ذكري الشهيد السلطان علي دينار الذي لا يعرف الهروب !!

بقلم احمد ويتشي
ahmedwitsh2222@yahoo.com
تجد عادة الشعوب المقهورة يتخوفون من تناول تاريخهم بقديمها وحديثها وان كان لديهم عظماء وابطال من قادتهم السابقين وخاصة عندما يعيشون في احوال ماساوية وسط زحمة من عمليات الاستبدادية لذلك لا يحاولون تذكر ماضيهم ولو كان مهيبا وتليدا .وبالطبع الامر برمته يرجع الي القهر الممارس ضدهم بسلوكيات السلطة القائمة التي دوما تعمل علي ابعادهم عن ماضيهم لكي يكونوا بعيدين كل البعد عن تاريخهم فبالتالي لا يوجد لدي كلمة اخري غير كلمة “للاسف” لوضعها في بداية المقال ونهايته اذا اردت الكتابة عن تاريخ احد اشهر الزعماء الصناديد الذين انجبتهم افريقيا و السودان من المقاومين للاستعمار وعملائه من السودانيين والذي ظل صامدا وسط شعبه وجنوده ولم يعرف معاني كلمات الهروب والمساومة . 

حتي لقي مصيره مستشهدا بعد ان ضحي بحياته رغم الاغراءات التي خدمت له من قبل المستعمر الخارجي للتنازل عن مبادئه والقبول بالعمل تحت امرته ذليلا ومقهورا ولكنه رفض كل ذلك . مرت في ايامنا هذه ذكري استشهاد هذا البطل دون اي انتباه من احد لا من الشعب المعني بهذه الذكري ولا من السلطة العنصرية القائمة في السودان الان والتي تعمل بكل جهد لاقصاء الماضي
ومن نتحدث عنه هو بطل واحد العظماء الدارفوريين الشهيد السلطان علي دينار مؤسس اول دولة فيدرالية في ارض دارفور وثبت فيه بارساء حكم القانون والعدل والمساواة والحرية وامتد نفوذ دولته الي الخارج وكون علاقات دبلوماسية وتجارية وتحالفات استراتيجية مع دول العالم الاخر وكان حاضرا في مسارح الحرب العالمية الاولي الي جانب دول المحور وفي الوقت نفسه كان يقدم المساعدات الانسانية لدول الخليج العربي ولحجاج بيت الله الحرام لمدة عقدين من الزمن وفوق كل ذلك اقام مصنعا في مدينة الفاشر لكسوة الكعبة الشريفة
ولد السلطان علي. زكريا محمد فضل الشهير بعلي دينار في قرية “شاواية ” بالقرب من مدينة نيالا الحالية في جنوب دارفور لاسرة ارستقراطية شهيرة ينتمي لاثنية الفور من والده السلطان زكريا محمد فضل الذي هو ايضا بطلا اخر من ابطال دارفور
فالحديث عن الشهيد السلطان علي دينار يطول ويطول ويحتاج لمجلدات وكتب ولكننا سنحاول كتابة القليل من مواقفه في فترة حكمه وصموده ورفضه للمستعمر . في مقالنا الطويل هذا نتناول
فيه فترة حكمه الذي كان قائما علي اساس متين من الفدرالية بمساعدة اعظم مستشاريه من مختلف الاثنيات في دارفور .
مرت ذكري استشهاده قبل اسبوع من الان وتحديدا في يوم السادس من شهر نوفمبر الحالي و مرت ذكراه و كأنه يوما عاديا ولم يشعر به احد
علي الرغم من ان هذا اليوم كان تاريخا فاصلا في تحديد مصير الشعب في دارفور حيث في يوم السادس من شهر نوفمبر من العام 1916م استشهد السلطان علي دينار والحقت سلطنة دارفور بالدولة السودانية دون اي اتفاقات او قواعد يمكن ان يجعل الوضع مقبولا لدي الجميع ولكنه لم يحدث و تم الحاق دارفور بالقسر والاجبار بالسودان وترتب علي ذلك الكثير من الاشكالات والتي افرزت الابادة الجماعية والتطهير العرقي التي جارية الان . ومن صنع الابادة الجماعية هو من كان يقود المستعمر ويمسك له رسن جواده ويمكننا قول ذلك بحكم ما الت اليه الامور بعد ذلك التاريخ حيث الخلل الواضح في بنية الحكم في السودان . والتي تلاه انفجار الاوضاع ودوت اصوات المدافع واشتعل الوضع وصار البركان الذي يتطاير منه حمم الموت وبالعودة الي التاريخ نجد انه في العام 1891م قدم السلطان علي دينار الي مدينة الفاشر وبايعه الشعب سلطانا. علي دارفور واسس سلطنة فيدرالية قوية بمساعدة كل الدارفوريين وشيئا فشيئا توطدت اركان حكمه واستقبله البطل عبدالقادر دليل مدينة الفاشر بكل حفاوة ولكنه بعد هذا التاريخ بعام سجل زيارة مثيرة للاهتمام الي مدينة امدرمان والتقي بالخليفة عبدالله التعايشي قائد الثورة المهدية وهو ايضا من عظماء دارفور الذين صالوا وجالوا وقادوا معارك عتيدة وبطولية ضد المستعمرين الاتراك وتمكن من طردهم وحرر البلاد من حمكهم .
