قضايا الهامش والمركز ومستقبل الجبهة الثورية السودانية على ضوء التطورات الأخيرة ؟؟ 1/2


بقلم / شريف ذهب

توطئة:
المهندس الطيب مصطفى من شمالي السودان والمهندس فاروق جات كوت من جنوب السودان والأستاذ عبد المنعم سليمان عطرون من غربي السودان / هؤلاء الثلاثة من أكثر الساسة السودانيين وضوحاً في إبداء آرائهم حيال قضايا الوطن الحساسة المتصلة بالهوية وكيفية التعاطي معها ، وبصرف النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا معهم حول مسلكهم في تناول تلك القضايا ” مع الفارق بينهم ” إلا أنَ هذه تعد محمدة في حقهم تنم عن الصدق مع النفس ” على أقل تقدير ” ، هذا : بالمقارنة مع بقية الساسة الذين ما انفكوا ينهجون النفاق سلوكاً للتعاطي مع معضلات البلاد العويصة .
فالمعروف أننا كسودانيين ظللنا نغطي على سوآتنا المريضة طيلة الحقب السالفة من عمر البلاد حتى اعتراها الغرغرينة وفاحت رائحتها للحد الذي جعلنا ننفر من بعضنا البعض متناسين أن تلك الروائح تفوح من مجاميعنا العليلة .
فما انفكت قضايا الهامش والمركز تطل برأسها في كل حين باحثة عن حل جزري لها في موائد الحوارات الزائفة التي تتولد بين الفينة والأخرى كلما ثقلت الأحمال على النظم السياسية الحاكمة في البلاد ولكنها لم تجد سوى سيوف القهر مشهرة أمامها للعودة إلي قمقمها أو البتر دون أن تحظي حتى ولو بشيء من الفتات . ومثلها قضايا الفقر والتنمية الشاملة والدستور الدائم للبلاد وغيرها من الأثقال .
و قد أشرت في مقال سابق عنونته ( بمفهوم العنصرية ومنشئها ونماذج من صورها) إلي الخلل الكبير الذي يسود المجتمع السوداني فيما يتصل بالروابط ، أو: لنقل النظرة الاجتماعية بين تكويناتها الجغرافية والعرقية وبخاصة العلائق بين سكان الهوامش والمركز وعزوت بعض الأسباب إلي الجهل بالآخر مع تصور قاصر يتخلق عنه مواقف وممارسات موغلة في الخطأ والخطيئة ” حتى “، اقلها الألفاظ النابية والنعوت العنصرية المقيتة وأعلاها الإقصاء التام مصحوبة بمحاولات المحو من الوجود تماماً ، وقد نجد هذه التجليات في راهن دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق من نماذج الاغتصاب البشعة للنساء والقتل الجماعي للسكان التي لم تزل ماثلة هناك إلي لحظتنا هذه ، وربما اتسعت الدائرة في منحى آخر لتشمل عموم الشعب حسب التصنيف الحزبي في إطار الصراع من أجل البقاء في السلطة بأي ثمن ولو أدى ذلك لفناء كل الشعب وتفكك البلاد شذر مذر . وهذا المثال السالف يعنى بالضرورة أن الأمر لم يقتصر عند عموم الشعب فحسب وإنما ترسخ لدى الدولة في كل مستوياتها السلطوية ومؤسساتها الإدارية بحيث أضحى الولاء القبلي أو الجهوي ” وفي درجة أقل ” الحزبي هو المؤهل الوحيد لتوبؤ أي منصب في البلاد وليس سواها .
