وقد تواصل ذلك الرفض للتحكيم حتى من كتّابٍ مصريين كان البعض (بما فيهم حكومة الإنقاذ) يعتقد بتفهّمهم للوضع والموقف السوداني. فقد ذكر الأستاذ هاني رسلان مراراً: “الموقف المصري لا يناقش أو ينظر إلى التحكيم الدولي على السيادة المصرية لمنطقة حلايب، فكل شبرٍ فيها مصري بالكامل.”

ولكن إذا كانت مصر مقتنعةً بموقفها القانوني والتاريخي وحقوقها حول حلايب كما تدّعي فلماذا الخوف من التحكيم إذن؟

01

ويتكرّر نفس المشهد في نزاعات مياه النيل. فقد انهارت الجولة الثالثة من الاجتماعات الثلاثية بين مصر وإثيوبيا والسودان حول سدِّ النهضة في الأسبوع الأول من يناير عام 2014 رغم جهود الوساطة السودانية المكثّفة بين مصر وإثيوبيا. كان السبب الرئيسي لانهيار المفاوضات هو إصرار مصر على إشراك أطرافٍ

خارجية في الدراسات الفنية المقترحة حول سدِّ النهضة. وقد رفضت إثيوبيا ذلك معلّلةً رفضها بأن الأطراف الخارجية قد شاركت وأبدت رأيها في تقرير لحنة الخبراء.

غير أن مصر علّلت طلبها وإصرارها بالقول أن وجود طرفٍ ثالثٍ سوف يساعد في حسم الخلافات مع إثيوبيا بطريقة إيجابية ومحايدة. بمعنى آخر سوف يكون الطرف الثالث مُحكِّماً في النزاع بين مصر وإثيوبيا حول سدِّ النهضة. لماذا إذن ترفض مصر اللجوء إلى طرفٍ ثالثٍ في النزاع حول حلايب مع السودان وتطالب به في نزاع سدِّ النهضة مع إثيوبيا؟

11

حاولت الأستاذة أسماء الحسيني في مقالها أن تجادل أن موقف الحكومة السودانية المطالب بحلايب لا يتفق مع موقف الشعب السوداني، وجاهدت في إبراز الموقف السوداني وكأنه يقف مع مصر في نزاع حلايب.

لكن في حقيقة الأمر فإن الشعب السوداني بكافة اتجاهاته السياسية والفكرية يلتقي في مربع المطالبة باستعادة حلايب كاملةً. بل إن الكثير من السودانيين يعتقدون أن موقف الحكومة السودانية تجاه الاحتلال المصري لحلايب يتّسم بقدرٍ كبيرٍ من التهاون والتردّد والارتباك، خصوصاً بعد أن فرّطت في وحدة السودان وساهمت مساهمةً فاعلة في انفصال الجنوب.

فالحكومة السودانية تتحدّث تارةً عن مقترح جعل حلايب منطقة تكامل، وتارةً أخرى عن إحالة الخلاف إلى الجهات العدليّة والتحكيم الدولي. وتثير الحكومة هذين الخيارين رغم علمها التام أن مصر ترفض رفضاً قاطعاً حتى التفاوض مع السودان حول حلايب، دعك من الحديث عن التحكيم أو الإدارة المشتركة لحلايب كمنطقة تكامل.

ويشارك الحكومةَ في هذا الموقف المرتبك بعضُ الأطراف السودانية القريبة من مصر. وتشاركها كذلك بعض قيادات المعارضة التي عاشت في مصر في تسعينيات القرن الماضي، والتي تتبنّى أيضاً مقترحي التفاوض والتكامل، ولكن باستحياءٍ وصوتٍ منخفض.

21

إن السرد أعلاه للتطورات التاريخية والقانونية يوضّح بجلاء تبعيّة منطقة حلايب للسودان. لقد قامت مصر باحتلال حلايب ليس لأن مصر تعتقد بأحقيتها على حلايب. لقد قامت مصر بذلك الاحتلال عام 1992 كردّة فعلٍ للتدهور الكبير في العلاقات بين القاهرة والخرطوم بعد أن اكتشفت مصر (متأخرةً) الجهات الحقيقية وراء انقلاب الإنقاذ في 30 يونيو عام 1989. ثم أعلنت القاهرة ضم حلايب رسمياً لمصر عام 1995 بعد فشل محاولة اغتيال الرئيس السابق حسني مبارك، تأديباً للحكومة السودانية على تلك المحاولة.

وبعد إكمال الاحتلال بدأت مصر تبحث عن الحجج التاريخية والقانونية التي قد تساعدها على إثبات تبعيّة حلايب لمصر. وجاء موقف السودان المؤيّد لسدِّ النهضة في 4 ديسمبر عام 2013 والوقوف وراء مصالحه ليصبح السبب الرئيسي لإثارة قضية حلايب في الصحف المصرية هذه الأيام.

ولكنّ التاريخ والقانون واضحان ولن يستطيع أحد إعادة صنعهما. ومن هنا جاء الارتباك والاستفزاز والتهديد في الموقف المصري.

31

لقد نشرت الأستاذة أسماء الحسيني مقالها “حلايب .. قميص عثمان للهروب من استحقاقات الخرطوم الداخلية” على عددٍ من المواقع الالكترونية السودانية. لا أعتقد أنه كان هناك تردّدٌ بين أيٍ من محرّري صحف هذه المواقع في نشر مقال الأستاذة أسماء. فقد نشرتْ نفس هذه المواقع آراءاً مشابهة حول حلايب للأستاذ هاني رسلان في الماضي.

لكن أؤكد جازماً أنه لن تقوم أي صحيفةٍ مصرية أو موقعٍ الكتروني مصري بنشر أي وجهة نظر سودانية مخالفةٍ لوجهة النظر المصرية حول حلايب. ولا اعتقد أن مقالي هذا سيجد طريقه للنشر في أي صحيفة مصرية مهما بذلت من جهد.

ترى هل هو الإيمان بحرية الكلمة التي تجعلنا ننشر الآراء المصرية حول نزاع حلايب (مع رفض الصحف المصرية الكامل لنشر آرائنا)، أم السذاجة (والطيبة) السودانية؟

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.