التقي السلطان علي دينار بالخليفة عبدالله التعايشي وبايعه وبات احد اضلاع الثورة هناك
وكان حارسا للبوابة الغربية في الدولة المهدية
بقواته المسلحة التي تقاتل بضرارة شديدة
ولكن بعد سقوط الدولة المهدية عاد السلطان علي دينار الي سلطنته في دارفور وواصل في بناء نظام الدولة الحديثة واسس نظاما فدراليا فريدا من نوعه في تلك الفترة . حيث يتضح ذلك بانه كان عالما وسياسيا من الطراز الفريد من. خلال مجلس وزرائه وممثليه من مختلف الاتجاهات والاثنيات في دارفور الذي استطاع معهم ترسيخ فكرة الامة الواحدة ذات المصير المشترك
يحرسها قوات مسلحة بعزيمة الابطال واجهزة قضائية منفصلة . عبر شخصيات مشهود لهم بالكفاءة والنقاعة واليد العفيف
الشهيد السلطان علي دينار كان رمزا لسلطة البلاد العليا ولكنه لا يحكم بل السلطة الفعلية والقرارات كانت بيد مجلس الوزراء الذي كونه . بمساندة عدد من المستشاريين و قادة الجيش المخلصين بشدة لوطنهم وشعبهم
فالجيش كان مقسم لفرق عدة وكل فرقة يقودها شخص جدير بالاحترام وسط العامة كالابطال رمضان برة و كيران الرزيقي و تيراب سليمان ومحمود علي وهولاء جميعهم ينحدرون من اثنيات مختلفة ومناطق جغرافية في دارفور
وكان المستشاريين والوزارء ايضا بالمثل
فنجد الملك جامع الخير ملك الميدوب مستشارا في ديوان السلطنة والشرتاي صالح عبدالكريم زعيم الزغاوة دارقلا مستشارا في ديوان السلطنة
والملك قمرالدين ملك البرتي مستشارا في ديوان السلطنة والشيخ المقدوم ادم محمد مستشارا وزعيم التكنة والشيخ عبدالرحمن الناقي مستشارا وزعيم البني هلبة …..الخ .
كان الولاء للسلطنة لم يكن قائما علي القسر بل محدد بموقف سياسي وولاء عظيم للسلطان علي دينار الذي احسن ادارة الدولة والجميع كان يستتر خلف سلطته الرمزية وليس الفعلية ولم يكن اثنية الفور الذي ينحدر منها هي من تتخذ القرارت بل فقط مجرد انتماء كما بقية المستشاريين والوزارء الذين هم ايضا ملوك ومشايخ لاثنياتهم
وان حدث بعض حالات التمرد من بعض الشخصيات الا ان قواته استطاعت انهاء التمرد بالتفاوض ولم يمارس القسوة مع المتمردين
وكان حكيما وسجل له التاريخ مواقف عظيمة ستظل خالدة رغم الاصرار علي محو هذه المواقف .