ولعل من بواعث كتابة هذا المقال بعض التطورات التي اعترت ساحة المعارضة السودانية خلال الأيام الماضية جراء اللغط الذي صاحب انتقال الرئاسة الدورية لتنظيم الجبهة الثورية السودانية حسب الاتفاق المبرم سلفاً بين مكونات هذا التنظيم ، حيث كشف ذلك الحراك عن مفهوم آخر للتهميش يجسده المثل الخليجي القائل ( عيّان يضرب في ميت ) بما يعني أن التهميش وفق هذا الفهم أو الممارسة لم يعد وربما لم يكن يقتصر أو مقتصراًً لدى المركز فحسب وإنما هو داء عضال يتوزع في كل أجزاء الجسد السوداني العليل ، هذا : مع عدم إغفال ظلال المركز السالبة على هذا الخلاف عبر أدوات مختلفة ربما تجسدت في أشخاص أو تنظيمات سياسية ذي صلة بالجبهة الثورية .
وبرغم الغصة التي نجدها في النفس جراء هذه الانتكاسة في شكل العلاقة بين التكوينات الثورية على ضوء الآمال التي كنا نعقدها في هذا الحلف والدور الذي كان مرجوا منه في الداخل حال زوال النظام الحاكم ، لكن ربما كانت هذه الهزة ضرورية لإجلاء الأمور على حقيقتها ( فرب ضارة نافعة ) ومن ثمّ ترتيب الحلول في شكلها النهائي على ضوئها .
وربما أو لنقل المؤكد أن تطلعات وآمال الشعب السوداني كانت ولا زالت تنعقد صوب معارضة واعية تقوم بتخليصها من جور النظام الجاثم على صدره ولكن الواقع الذي بترائي للعيان يكذب ذلك ، فثمة معارضات وليس معارضة واحدة وثمة أهداف لكل من هذه المعارضات ، بعضها صادقة في طرحها ومساعيها لإسقاط النظام الحاكم وبعضها اذرع للنظام داخل هذه المعارضات وان تبدت في شكل تنظيمات سياسية كبيرة والبعض اذرع لهذه الأذرع داخل الكيانات الأخرى ، وهذا الواقع المخل ليس خادماً للغرض بأي حال من الأحوال والذي هو إسقاط النظام وتحقيق آمال الشعب في هذا الاتجاه ، وبالتالي فلا مناص من إجراء جراحة عاجلة للعلاج وان بدت مستعصية وخطيرة كفصل التوأم السيامي .
وفي هذا الخضم تبرز ثمة أسئلة عن لقاء باريس الأخير وموقع الجبهة الثورية فيه ( ككيان ) وليس تنظيمات على حده ، وهل نداء السودان أضحى البديل المقترح لدى البعض لتذويب أو وأد تنظيم الجبهة الثورية ؟ ، الإجابة على هذه الأسئلة ضروري جداً لتحديد مسار المعارضة في المرحلة المقبلة مع قرب أجل المواعيد المضروبة للقاءات ( أديس ) المرتقبة تحت رعاية الاتحاد الإفريقي ومع قرب مراسم دفن ( الخوار) الوطني في الداخل الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة وربما معه المؤتمر الوطني ونظامه المأزوم .
إن كيان الجبهة الثورية التي ولدت بعد مخاض عسير كتحالف لقوى المقاومة السودانية ومن يؤمن بخطها لتغيير النظام لم تولد كي توأد على حين غرة بأيادي البعض ، وهي الوحيدة التي تعطي بصيص الأمل لجماهير الشعب السوداني بأنّ ثمة قوة ضاربة ستحمي انتفاضتها الباسلة إذا حان اجلها وقُدّر لها أن تندلع ، وهي التي تحمل كذلك أمال شعوب الهامش التي طال معاناتها في مخيمات النزوح واللجوء ، وبالتي من غير المسموح البتة اغتيالها بأي حال من الأحوال بل يجب تطويرها على أسس جديدة ، وإذا كان ثمة من يرى عدم جدواها ويتطلع لإنشاء حلف بديل فليفعل ذلك دون هدم الكيان الموجود ، فالسانحة إمامه لفعل ذلك . وعلى الآخرين المؤمنين بخطها الحفاظ عليها وتطويرها وبذل المزيد لتحقيق أهدافها مع حفاظها على موقعها ككيان صلب في إطار تحالف قوى نداء السودان . يتبع ..

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أخبار. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.