وبعد ان قرر المستعمر الخارجي غزو السودان وجد الابواب مشرعة امامه في النواحي الشمالية من السودان الحالي وبل وجد حتي من يقود جنوده كدليل له بعمالة منقطع النظير
والتي تمت فيه القضاء علي قوات المهدية في معارك كرري والامدبيكرات بين عامي 1898م و 1899م تتاليا . ولكن كان السلطان علي دينار قد اعد العدة واحتسب لمصيره الذي ربما يكون مشابها لحال الدولة المهدية وبعد سبعة عشرة عاما من سقوط المهدية شعر المستعمر بان وجوده يمثل تهديدا وصوره علي انه رجل خطر وان الاوان للتخلص منه باي ثمن وخاصة بعد ان ورد معلومات استخبارية علي ان السلطان كان ينوي لاشعال ثورة عسكرية اخري ضد الغزو الخارجي باتصالاته السرية مع شعوب شرق السودان ووسطه كما قام بتاييد والانضمام لحلف دول المحور التي هزمت فيما بعد في الحرب العالمية الاولي في البداية قرر المستعمر الخارجي التفاوض معه اولا للقبول بالوضع الجديد وارسل له وفود عدة من الخرطوم الي الفاشر حيث مقر السلطنة وعاصمتها الفدرالية ولكنه رفض كل ذلك
وقرر عدم المساومة بشرف وكرامة وسمعة الدارفوريين . وفي العام 1915م ارسل السلطان علي دينار رسالة الي حكومة الدولة العثمانية متضمنا جملة من المطالب
وكان يقول فيه ” يحيط بنا العدو من كل جانب
شمالا وشرقا وغربا وجنوبا وامامنا تحديات السلطان علي دينار ومع ذلك يحاول العدو مفاوضتنا للقبول به في ارضنا ولكننا رفضنا ذلك وقررنا عدم التجاوب معه “
التي ردت له سلطات الدولة العثمانية قائلا ” اصمدوا سوف نحاول ارسال تعزيزات تجاهكم قريبا عبر رجالنا في مصر يمكننا فعل ذلك”
ولكن علم المستعمر الخارجي في الخرطوم بالخطة ومحتوي الرسالة عبر عملائه المنتشرين في كل مكان هناك وهناك .
وبعد عام واحد من هذا التاريخ قرر المستعمر غزو دارفور لاسقاط حكم السلطان علي دينار وضمه الي السودان الحالي وكان ذلك في العام 1916م حيث باتت السلطنة الدارفورية تواجه واقع الحرب الحديثة التي عززت باحدث الاسلحة الثقيلة منها والخفيفة والطائرات وقد علم السلطان علي دينار بذلك وقبل الدخول في المعارك المرتقبة مع قوات المستعمر كرر المستعمر نداءته مجددا يطلب من السلطنة الانضمام طواعية والا العصي الغليظة في انتظارهم
وعندما وصلت هذه الرسالة الي ديوان السلطنة
اجتمع فورا الوزراء والمستشارون وقادة الجيش بسلطانهم لمناقشة مصيرهم وبالطبع كان هناك بعض الانهزاميين ارادوا عدم القتال او حتي تجنبه بشتي السبل
ولكن رفض الكثيرون ذلك وقالوا كلاما واضحا واتخذوا القرار النهائي وتحدث كبار قادة السلطنة وبلغة عنيفة عازمين علي القتال وبانهم سيقاتلون في كل ارجاء دارفور
في السهول والوديان والجبال والصحاري
دون ذكر كلمة الاستسلام
حيث جهزت الفرق العسكرية من قوات النخبة التي تمت تجميعها من مختلف ارجاء دارفور
وكانت اول تلك الفرق التي وصلت الي الفاشر من وادي هور من ابناء الزغاوة وعززت من الشرق بابناء الرزيقات والميدوب والبرتي والبني هلبة والتعايشة والفور وكانت هذه الفرق تتالف من المحاربين المتمرسين من بقايا قوات الدولة المهدية
ويقول القادة البارزين في اجتماعهم الاخير لقوده هذه المعارك ” قرارنا النهائي هو عدم الاستسلام والامر الاساسي هو يجب ان يكون الجو مهيأ لذلك بتوفير المؤن والمعدات ” وكانوا يتنظرهم مصيرا مجهولا ولكنهم عزموا علي عدم التفاوض والاستمرار في القتال مهما كانت الظروف
وفي التالي انزل المستعمر قواته بشكل سري حول مدينة الفاشر وكان غزوا بالفعل ولكن فرق النخبة السلطانية تمكنت من سحب السلطان الي العمق الدارفوري باتجاه الغرب لكي لا يتم اسره
وانتظرت الفرق العسكرية المعركة الاولي والتي وقعت وخسروها واستشهد فيه الكثير من الجنود والقادة وتم اسر المئات وارسلوا الي الخرطوم حيث يستحيل هروبهم وتم استعبادهم وتشتغيلهم في مشروع الجزيرة التي كانت في طور انشائه
ولكنه ايضا كان هناك ملاحم اخري ومواقف بطولية سجلها الجنود الاسري بحيث رددوا دوما اسم سلطانهم بكل اللغات التي كانوا يتحدثونها
والتي اثاروا فيه حفيظة المستعمر واضطر الي نفي بعضهم الي الخارج نحو مصر ووادي حلفا لاحتجازهم هناك وقتل روحهم الثورية
ولكن في يوم السادس من شهر نوفمبر من العام 1916م لحقت طائرات المستعمر من النوع الاحدث كطائرات هالفاكس التي تمكنت من اللحاق بالسلطان حلقت فوق موكبه
والتي القت فوقهم قنابل حارقة وتمت تشتيت قواته البسيطة ومن تبقي منهم صمد وقاد المعركة في موقعة البرنجية الشهيرة وقتل السلطان علي دينار مع عدد من قادته ومرافقيه
ومن نجأ تم اسره والتنكيل به في السجون
وكان ذلك عينتاريخا مفصليا
حيث ضمت دارفور الي السودان
ولم يبقي من السلطنة سوي سوي مقر السلطان علي دينار في مدينة الفاشر والتي تمت استخدامها كمقر للسلطة الاستعمارية وبعد خروجه
استخدمه الحكام المحليين كمقر لهم ولاحقا تحول الي ثاني اكبر متحف في السودان وكان ذلك ف العام 1976م وبات مزارا للعديد من الزوار والباحثين ولم يبقي من حقبة السلطنة وقوتها سوي القليل من الطبل النحاسية التي كانت معدة للمراسم
فيبقي القول ان السلطان علي دينار لم يعرف الهروب في حياته ودفع بروحه الطاهرة ثمنا لصموده كما انه لم يحرق ويقتل الرسل والدبلوماسيين الذين زاروا ديوانه
انه صاحب مبادي وتاريخ حافل
سيظل خالدا طول ما بقي هناك شعب
فمن بعد السلطان ظهر المئات من الابطال من ابناء دارفور وكانوا وماتزال راكزين وفيهم لقي ربه بذاته المصير وفيهم ما ظل حتي اللحظة يمسك ببندقيته دفاعا عن الكرامة والعزة
فهناك الكثير من الابطال انجتهم الام الدارفورية ونذكرهم وهم الدكتور الشهيد خليل ابراهيم رضي الله عنه في الدارين والبطل الشهيد المحامي جمالي حسن جلال الدين والبطل الشهيد عبدالله ابكر والبطل الشهيد علي كاربينو والبطل الشهيد المهندس داوؤد يحي بولاد والبطل الشهيد جدو صاغور والبطل الشهيد عبدالشافع عربي
والبطل الشهيد المهندس ابوبكر ابراهيم حيث القائمة تطول
انهم حقا عظماء افنوا حياتهم من اجل استرداد الكرامة المنهوبة والظلم الماحق بالاهل في دارفور
لقد كانوا صامدين وراكزين ولم يري احد بطون ارجلهم فقط نسال الله لهم بالرحمة والمغفرة وحسن العزاء للشعب في دارفور
ويوم تكريمهم لابد ان ياتي ولو بعد الف عام
فيب احياء ذكراعم والاحتفاء بهم
ليكونوا الهاما للاجيال التالية
ويجب جمع رفاتهم ومن ثم اعادة دفنهم في قلب مدينة الفاشر
ويجب ان لا ننسي بان الامم التي تهمل تاريخ ابطالها سوف تظل في القاع العميق من بحار العبودية
ولكن لدي سؤال قبل الختام
اين هم احفاد القادة الذين كانوا حول السلطان حيث لم نري لهم اثر في ميادين الوغي باستثناء القليل منهم يظهرون في ساعة التوقيع علي الاتفاقيات المضروبة وذلك من خلال استغلال اسماء اجدادهم الابطال ؟!
انه لعار كبير ان يكون ابناء الزعماء يقتلهم الجبن فيجب ان يعلموا ان التاريخ القديم هو تاريخ مشترك وملك لكل الشعب وليس تاريخا يستخدم كالسلم والقصير عبره يمارس الانتهازية الوصولية لتحقيق منافع انية علي اكتاف المهمشين واليتامي والارامل والثكالي ودماء الشهداء
والسلام !!

 

هذه المقالة كُتبت في التصنيف أقلام حرة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.